عبد الغني كرم الله أحكي لكم، عن نيل شق سهول البلاد، وقلوبها، يجري من الشمال للجنوب، نقيض نهر النيل في السير، توأمه في الملامح والعطاء، ينبع من قرية صواردة، شمال بلادي، ويصب في قلوب كل الحسان، والرجال، والجبال،

فأخضرت البلاد والأحشاء بكلا النيلين، فما أسعدها بهما، كلاهما خالد، لا يزول، (الجبال تزول، وكلامي لا يزول)،  كمال حكى الشاب المسيح، كذاك، نيلاك، الجبال تزول، وغناء أمواجهما لا يزول. 

أنه الطفل اليتيم، محمد عثمان وردي، قطفت يد المنون والديه، كي تكون الأرض أما، والسماء أبا، له، ويد المنون حانية على أمثاله، كما حنت على النبي الاعظم، اليتيم الأعظم، ومشئية الله غامضة، كما حكى طيبنا الصالح، في حكاية له.

 

أهمس لكم بسر عنه، عن وردي، يفسر شخصه، ويسبر معدنه، حكاه صديقه الفذ (معاوية حسن يسن)، أن وردي حمل عوده فرحا بأول لحن له، أغنية (أول غرام يا أجمل هدية)، وهرول  لشيوخه، كي يعرض بضاعته الوليدة، فجلس بحياء أمام شيوخ التلحين والشعر، خليل أحمد و”سماعين حسن”، وأخرج العود من جرابه برفق، كأنه يخرج كائن حي، ووضعه برفق أعمق على حجره، وشرع في الغناء، طارت من عش حنجرته، أسراب حمام، وقمري، ويمام، وبعد أن أنهى اللحن، أصغى في رهبة لهما، منتظرا التقريظ، والتصفيق، فصرخ فيه الملحن أحمد خليل (ده كلام فارغ).

 

فتاك الأغر، لم يرمى العود، يائسا،  ويبحث عن حرفة أخرى، مثل خفاف الأحلام، بل بعناد من يعرف قدر نفسه، وبإرادة لا تلين تحدى الريح (كلما الريح تطارد الموج، أزيد إصرار، أحلف بيك، أغير سكة التيار، وأقول يا أنت يا أغرق)، ولم يغرق وردي، سوى في حب الغناء (التغني بمحاسنك ياعزة، والتي يفنى الزمان وفيها ما لم يوصف)، وغير سكة التيار، بمشروع غنائي ضخم، فيه ألف لحن باهر، ورخيم، وساحر، وحزين، وحنين، وجعل من الوطن حبيبة، تهفو لها النفوس، وتفدى بالدم، ويعرف قدرها، وفصلها، وتخطب بالنفيس.

 

ذات العناد، كان لفتاك الراحل الطيب صالح، حين أرسل وهو في العشرين قصته الأولى (نخلة على الجدول)، لمجلة القصة السودانية، وقيل له، بلسان عربي مبين (عليك بالقراءة والأطلاع، فأنت لا تعرف طبائع أهل الشمال)، لله درك يابلادي، (ألا يعرف “الطيب”، طباع أهل الشمال؟!! وهو من جعل محجوب، وود الرواسي، ذوات تسعى بين الناس، وليس بين السطور)،  رجل معجون بالبسطاء (هل الزين شخصية روائية؟ أقسم بأن له ظلا تراه، وشاهد قبر للحنين، في حلتنا، وبين الضلوع وبأنه يكتوي الآن من نار حكومة الأنقاذ، وضرب هو يصرخ أنا مقتول في قصر النفيدي)، لا كرامة لنبي بين قومه، أم أنه التحدي الذي يخلق الأبطال، مصداقا لقول المؤرخ تويبني، ونظريته في (التحدي والإستجابة)، كأن التحدي هو لحن، على كل صاحب تجربة فريدة، أن ينشده لنفسه، في بدء طريقه (تمنت سليمى أن أموت بحبها، وأهون شئ عندنا ما تمنت)، أم طلبت مقاما، بذل نفسك شرطه؟ لله درك يا عاشق “سليمى/السودان”، فالموت “أهون شئ عندك” كي تموت في سبيل حب سليمى/الوطن، فأفترشت حصى كوبر، ولحنت أغانيك من داخل حصون السجن (وأنت رهين المحبسين)، حبس السجن، و “حبس”، الحرمان من “العود”، ( نغني ونحن في أسرك، وترجف وأنت في قصرك)، ما أعجب صلابة إرادتكما (أيها المحجوب شريف، ووردي)، تلكم الإرادة الراضية بمجرى الأقدار، لاشك وريثة زهد عظيم، ويقين أتم، بأن النور عملاق ولو في رأس شمعة واهنة، والظلام قزم، ولو عم الوجود..

 

هكذا المرهفين، يا عزة،  كالأنهر، تواجه أمامها سهول وجبال ووهاد، مدى البصر، وبمعول الرقة حفرت جدولا كحوض النيل، أطول وأحلى جدول في العالم، وهم رغم رهافتهم، صبروا، وصابروا، وبمعول الرقة، حفروا نهر الفن الأصيل، وكسروا صخر الهمز، وجبال القمز، والهوان، وسقوا حقول النفوس عسلا، وحليبا، وخمرا حلالا، ألم يقل الفتى اليتيم، والذي صعد في عنفوان شبابه،  قمة شعاب جبال مكة، متدبرا، حال الوجود، ومآله، هو يصعد من صخرة لأخرى، في بهيم الليل، وفي وضح النهار، حتى برق في قلبه نور عظيم، فأدرك سر الخالق المخبوء في المخلوق، فقال (لو تعلق قلب رجل بالثريا لنالها)، وتلك هي الإرادة في أسمى بركاتها، والعزيمة، في أنضر تجالياتها، إرادة الإنسان حين يعشق بصدق أهله، وبلده، وربه، وكونه، فيطال أعالى الثريا، من أدنى الثرى….

 

تدرك النفس، حينها أن الألم والحزن والكبد، مسطور خلفها، حكمة بليغة، أهونها أن تلين صخر المشاعر، وترقق شغاف الفؤاد، وبلى كان فتاك، كعود الند، يحترق رأسه بنار هم إنساني، ويطلق عمامة من بخور شفيف، فوق رأسه الشامخ، يتضوع بها أهله، ويستنشقوا روح نده المحروق، ويسرحوا في عوالم لا تخطر على بال، سوى قلب الشعر..

 

عزة، بلدي الحبيب، إليك رسالة مني، عن فتاك..

 

(1)

 

عزة،

 يانور العين..

كما تغنى في هواك الخليل.

أنت وينك وين؟…

 

أميرة القرون الطوال، كيف أحمد لك بركتك، وأشكر الموهوبين من أبنائك، بل من أين  لي القدرة على ملامسة عنت صدقهم، وسبر أصالتهم، فيصاقب الحمد المحمود، وإلا جاء الثناء كالذم، فمن جهل العزيز، لا يعزه، وأنا أجهل قدرهم، وفصلهم، ولكن أن أضئ شمعة في ليل بلادي، خيرا لي من أن أسب ظلام جلها وظلمها، أولئك اللذين خففوا عنا كبد العيش ورهق معضلات الوجود، وكانوا بمثابة موانئ من عواصف الحيرة، وطعنات الضلال، فزخرفوا الوجدان بحسن ظن عظيم، حسن ظن بالبلاد والعباد، والأقدار، وجلوا عن القلب صدأ، وعن الروح غبار، أناس عرفوا سر جمالك، وجلالك، وكمالك، فهاموا بك، هيام العارف، هام بك العباسي، ومعاوية نور، والكاشف، وجكسا، وبرعي دفع الله، و ودالرضي، ووردي بل أقسم بأن كل رجالك، ونسائك أبطال عظام، فالذي براهم بيده عظيم، كريم، ولكنه غموض القدر، (غموض القدر ياعزة) أخفى بطولات، وأعلن أخرى، فوجب علينا التريث، كي لا نسئ لولي منهم، وهم خفايا، كلذة الشعر، أناس أخفيا، أتقيا، في كل حرفة، وحقل ومصنع وفصل، في اصقاع بلادي، قوم إذا حضروا لا يذكروا، وأن مضوا لا يفقدوا، هم ملح أرض، عرفوا، أو لم يعرفوا، بلى هؤلاء أناسك، المنثورين في أرضك السمراء، كروعة النجوم في سمائك الرحيمة، ولكنهم، أخفياء، ولم يفعل مبدعي بلادي، سوى أن رأوا تلك الجذوة، كامنة فيهم، فقدسوا إنسانك، لأنه بها جدير، وحقيق،  وروحوا عنه، وعنك،  عنت  وكبد العيش، فطابت النفوس بعطائهم، وأشعلوا تلك الشرارة المباركة في كل بنيك، فتوهجوا أجمعين، بلادي لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنى عليك بنيك، بما أنت له أهل.

 

(2)

 

بين جبال الهملايا، وردي جبلا آخر:

 

(حدثنا عن أي شئ ، عن السودان، أي شئ، أي شئ)، هكذا قالت المرأة وزوجها، للطالب السوداني الذي عثروا عليه صدفة في مدينة أسيوية، صغيرة وجميلة، تنام بين شعاب الهملايا، وهم الذين غابوا عن الوطن عقود طويلة، وغابوا في تلك التلال النائية، الباردة، وهل تصدق (وهي قصة حقيقية)، نام معهم في غرفة النوم ذلك اليوم، بل كانوا يصغون له، وهو يحكي ببساطة، كيف فطر في ابو جنزير، وكيف تناول فولا، في صحن الطلس الصغير ووضعه في طربيزة بلا فوطة، وأكل معه جار له، طلب كبدة، (كالأشعريين، هم مني، وأنا منهم، كانوا يفرشون  ثوبهم وعليه طعامهم ويأكلون بالسوية، هم مني وأنا منهم)، أي نسب هذا؟ هم مني، وأنا منهم؟ أهكدا الكريم؟ يؤاخي يتميم قريش؟  فيبكي الزوج، وتبكي المرأة، لبطولات عظام، فطرية، تجري وتنساب في حياة بلادي ببساطة كما يجري النيل، بلا من أو سلوى، لمن يغرف موجه، أويشرب ماءه، ولهذا خلق، اختصه الله بقضاء حوائح الناس، حبب الخير إليه، وحببه إلى الخير، رسول حب، رسول عطاء (أشعرتم بثمرة العطاء؟ أشعرتم برضى الضمير؟ أئتني بخمر مثل رضى الضمير حين يقضي حوائح بني آدم، بلا من أو سلوى؟ أنه خمر الخمور، فالضمير هو النور الأول، النور القديم، في حنايا القلب، وهو نور لا يسره سوى الصادق من الفعل، وإن قل،  (لا تستحتي من إعطاء القليل، فالحرمان أقل منه)، فمسح رأس يتيم، برفق وحب، خير من بناء قصر، لدى ذلك النور المتألق في النفس، في سويداء القلب، (والرضى نعمة النعم)..

 

كيف لا يغني وردي وهو من هذه البلاد؟

 

كيف؟ بربك، كيف لا يبتل بماء النهر، وحاله حال الحلاج (ألقاه في اليم مكتوفا من الأيدي، وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء)، أي تحذير هذا لفتى نوبي رمته يد الحب، مكتوف اليدين، في صدر النيل وقالت له (إياك إياك أن تبتل بموج الحب، نور الحب)، فهوى في النيل، نيلا أخرى، مقيدا (ومن وجد الإحسان قيدا، تقيدا)، وجرى النيلان في سماء بلادي بركة وخيرا، ونماء..

 

وحكى لهم عن رحلة حافلة الشنقطي، وعن الدافوري للاطفال الحفاة، والرجل وزوجته يكفكفون الدموع، يبكون لكل شئ، ما أعظم غربتهم، حكى لهم عن عرس حضره، وعن منظر الغروب بين حقول القرى، وعن بيوت الطين البسيطة، وقد كنست صبحا وعصرا، وعن آثار دجاج في أطرافها، واثار ألف مركوب وشبط وسفنجة عند عتبة الدار، بكت الزوجة بحرقة، وكأنها قصاصة أثر، ورأت أثر والدتها تدخل تلك الدار، أو بنت خالتها، بكوا في اليقظة، وبكوا حين ناموا في احلامهم، لرائحة الوطن، التي شموا من دلك الفتى الاسمر، ..

 

تذكر الفتى، الطالب كيف بكت المرأة حين حكى لها عرس جارهم، وهم يحفرون لأعمدة الصيوان وسط الشارع (حفرتو للصيوان في الشارع؟)، ثم تبكي، مع كل حفرة حفرها الطالب)، وكأنها كانت تشعر بفرح العرس، وألم الأرض المثقوبة، كسره، فقد صار الشارع مسرح عرس عندها، كانت تتابع بفرح حزين الطالب وهو يحكي عن نصب الصيوان، ورص الكراسي الحمراء، وهي تبكي مع كرسي، ومع كل من جلس عليه، بنت كانت أم فتى، بكت (أيبكي امرؤ على مدينة، على شارع، على حفرة في شارع، أيبكي الانسان على ذكر شجرة في ركن المدرسة، تلقي ظلالها على الشارع؟ أنه خمر الحنين، حنين الجذع للشجرة، والجذور، ولكن الموت عرس “حكي لأستاذ محمود عن أسرة أخرت زواج ابنها لوفاة قريب لهم فقال لهم “كلاهما عريس، وكلاهما دخل حياة جديدة، العريس، والعريس الراحل)، ما اعمق الحياة، وما أصغر الحواس..

 

وحين حكيت لها حكاية ثلاث عصافير، ظلت تستحم تحت الزير، وتنفش ريشها، ريشة فريشة، وتحك بأرجلها الريش البعيد في ذيلها، والماء ينزلق برشاقة من ريشها، فقد استحمت العصافير تحت مطرة صغيرة، مطرة من نقاط الزير، استحمت بتأني، بكت المرأة وبكى زوجها، بكوا بكاءاً حارا، حتى صار نحيبا، وقالوا بنفس واحد (أشتقنا شمش السودان، شمشه الحارقة، أشتقنا للشمس كي نستحم مثل هده العصافير ، نحن مثل هد العصافير السعيدة، فلا يعرف قيمة الظل إلا من ذاق الرمضاء)، والآن أدركنا ظل الوطن (رغم شمسه الاستوائية الحارقة)، من رمضاء الغربة، من نار الغربة..

 

وحين قال لهم، في الليل، بل مند العصر نخرج العناقريب، وننام في الحوش، بكوا، وبكوا، (تناموا تحت تلك السماء المرصعة بالنجوم، وبنات نعش، وتحرس أحلامكم أضواء نجوم بعيدة بعيدة، خيول الضوء لا تدركها بشق الأنفس، و تشعروا بأن قبة السماء هي قلب شاعر، وبأن النسيم تحتها دمه الناااعم، النبيل، وبالأرض بطنه الطيبة، وسرته تغذيكم باليقين والصفاء)، بكوا العناقريب التي تنام  تحت السماء، غرقى في بحر نسيم عذب، مغني بالثغاء والخوار الواهن ، معطر بالعشب ورائحة الطمي، في أقاصي الليل، بكوا، ليلك يابلادي، حتى الظلام هناك أحلى، فهو يحتضن البلاد..

 

 

(أبدا ماهنت ياسوداننا يوما علينا)، بل لحظة علينا، وفي اليوم التالي، عثر الفتى الطالب على مائة شريط لأغاني سودانية، في دارهم،  وكان نصيب وردي نصيب الأسد، نصيب أبادماك.

 

وأقمنا عرس بين الجبال، بالفنان وردي، رقصنا على أغانية، رقص الثلاث، كما يرقص الصوفي في حلق الذكر، وكل كلمة، وكل لحن، وكل نغمة، كانت تحج بهم للوطن، أجمل ما يكون، صار الوطن كله، بلى كله، في راحة اليد، والقلب، (شممنا الوطن، وتذوقنا الوطن، ولمسنا ترابه الدافئ، وصخره الصلد، ونيله الناعم، حقيقة، لا مجاز) هكذا بلغ بهم الحال، وهم يسمعون صوتك ياوردي، هكذا بلغ الحال…..

 

(3)

 

انا والأنغام والعود في ايدي
بحكيلو حكايتي ويعيد ترديدي
واشكيلو همسة أو عذب نشيدي
ياما الأوتار تفضحني من ريدي
يا نور العين
يا نور العين انت وينك وين

 

قالت أم مهاجرة، عن البلاد عقود، أن أغاني وردي، في غربتها، (تفور الدم السوداني في عروق السوداني لما يسمعه وهو في أي بلد) فما أبلغها من حكمة، بلهجة سودانوية، (يفور الدم السوداني)، وليس دم جعلي، أو شلكاوي، أو نوبي، الدم السوداني، الخمر السودانية، تلكم الخمرة التي أسكرت، وهي تجري في دفء العروق، التجاني، والعباسي، وعبدالخالق، والكاشف، وكثر من ندمانها، في طي القبور الرحيم، أو في مسعى ظهر البسيطة الطيبة.

 

ففي ملعب كبير، لكرة القدم، في جبال الحبشة، حيث ينزلق النيل الأزرق نحو سهول السودان، وجبال الانقسنا، احتشد آلاف الأثيوبيون (دولة صديقة)، من كل فج عميق، وبرشاقة جبلية رقصوا معك، وحفظوا أناشيدك، حفظوا الكلمات دون ان يفهموهما، ولكن لحنك، وسمتك، أوحت لهم بالمعاني، أجمل ما يكون، بل أروع مما يتذوقها بعض أهل يعرب، من الدول التي نسميها مجازا (شقيقة)، وما الشقيق إن لم يرقص لطبلك، ويحزن لدمعك، فما أقرب صلة الوجدان مع هؤلاء النفر، اللذين يتدفق حليب النيل من جبالهم..

 

وأنا أشاهد الحفل في التلفاز، شعرت بدفء، وبأكسوم، وبسوبا القديمة، وبالقلابات، وبالنيل الازرق، وبالرهبان الحبش، وببلال الحبشي، وبالنجاشي، وبصلاة المعصوم عليه في بيداء الحجاز، وبالغيوم التي تسافر من الأطلسي كي تغمر أعالى الجبال ثم تنساب لحقول الوطن، وكأنه يشكر الجار، ويفئ بعشرة المناخ، فحين غنى وردي، ذاب الجميع، وكأنهم على قلب رجل واحد، وحدة عضوية، ألف قلب صغير، نبض وتأثر ورقص وبكاء جماعي، في ذلك الملعب المبروك، فشعرت بنهر آخر، ينبع من كرمة، وكوستي، والخرطوم، ويصب في الحبشة، عكس اتجاه التيار، هذا بذاك، نيل بنهر،  فشرب منه الحبش، نهر كوثر، وخمر، ولبن، أنه نهر الغناء الأصيل، والنحجرة المعتقة، نهر الفن، فأستحم الحبش من وعثاء العادة، وغبار الروتين، في نهر الفن الخالد، محمد وردي، فكم نهر أنت، ثلاث أنهر؟ أم نهر عريض،  دافق، غرفت سواقيهم منه، وسقت حقول قلوبهم، وزهر وجدانهم بمائه الصافي، النقي…

 

لقد عانيت كي تلحن لنا، من أين يأتي اللحن ياوردي؟ من قبة عند ساق العرش؟ عرش آدم الأول، عالم المعاني، والمباني؟ لم يسرجنا اللحن لعوالم فينا، بعيدة بعيدة، قريبة قريبة؟ ما اللحن؟ أهو خمر تشرب بالأذن (غنت فلم تبقى من جارحة حتى تمنيت أنها أذن)، ما أعجب خمر الألحان الفريدة، تسكر من غير دن، ومن غير خمر ونديم، تفك يد اللحن القيد عن أرجلنا، وعن قلوبنا، تطفئ نار الخوف، وتجعلنا نحلق كالبخور، بلا عظم، أو وتد يشدنا للارض، سنة وفطرة تلذذ النفس باللحن الطيب، سنة، بل غريزة كالجوع، والفرح، ومسرات العبادة المجودة للعارفين (نحن في لذة لو عرفها الملوك، لجالدونا عليها بالسيوف)، وتلك لذة الاستماع، بل الإنصات لموسيقى حركة الوجود، وهي تدب من ماض لآت، أنها موسيقى الحاضر كله، في صيرورته المتبدلة، بين حنين ماض، وتوق آت، فما أعجب الأمر، الزمن موسيقى، يسيل برفق، وتؤده، وتر مشدود بين ماض وآت، تحكه عصاه ربان ماهر، وغامض، فيضطرب الحاضر، بأسره، في كل ثانية فيه، بل واقل، لنغم ذاب ونغم أت، (الآن نغم، بلى نغم)…. (والمغاني، للمعاني، كالمباني تظهر الأسرار)، ورحم الله ابا الطيب (لا يتملكني الغضب، ويهزني الطرب)، فيد الطرب تهز أفئدة الجبال، علماء الكيمياء، صاحوا ملء فمهم (الأوتار تحكم العالم، الأرض، فالأفلاك تسير في مدرات حول الشمس، على شكل أوتار غير مرئية، من الجاذبية الكهرومغناطيسية) حتى الكيماء والفيزياء صارت وتر، وغناء فما أعجب سر الكون، ألهذا أسر افلاطون لتلاميذه، قبل  ألف عام وعام( أصغوا للكون كله، فحركة الافلاك موسيقى)، بلى قال، وصدق..

 

عزة، جرى القلم بما جرى، فوردي، وفنه أوسع من السماء، ولو مد الله في العمر، والمدد، لأرسلت لك بعض حروف عن ألحانه، في رسالته التالية، وكيف تختلف عن ألحان سرب وطيف من ألحان بلادي، تلك الألحان، بل تلك المرآة، للنفس، والروح السودانية…

 

 

عميق محبتي

عبدالغني كرم الله

الخرطوم شهر مارس 2012م