الابتسامة الخالدة: تجسيد المعارف على منصة المشنقة!!! بقلم عبدالله الفكي البشير من الذي كان على منصة المشنقة في صبيحة يوم الجمعة 18 يناير 1985م؟ إنبري الشاعر صلاح أحمد إبراهيم (1933م-1993م) مجيباً على هذا السؤال، فكتب في صحيفة الصحافة، بتاريخ 25/6/1985م قائلاً: (حينما صعد محمود محمد طه المشنقة؛ كنا نحن الذين عليها؛ وكان هو نحن

.. لو لم يستقبل الأستاذ الشهيد الموت بتلك الابتسامة الخالدة، وبرباطة الجأش المتناهية، التي أبداها، لخذل فينا اعتزازاً يضرب عمقاً، ورسوخاً في كياننا القومي، ولسخرت منا تربيتنا التليدة “حقي المشنقة والمدفع أب ثكلي”). والحق أننا، مع مرور كل يوم جديد، نكتشف أن يوم الجمعة 18 يناير 1985م، يوم ابتسامة الأستاذ محمود محمد طه، على منصة المشنقة، يكتسب معنىً أكبر، ومفهوماً أعمق وأوسع، ودلالات أشمل. فالابتسامة الخالدة على منصة المشنقة غدت تُبعث في كل يوم، لتعاد قراءتها وتعريفها في أفق جديد، أفق الإنسان الحر، والثورة الثقافية التي هي حاجة عالم اليوم. وهل هناك تحدي يواجهه الإنسان الحر أكبر من تجسيد المعارف على منصة المشنقة؟ وهل هناك ثورية أكبر وأبلغ من هزيمة تجربة الموت، بالابتسامة على منصة المشنقة، والمشي إلى الله مشياً؟ كان الأستاذ الحاج وراق قد كتب في صحيفة الحرية، بتاريخ 22/12/2001م، قائلاً: (سمعته [أيّ الأستاذ محمود] يقول: “سيأتي نموذج الإنسان الذي يهزم تجربة الموت ويمشي إلى الله مشياً”). ونبقى نحن، مع كل يوم، نتقفى أثر المشى إلى الله، ونسعى لسبر أغواره، لنكتشف أننا نحتاج لمزيد من الطاقات والعلم والوقت والصدق والصمود والصبر.

حراك الأسبوعيين الماضيين

يتوكأ هذا المقال على حراك جاء في بحر الأسبوعين الماضيين، في الصحف السودانية، وعلى المواقع الإسفيرية. تمثل هذا الحراك في مقالات نشرها بعض الكُتاب، وحوار صحفي، أجرى مع الدكتور مالك حسين، ومداخلات في المنابر الإليكترونية، ساهم فيها بعض المثقفين والقراء. تبلور الحراك، في تقديري، في المحاولة للإجابة على السؤالين التاليين: هل كانت هناك مساعي لمراجعة حكم الإعدام على الأستاذ محمود محمد طه؟ وما هو موقفه منها؟ يحاول هذا المقال، الإجابة على هذين السؤالين، مستنداً على مصادر ومراجع مشار إليها في مواقعها ضمن المقال، إلى جانب مقابلات متعددة تمت مع الأستاذ عصام البوشي، والذي بدوره وبحكم منهجه في الاحتراز والورع العلمي، هاتف الدكتور مالك حسين وجدد معه التدارس وبعث التفاصيل.

استهل الكاتب الصحفي مصطفى عبدالعزيز البطل هذا الحراك، بمقال عبَّر فيه عن انطباعاته الأولية، عن كتابي، الذي صدر في يوم السبت 31 أغسطس الماضي، بعنوان: صاحب الفهم الجديد للإسلام: محمود محمد طه والمثقفون: قراءة في المواقف، وتزوير التاريخ. وسم البطل مقاله بـ: “قنبلة عبدالله الفكي البشير”، ونشره بصحيفة الخرطوم، في يوم الثلاثاء 29 أكتوبر 2013م. كتب البطل قائلاً: )أرجو أن أكون عوناً لصديقي عبد الله أيضاً في تمحيص رواية أخرى اعتمدها ونشرها، منسوبة إلى رجل فاضل، مفادها أن النميري أعلن تحت ضغوط دولية، وبعد صدور الحكم، أنه مستعد للعفو عن الأستاذ محمود إن هو بدَّل مواقفه. وأن زنزانة الشهيد اكتظت إثر ذلك بعدد كبير من الزوار من أساتذة الجامعات والكتاب والصحافيين وغيرهم ممن سعوا إلى إقناع الشهيد بتغيير موقفه. وأنا أقطع بأن تلك الرواية لا نصيب لها من الحقيقة، وأن الحكم الذي اعتمده النميري بتنفيذ الإعدام في اليوم المعين كان نهائياً. وإنما شملت الاستتابة المحكومين الآخرين. ولم يسمح لأحد بملاقاة الأستاذ داخل زنزانته. شهادات رجال السجن التي حملها الكتاب نفسه تثبت ذلك). تبع مقال البطل حوار مع الدكتور مالك حسين أجرته معه صحيفة اليوم التالي، بتاريخ السبت 2 نوفمبر 2013م. أورد الدكتور مالك حسين شهادته، فتحدث عن تقييمه لمحاكمة الأستاذ محمود، وتناول مساعيه لمراجعة حكم الإعدام، وجلوسه مع الأستاذ محمود قبل تنفيذ حكم الإعدام، وقال: “نصحته بأن يستأنف القرار لنميري لكنه رفض وقرأ علي (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ)، وكان بفتكر أن يعدم أو لا يعدم هذه ليست قضية وإنما القضية هي إصلاح الحكم” …إلخ. (هنا يمكن أن نلاحظ أن مالك حسين لم يكن، كما سيتضح فيما بعد، في وضع ينصح فيه الأستاذ محمود، وإنما كان هو رسولاً ونائباً عن جماعة أرسلته لترجو الأستاذ محمود وليس لتنصحه كما ذهب د. مالك حسين).

على ضوء الحوار الصحفي مع الدكتور مالك حسين، وما جاء في شهادته، نشر الأستاذ حيدر أحمد خير الله في عموده “سلام يا .. وطن”، بصحيفة الجريدة، في يومي الاثنين 4 نوفمبر والثلاثاء 5 نوفمبر الجاري، مقالين: الأول بعنوان: “المعلم الشهيد/ محمود محمد طه..”، والمقال الثاني بعنوان: “د. مالك حسين: لا صدق لا جسارة ..”. قبل حيدر أحمد خير الله بعضاً من كلام مالك حسين، وأبى وعاب بعضه الآخر.

المساعي لمراجعة حكم الإعدام على الأستاذ محمود:

من المهم الإشارة إلى أن كل المساعي، وهي عديدة، التي تمت في اتجاه الوساطة، بغرض مراجعة الحكم بالإعدام على الأستاذ محمود محمد طه، في كل مراحلها ومستوياتها ومواقيتها، لم تكن بطلب من الإخوان الجمهوريين، وإنما كانت مبادرات من آخرين.

أثناء فترة سجن الأستاذ محمود الأخير بسجن كوبر، في يناير 1985م، اتصل الدكتور مالك حسين بالأستاذ سعيد شايب، كبير الجمهوريين، وطلب منه الموافقة على الاجتماع للتفاكر بشأن جهود يقوم بها مجموعة من المتنفذين في النظام الحاكم، ممن يرون بأن أمر محاكمة الأستاذ محمود يجب أن لا يسير في وجهة الإعدام؛ إذ أنهم معترضون عليه. رفض الأستاذ سعيد شايب ذلك، وأوضح للدكتور مالك حسين أن الأستاذ محمود لا يقبل الواسطة في هذا الأمر، ولا يقبل عملاً مثل هذا. وبعد إصرار من الدكتور مالك حسين، وطلبه من الأستاذ سعيد شايب أن يسمح لهم بالبدء في الاجتماعات واللقاء المباشر بالأستاذ محمود، وافق الأستاذ سعيد شايب وأوضح للدكتور مالك حسين بأن الأستاذ عصام البوشي سيكون ممثلاً للإخوان الجمهوريين في تلك الاجتماعات.

الاجتماعات: المكان والحضور

ذهب الأستاذ عصام البوشي، ممثلاً للإخوان الجمهوريين، إلى حيث كانت تعقد الاجتماعات، فى الأمسيات، في مكتب الدكتور مالك حسين بشارع السيد عبدالرحمن بالخرطوم. كان الأستاذ عصام البوشي هو الممثل الوحيد للإخوان الجمهوريين في كل الاجتماعات، عدا اجتماع واحد حضره معه البروفيسور عبدالله النعيم. أما الحضور من جانب مجموعة الدكتور مالك حسين فهم:

  1. السيد/ عز الدين السيد            رئيس مجلس الشعب
  2. الدكتور مالك حسين               رئيس الهيئة البرلمانية لمجلس الشعب
  3. الدكتور عبدالحميد صالح          نائب رئيس مجلس الشعب
  4. اللواء بابكر عبدالرحيم            رئيس لجنة الأمن والدفاع وأمين القوات النظامية

(كان ضمن مجموعة د. مالك حسين، الأستاذ الرشيد الطاهر، مساعد رئيس الجمهورية، والمهندس بابكر على التوم، محافظ الخرطوم، ولكنهما لم يحضرا اجتماعات المساء التي كانت تتم سرا في غرفة بالطابق الأعلى بالمبنى الذى كان به مكتب د. مالك حسين).

كانت رؤية الدكتور مالك حسين ومجموعته تقوم على أن يقدم الأستاذ محمود طلباً للسيد رئيس الجمهورية لمراجعة الحكم، ويترك الأمر للحوار والمواجهة بين الأستاذ محمود والفقهاء، وأن ينأي نميري بنفسه عن ذلك الحوار. كان الدكتور مالك حسين ومجموعته على ثقة بأن نميري سيتراجع عن حكم الإعدام، إذا ما وافق الأستاذ محمود على مساعي هذه الوساطة. عقدت المجموعة خمسة أو ستة اجتماعات. خلصت تلك الاجتماعات، إلى أن طلب الدكتور مالك حسين ومجموعته من الإخوان الجمهوريين، أن يسمحوا لهم بمقابلة الأستاذ محمود والتحدث معه مباشرة في السجن.

تاريخ المقابلة ومكانها ومساحتها الزمنية

على ضوء تلك الاجتماعات، وبناءً على ما خلصت إليه، من طلب الدكتور مالك حسين ومجموعته من الإخوان الجمهوريين بأن يسمحوا لهم بمقابلة الأستاذ محمود مباشرة، بدأت الترتيبات من أجل مقابلة الأستاذ محمود في سجن كوبر. استطاع الدكتور مالك حسين أن يأتي بإذن من اللواء عمر محمد الطيب، نائب رئيس الجمهورية، ورئيس جهاز الأمن، له ولعصام البوشى، لمقابلة الأستاذ محمود في سجن كوبر.

ذهب الأستاذ عصام البوشي والدكتور مالك حسين إلى مقابلة الأستاذ محمود بسجن كوبر. عندما وصلا سجن كوبر، التقيا بمدير السجن في مكتبه، والذي كانت لديه تعلي مات بزيارتهما للأستاذ محمود. أمر مدير السجن باحضار الأستاذ محمود من السجن إلى مكتبه. عند حضور الأستاذ محمود، انصرف مدير السجن وترك الأستاذ محمود وعصام البوشي ومالك حسين بالمكتب. بدأت المقابلة حوالى الساعة الحادية عشرة صباح الاثنين 14 يناير 1985م، واستغرقت نحو ثلاث ساعات، تزيد أو تنقص قليلاً.

بداية المقابلة وتفاصيل الحوار

في بداية المقابلة، نقل الدكتور مالك حسين للأستاذ محمود تحيات الشيخ الطيب ود المرين في الهلالية، وقال له إن الشيخ الطيب يسعى لمقابلة نميري ليثنيه عن أمر تنفيذ حكم الإعدام. طلب الأستاذمحمود من د. مالك، بصرامة، أن  يخبر الشيخ الطيب أن يهتم بسلامة نفسه وسلامة دينه، ولا يشغل نفسه  بسلامته (أى سلامة الأستاذ محمود) وأن يقلع عن هذا المسعى، وأن يذهب الشيخ الطيب لنميرى ويقول له إننا لم نبايعك على قطع أيدى المساكين والضعفاء وصلبهم وقطعهم من خلاف، ولذلك فإننا ننفض أيدينا عن بيعتك.

تحدث الدكتور مالك حسين للأستاذ محمود عن فرصة تراجع نميري، إذا ما وافق الأستاذ محمود على نقل المواجهة، لتكون بين الأستاذ محمود والفقهاء، ويكون نميري بعيداً عن ذلك. رفض الأستاذ محمود رفضاً باتاً، اقتراح د. مالك بأن يطلب مراجعة الحكم من نميرى، وأن  يستبدله، بتوفير منبر له لمواجهة الفقهاء وعلماء الدين. وذكر الأستاذ محمود أن القضية ليست سلامته الشخصية، وأن القضية ليست أن يعدم أو لا يعدم، وإنما القضية هي سلامة البلد، وأهله المستضعفين الذين لم يجدوا على يدى قانون سبتمبر 1983م غير السيف والسوط. كذلك طلب الأستاذ محمود محمد طه أن تُشكر كل الجهات التي تسعى للعمل على إنقاذه، كاتحاد المحامين العرب، وأن يُؤكَد لها أهمية إيقاف أي تدخل أو وساطة، حتى لا تنحرف القضية عن مسارها، إذ أن القضية، التي ينبغي أن يتصدوا لها بالدرجة الأولى، هي قضية السودان وشعبه المستضعف وقضية تشويه الدين واستغلاله في القمع والقطع والبطش. وقد كان واضحاً، بصورة مذهلة، أن الأستاذ محمود لم يكن مهتماً بسلامته الجسدية.

تأكيد الأستاذ محمود على الكف عن الوساطة وضرورة إسقاط النظام

في نهاية اللقاء، أكد الأستاذ محمود ضرورة ذهاب النظام وإسقاطه، إذ أن ذلك أمر يقتضيه الدفاع عن الإسلام، والدفاع عن السودان. ودعا الأستاذ محمود، مالك حسين وعصام البوشي للعمل في اتجاه إسقاط النظام، وذلك ليس بالخروج في المظاهرات، وإنما بالاتجاه إلى الدعوة للعصيان المدني، وتنفيذه بأن يظلوا في بيوتهم ولا يخرجوا منها إلى العمل، وسيتبعهم الناس فرادى ثم جماعات، حتى يسقط هذا النظام 

كان الأستاذ محمود سعيداً بالزيارة ومقدراً لمجهودات د. مالك حسين ومجموعته، وطلب نقل شكره وتحياته لهم مع تأكيد وصيته لهم، أن يكفوا عن وساطتهم، وأن يتداركوا أنفسهم، بالعمل على سحب تأييدهم وبيعتهم لنميري، والعمل على إسقاط النظام عبر العصيان المدنى.

هل كانت هناك مساعي أخرى لمراجعة حكم الإعدام على الأستاذ محمود؟

لم تكن مساعي الدكتور مالك حسين ومجموعته من أجل مراجعة حكم الإعدام على الأستاذ محمود، هي المساعي الوحيدة. فكانت هناك مساعي اتحاد المحامين العرب والتي وردت الإشارة إليها آنفاً. فقد تحدث  الأستاذ فاروق أبو عيسى الأمين العام لاتحاد المحامين العرب سابقاً، في حوار مع صحيفة الأيام، 17 ينار 1986م، وهو يجيب عن سؤال يتصل بموقف الاتحاد من إعدام الأستاذ محمود محمد طه. تحدث أبو عيسى، وهو يعدد في مستويات مساعي الاتحاد، قائلاً: (كما قمنا بإرسال مجموعة من كبار المحامين المصريين المتفقهين في تعاليم الشريعة الإسلامية عن اتحاد المحامين العرب، ليتعاونوا مع نقابة المحامين السودانيين في الدفاع عن الأستاذ محمود). إلى جانب تلك المساعي كانت هناك مساعي أخرى أخبرنا بها الأستاذ عبدالعزيز شدو. ففي حوار جرى مع الأستاذ عبدالعزيز شدو، ونشر في صحيفة أخبار اليوم بتاريخ 28 ديسمبر 1998م، شهد عبدالعزيز شدو قائلاً: (ولابد هنا أن أشهد أن الأخوين الرشيد الطاهر بكر ود. عبدالسلام صالح كنا نشكل بكل ما يربطنا بالرئيس نميري عنصر ضغط ومساومة لكي لا ينفذ فيه “أي الأستاذ محمود” حكم الارتداد. وكانت ابنته أسماء وأقرب المقربين إليه عصام البوشي يحملون إلىَّ رسائل محمود من داخل المعتقل وهي كلها ترجونا أن لا نتوسط لمحمود وإنما للمجموعة التي معه). وأضاف الأستاذ عبدالعزيز شدو، قائلاً: (وقبل تنفيذ إعدامه بيوم جاءني عصام وأسماء وأبلغاني رسالة فحواها أنه يرفض بحزم التدخل في تنفيذ حكم الردة وهذه رغبته الشخصية).  

المؤامرة المبيتة والاهتمام المبكر للدكتور مالك حسين

زيارة الدكتور مالك حسين للأستاذ محمود يوم 19 يونيو 1984م

قبل مقابلة الأستاذ محمود في سجن كوبر يوم الاثنين 14 يناير 1985م، كان الدكتور مالك حسين قد زار الأستاذ محمود في معتقله خلال الفترة من يونيو 1983م وحتى ديسمبر 1984م. لقد قضى الأستاذ محمود الجزء الأول من هذه الفترة معتقلاً بنادي الضباط الإداريين بشارع السيد عبدالرحمن بالخرطوم، والجزء الثاني بمنزل بونا ملوال بالخرطوم. جاء خبر زيارة الدكتور مالك حسين في يوميات كتبها الأستاذ محمود بخط يده في مفكرة صغيرة كانت معه في المعتقل. كتب الأستاذ محمود في مفكرته، وأرخ لكتابته بيوم 19 يونيو 1984م، قائلاً: (زارني عصر اليوم الدكتور مالك حسين في صحبة النقيب خضر محمد أحمد من جهاز أمن الدولة.. الزيارة كانت بطلب من د. مالك وبأذن من اللواء عمر حضر الجلسة د. خليل عثمان.. جرى حديث عن لجنة تعديل الدستور وأخبرته بإعجابي بقول د. سعاد إبراهيم عيسى المنشور بعدد الأيام ١٨ الجارى وأيضاً قول زكريا ميخييل.. فهمت انزعاج السلطة من القضايا الدستورية حتى انه حصل تفكير أن يرد علينا برفع قضية ردة ضدى.. فهم منى أن الأمر مقلوب تعدل الشريعة لتتماشى مع الدستور بعد أن يعدل الدستور ليكون دستورا إسلاميا ولكنهم لا يملكون هذا.. فهمته أن يخبر عمر أن اعتقالنا زاد قناعتنا بعدم استحقاقه لمناصبه(. يعكس هذا النص أن المؤامرة كانت مبيتة، وأن اهتمام الدكتور مالك حسين وتحركاته تنبعث من المامه بأبعاد تلك المؤامرة.

المعرفة التامة بالمؤامرة المبيتة

كان الأستاذ محمود يعرف أمر المؤامرة، مؤامرة تقديمه للمحاكمة من وقت باكر. فحينما أفرج عنه في ديسمبر عام 1984م من معتقله، كان يعرف بأنه خرج من المعتقل ليقدم لمحاكمة. لقد شهد الأستاذ عبدالعزيز شدو، في الحوار الذي أجري معه، والمشار إليه أعلاه، قائلاً: (وأذكر يوماً في بداية محاكمته الأخيرة عندما أطلق سراحه من الاعتقال سألته: لماذا اعتقلت ولماذا أفرج عنك؟ قال: لا أعرف لماذا اعتقلت ولكني أعرف لماذا أفرج عني. قلت لماذا: قال لتقديمي للمحاكمة. وبالفعل صدق قوله فقد أعتقل لاحقاً وقدم إلى المحاكمة المعروفة).