رصد : صالح عمار في الحلقة الثالثة والاخيرة نواصل تغطية ندوة الاديب والمفكر د.علاء الاسواني التي تم عقدها بمركز شبابيك الثقافي في منطقة المقطم (القاهرة) يوم 7 نوفمبر، بعنوان (السخرية السياسية في المجتمع الديمقراطي)،

وهي الندوة التي اعلن الأسواني انها بغرض التضامن مع الاعلامي باسم يوسف الذي تم ايقاف برنامجه بواسطة ادارة قناة cbc التي يبث البرنامج من خلالها. يقول الاسواني ان هناك رؤيتين لرئيس الدولة : اما ان نري رئيس الدولة بمفهوم انه خادم للشعب بمعني موظف عام او خادم عام، او ان الرئيس اب ورمز للدولة.

فكرة ومسمي ان الرئيس خادم عام  ليست اعتباطا ومعناها ان اي موظف في الدولة من رئيسها حتي آخر موظف هم في خدمة الشعب، وبالتالي هو شخص مثله مثل اي شخص.

 ومصدر هذه الرؤية الديمقراطية اتت من الغرب، ولكنه ليس غربيا محضا حيث ان الاسلام في نقاءه الاول قبل ان يتلوث بالاستبداد كان بنفس المفهوم.

فسيدنا ابوبكر الخليفة الاول قبل ظهور القانون الدستوري وقبل التطور في الغرب قال في خطبة ولايته : “وليت عليكم ولست بخيركم”– وملاحظ ان وليت عليكم مبني للمجهول،  ولست بخيركم؛ اي ان من بينكم من هو خير مني، وفي الخطبة ايضا : “أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم”.

 وهذا بمثابة دستور، اي لو عملت هذا فاطيعوني و إلا فلا وهذا مفهوم جديد في تلك المرحلة، والفكرة التي اسس لها سيدنا ابوبكر هنا انه لايوجد حكم الهي، ولكن عندما وصلنا لعهد معاوية نجد ان مفهوم الحكم قد تغير تماما، مابين الرجل العظيم والرقيق سيدنا ابوبكر اقرب رجل للرسول (ص) وهو يقدم نفسه بمنتهي الرقة ومابين معاوية الذي يقدم نفسه بطريقة اخري :

حيث قال يزيد بن المقفع في مجلس البيعة ليزيد بن معاوية  “أمير المؤمنين هذا وأشار لمعاوية، فإن هلك فهذا وأشار ليزيد، فمن أبي فله هذا وأشار لسيفه”. وسكت الجالسون وظللنا نحن بعد ذلك 14 قرنا تحت ظل ذلك السيف.

وفكرتنا المغروسة عن الرئيس تختلط بفكرة الاب وهذه قصة طويلة وعريضة حيث من المعتاد سماع عبارات عن الرئيس مثل : “ياراجل دا قدر والدك وابونا ورمز”.

وعندنا ايضا فكرة الرمز، و اي شخص يمكن ان يصبح رمز (ولكن رمز ايه مابتفهمش؟!).  في الدول المحترمة (طبعا نحن المحترمين لكن دولتنا هي الغير محترمة) الرمز الوحيد هو المواطن وحقوق الانسان، والسلوك والممارسة العملية ترسخ لذلك.

ففي فرنسا قبل فترة كان الرئيس في استقبال جثمان فرنسيين قتلا علي يد الارهابيين في مالي، واذا حدث ذلك عندنا فسيبعث الرئيس مندوبين من رئاسة الجمهورية، او كما فعل مرسي سيتصل هاتفيا بالبابا بعد موت الناس، وكل هذا لان المواطن هناك هو الرمز.

وهنا مفهومان يتصارعان : الديمقراطية والاستبداد، مفهوم الديمقراطية يعني انك تريد ان تمضي في طريق ابوبكر؛ اي ان الرئيس يعمل في خدمة الشعب لاهو رمز ولاهو الاب، حيث الكناس في الشارع يقوم بايقاف الرئيس ويقوم بمحاسبته علي عدم قيامه بواجباته، ويحاسبه علي القروض التي تصل من العالم الخارجي ولايراها هو كمواطن.

وهنا يجب ان نرفض تماما فكرة الابتزاز بما هو واجب علي المسؤول والرئيس، بمعني انه لايمكن ان اقبل من اي شخص ان يقول لي لاتتحدث او اسكت لانني “كنت اقود طائرة وحاربت دفاعا عن مصر”، فالطبيب الذي ينقذ مريضه هو بطل والمهندس بطل، وفكرة انك تحارب من اجل مصر لتفعل بعدها ماتريد هي فكرة مرفوضة.

 الفكرة الثانية ان الرئيس يعرف مصلحة الشعب اكثر منه وان لديه معلومات لانعرفها وهو يتخذ القرارات لانه يعرف اكثر منا، وهذه هي مفاهيم الاستبداد، ومفهوم السخرية يسهم في كسر ذلك.

و لايوجد اي بلد ديمقراطي لايتم فيه مسخرة (من السخرية) رئيس الدولة في برامج ومجلات فكاهية، ولماذا مسخرة رئيس الدولة امر مهم؟ : لان قراراته تمس الناس كلها، ولانه خادم للشعب، ومن خلال هذه السخرية يتم التاكيد علي ان هذا الشخص ليس اعلي من اي شخص آخر.

في فرنسا مثلا هناك مجلة اسبوعية اسمها “البطة المقيدة” تصدر منذ العام 1917م، محور اهتمامها ومهمتها السخرية من رئيس الدولة،  لدرجة ان الرئيس الفرنسي ديجول الذي هو بطل قومي في بلاده قرر في مرة من المرات مقاطعة المجلة وهذا اقصي مايستطيع فعله مع انه يظهر علي صفحاتها باستمرار في شكل كلب او راقصة، ولكن ديجول بعد مرور اسابيع اصبح يطلب من مساعديه احضارها من جديد.

ولو كان هذا قد حدث في مصر فسيتم توجيه الاتهام للمجلة بتعكير الصفو الاجتماعي، وهي تهمة يتخيل خلالها الانسان ان هناك مثلاً ماء صافيا وانت جئت كدرته او القيت فيه حجرا، وكذلك تهمة اثارة البلبلة ولا احد يعرف : من البلبلة ؟ ومن الذي تبلبل؟ و ما الذي بلبلهم؟!، والحض علي كراهية النظام : وكأن هناك من يقول لك اكره هذا النظام، بينما النظام هو الذي يجعلك تكرهه او تحبه، وكلها تهم وهمية المقصود بها قمع الحريات.

وفكرة السخرية المعلنة من رئيس الدولة هي فكرة ديمقراطية ولاتتحقق الديمقراطية الا بهذه الفكرة؛ حقك في السخرية جانب وتفاصيل السخرية حاجة تانية، انا من البداية مثلا لا اتفق مع الايحاءات الجنسية في برنامج باسم وهو لايحتاج اليها، ولكنني اتحدث عن الحق في السخرية، وهذا الحق تترتب عليه نتائج كثيرة منها ان هذا الرئيس : ليس إلهاً، ولامبعوثا من السماء، ولايحق له اصدار قرارات بدعوي انه يعرف مصلحتنا اكثر مننا، وانه ليس برمز، وانه يمكن محاسبته في اي لحظة.

وبالتالي ممارسة الحق في السخرية العلنية من رئيس الدولة يرسخ المفهوم الديمقراطي في التعامل مع السلطة، ولهذا برنامج باسم يوسف خرج بعد الثورة وكان مستحيلا ان يخرج قبل الثورة لان الثورة احدثت تغيير في المفاهيم، ولهذا كان من الطبيعي ان يشاهد المصريون باسم يوسف الذي يسخر من المسؤولين لان الثورة احدثت وعي ومفهوم جديد.

ووجد برنامج باسم يوسف النجاح لان مفهوم الثورة صار واضحا، اضافة لذلك حالة الغضب ضد الاخوان المسلمين، وهدايا مرسي التي كان يقدمها لباسم يوسف وجعلت منه مادة للسخرية.

ولهذا لما تعرض باسم يوسف لبلاغات من النائب العام الموالي للاخوان وجد مساندة جماهيرية، وبعدها حدثت 30 يونيو التي اشتركت فيها الوان الطيف والشعب نزل بمختلف تياراته ولكل غرضه،  منهم من نزل لحماية الثورة ومنهم من جاء لاعادة النظام القديم، وحدث ان الجيش تدخل وحمي الموجة الثورية  وخلصنا، والكل عاد لموقعه.

وعاد باسم يوسف بعدها ببرنامجه، ومن الطبيعي ان يستمر ببرنامجه، واذا لم يستمر باسم في سخريته واختفي فسيفقد الكثير من مصداقيته، لانك تدافع عن مفهوم انه لايوجد كبير علي سخرية الشعب وحقه في التعبير وجا باسم وطرح حلقته الاخيرة، الحلقة فيها ايحاءات جنسية غير لائقة انما في النهاية هو مارس حقه الذي كان يمارسه ضد مرسي .

وماحدث هو ان الذين لديهم وعي ابوي اسبغوا هذا الوعي علي الفريق السيسي، هم يبحثون عن اب سياسي والذي هو القائد الرمز العظيم، الذي يعرف ونحن لانعرف، ويعرف مصلحتنا، ونحن ننام وهو يسهر علي حراستنا، او كما كتب احدهم علي مبارك : “دا ياعيني مابيقدرش ياكل ملوخية”، وهو لايستطيع اكل الملوخية ليس لانه بلغ الثمانين ولكن لان معدته باظت نتيجة توتره وهمومه من اجل الشعب، وتجي انت كمان ايها الابن العاق تنتقدو؟!.

وباسم يوسف عندما بث حلقته اصطدم بمجموعة كبيرة من محبي السيسي، واصطدم بشئ اهم وهو ان جمهور 30 يونيو عاد كل لموقعه، كل فرقة الان عادت لاهتماماتها واجندتها، مطالب الثورة وهناك مطالب النظام القديم.

برنامج يوسف وجد نفسه وسط هذه الزوبعة، ومنع البرنامج اعطي اشارات سالبة خارج مصر وهو امر مقلق جدا ، واذا سكتنا علي منع برنامج باسم غدا ستمنع برامج اخري، وسيتم حبس واعتقال كتاب آخرين ، وهناك اشارتان مقلقتان بهذا الخصوص :

اولا : منع برنامج باسم يوسف، ولايهمني تفاصيل المنع واذا كان صاحب المحطة يريد ان يجامل السلطة او ان هناك احدا ما من السلطة امره.

ثانيا : محاكمة صحفي امام محكمة عسكرية، وهو الصحفي حاتم ابو النور الذي هو من صحيفة الوطن وخطها السياسي قريب جدا من السلطة، واصدرت عليه المحكمة حكما بسنة سجن، والدفاع عن فكرة احالة المدنيين للمحاكم العسكرية التي تستعمل كاداة قمع منذ العام 1954م، ونادرا مااستعمل كاداة للقانون.