خالد فضل الحرب التى أعلنها وزير دفاع المجموعة الحاكمة فى السودان ومساعد رئيسها , تحت ذريعة حسم التمرد فى كردفان والنيل الأزرق ودارفور , يمكن النظر اليها من عدة زوايا , أولاها  , أنها  امتداد طبيعى للبرنامج الذى انتهجته الفئة الحاكمة  منذ أول عهدها بالسلطة وعلى مدار 25 سنة مدة هيمنتها التى ما تزال مستمرة ,

فاللغة الاساسية للحكم ظلت لغة الحرب والأدبيات التى تعج بها مكتبة الإذاعة والتلفزيون وإرشيف الصحف هى مفردات التحريض والذم والنعوت العنيفة ضد أى مخالف فى الرأى أيا كانت الوسائل التى يتبعها للتعبير عن رأيه , والممارسات اليومية فى إدارة الدولة تعتمد نمط الحرب ففى كل مجالات النشاط الانسانى تكون الأولوية لمن شاركوا فى الحرب الأهلية , وحتى فى اختيار المسؤولين للوظائف القيادية يكون السبق للمجاهدين الذين رابطوا فى مناطق العمليات الحربية ضد المواطنين السودانيين المناهضين لسلطة الجماعة المهيمنة , بل حتى فى الشق المهنى والعامى الذى يفترض فيه أن يكون معتمدا على معايير غير معايير الاستبداد السياسى  والموالاة لبرنامج الهيمنة , نجد أن هذه المعايير قد تم ازاحتها لصالح تمكين معايير الحرب , فالطالب الذى يشارك فى الحرب ضد شعبه وضد تطلعات مواطنيه المشروعة فى الكرامة ونيل الحقوق  فى أدنى مستوياتها يكافأ  بنسبة مئوية تضاف الى نسبة نجاحه التى أحرزها فى امتحانات الشهادة السودانية ويدخل الى أرفع الكليات على حساب الطلاب النجباء الذين حازوا على درجاتهم بجدهم واجتهادهم ولكنهم لم يشاركوا فى حروبات الاستبداد والقهر لشعبهم ولم يمارسوا القتل والترويع  لابناء شعبهم الثائرين من أجل كرامتهم , وفى الجامعات تم اهدار كل التقاليد الاكاديمية وتحطيم أى أساس علمى للجامعة بابتداع امتحانات المجاهدين التى صارت سلعة للمحاباة والمضاربة فى بورصة المساومات الرخيصة والاغراء لكسب المولاة للفئة المستبدة , أليست هذه الممارسات كانت وما تزال هى ديدن الفئة الحاكمة وممارستها للحكم؟ فدولاب الدولة المستبدة الآن يكتظ بهؤلاء الذين استولوا على المواقع والمناصب بوضع اليد , تحت دعاوى الجهاد أو استشهاد أحد الأقارب فهذا من أسرة الشهيد فلان وذاك من أرومة المجاهد علان يستوى فى ذلك الوظائف التى لا تحتاج الى مهارات محددة وتلك التى تتطلب تأهيلا معينا , فمن الدرجات العمالية التى تتطلب الالمام بالقراءة والكتابة فقط الى المؤسسات البحثية التى يفترض أنها بحثية بما تتضمنه الكلمة من مطلوبات وقدرات , وعندما تراجع ميزة من يتولاها بزعم الشهادة والجهاد , تكتشف دون عناء أن كليهما أى من أستشهد (بزعمهم) أو جاهد (حسب أدبياتهم) إنما اصابه ما اصابه وهو يقاتل أهله ويبيد شعبه ويؤذى أبناء وطنه ويدمر مقومات بلاده البشرية قبل المادية , ومع ذلك ينال التكريم تحت تلك الصفات فتأمل! أوليس هذه ممارسات حربية , فهل توقفت الحرب يوما حتى يتم اعلانها مجددا ؟ ثم لما ساد زمان العصبية الاسرية والجهوية والقبلية بعد انهيار دعاوى وشعارات وأكاذيب الاسلاموية , تواصلت الحرب السلطوية ضد الشعب السودانى وصار الحصول على وظيفة مدرس فى مرحلة الاساس أو حتى النقل من مدرسة الى أخرى يتطلب قدرا من الدهنسة وسندا من قبيلة أو جهة أو عصبة من سدنة الحكم الاستبدادى , فإذا لم تكن هذه ممارسات حرب فبأى شىء يمكن وصفها؟؟؟ هذه ملامح فقط للزاوية الأولى التى يمكن النظر من خلالها لإعلان الحرب مؤخرا فى الجنوب الجديد.

 زاوية أخرى يمكن قراءة اشعال الحرب وزيادة أوارها فى تلك الانحاء مرتبطة بحالة الفشل الذريع والافلاس التام الذى أصبح أكبر من أن يدارى أو يتم التستر عليه فالفئة أو المجموعة المهيمنة قد استنفدت كل الخيارات حتى الكذب تم استهلاك كل المخزون اللغوى منه لم تبق كذبة لم تقل , لم يبق معنى لم يبتذل لم يبق شعار لم يستهلك , كلها بارت وبعد 25سنة يا للحسرة يتلفت دهاقنة الاستبداد فلا يجدون إلا أشلاء وطن يجلسون على أنقاضه , يتلفتون مذعورين , أين الخدمة العامة ؟ أين المؤسسات الاقتصادية ؟ أين المشاريع الخدمية والانتاجية ؟ أين الزراعة والصناعة والخدمات ؟ أين القيم والأخلاق الفاضلة؟ أين التعليم والصحة والعلاج ؟ بل أين المليون ميل مربع التى استولوا عليها صبيحة انقلابهم المشؤوم ؟ يتلفتون مذعورين , وعشرات الآلاف من السودانيين الأعمى شايل المكسر يبحثون عن مهارب من سجن الوطن . يبحثون عن الخلاص الفردى والاسرى  , يبحثون عن لقمة خبز فى تل آبيب وبحار أستراليا وشواطىء ايطاليا وعبر برامج اعادة التوطين واللوترى التى صارت أهم حلم لمعظم الناس وخاصة أجيال الشباب الذين هم فى المقابل من يفجرون الثورات ويقودون المواجهة المسلحة فى المدن والاحياء وفى الوهاد والصحارى والجبال , لم يبق أمام جماعة الاستبداد الا إعادة الكرة مرة أخرى كما الحيوانات المجترة التى تمضع العلف مرارا ذات العلف بغضه وغضيضه, وها هى الفئة المستبدة بعد أن حولت الوطن لأشلاء وشعبه الى غرباء , وبعد أن قسمت الشعب الى فئتين كما ذكر الرئيس عمر البشير فى مؤتمر “الهوت دوق” الشهير . فئة الأثرياء ذوى العربات الخمس مثل جيرانه وفئة المعدمين ممن يقتاتون بكمونية الجداد ويحلون بكمونية البقر البايتة , بعد كل هذا وذاك تراهم يعلنون حروب الهروب من مواجهة الفشل الى حروب حرق القرى وتدمير القطاطى وقتل المدنيين وقصف العزل وحرق الأسواق  حروب زيادة الغل وتوسيع فتق الوطن ومزيد من الجراح والألم , ترى الفئة المهيمنة وقد استبد بها الجزع من هبة بعض الشعب فى بعض المدن فى سبتمبر الماضى  , رأت المناظر فقط فراعها  الفيلم , أطلقت القناصة وأغتالت الشباب  والطلاب فى الشوارع  عن طريق القوات الخاصة كما اعترف الرئيس , عرفت الفئة المستبدة حجم الغبن الذى تنطوى عليه الصدور , وحجم الغضب الذى يتمدد فى الشرايين , عرفت مكانتها بين معظم شعبها , وعرفت وعى شعبها بكل ما فعلت بالوطن من أفاعيل , فلابد للفئة المستبدة من هروب كبير فما فى جعبتها من حيل واحابيل قد نفدت صلاحيتها , عليها أن تشون ما تستطيع , ترمى من  تستطيع رميه فى مطحنة الحرب المستمرة ولتكن الاستعانة بالمليشيات أو المرتزقة , فما من سودانى سوى باتت تثق فيه الفئة المستبدة , وبعد أن تبعثر دثار  خيال المآته المسمى حزب , وقد كفانا د.غازى صلاح الدين العتبانى  مؤونة أى قول عنه أو عن التابع الآخر المسمى حركة اسلامية . إذا هى حرب يزيد أوارها الفاشلون حربا وسلما , فما أتيح من فرص لبناء البلاد  وما قدم من أفكار ومشاريع ورؤى وما أبرم من اتفاقات سياسية كان كفيلا بتجنيب البلاد والفئة الحاكمة الواقع المأساوى الذى دون شك ينتظر البلاد وشعبها مثلما ينتظر الفئة الحاكمة ثأر المضطهدين والمعذبين , وإذا كان المضطهدون والمهمشون لا يملكون ما يخسرونه الا أغلالهم  فإن صبح الخلاص سينبلج على البلاد رغم تطاول أمد الليل وساعتها لات ساعة مندم .

 

 

===