بابكر فيصل بابكر رشح الأسبوع الماضى نبأ عن تنظيم الإتحاد الأوروبي لمؤتمر للحوار بين الحكومة والمعارضة بشقيها المدني والمسلح بمدينة هايدلبرج الألمانية من أجل الوصول لتسوية سياسية شاملة تجنب مخاطر الانزلاق نحو الفوضى التي قد يؤدي لها توتر الأوضاع السياسية السائدة في البلاد.

الإتحاد الأوروبي كان قد أعلن في يناير الماضي عن عزمه الجاد علي قيادة وساطة بين الحكومة والمعارضة بهدف تقريب وجهات نظر الطرفين وأكد أنه سيبذل جهوده لاحداث توافق بينهما عبر الحوار السياسي والقضايا السلمية دون العمل لإسقاط النظام بالقوة.

وكان الإمام الصادق المهدي رئيس حزب الأمة هو أول من كشف عن هذا المؤتمر خلال حفل وداع نظمه لممثلة الاتحاد الأوروبي في الخرطوم, ديم روزاليند مارسدين، بمناسبة إنتهاء فترة عملها أواخر شهر إكتوبر الماضي.

سارعت الحكومة بنفي علمها بالمؤتمر, وقالت على لسان الدكتور أمين حسن عمر أنها “لن تشارك في مؤتمرات تناقش أوضاع السودان الدستورية خارج البلاد” وأنَّ مثل هكذا حوار لا بد أن ينعقد داخل السودان.

المبرِّر الذي ساقهُ الدكتور أمين حسن عمر لرفض المشاركة حوار هايدلبرج لا يصمد أمام معطيات الواقع حيث شاركت الحكومة من قبل في العديد من المفاوضات التي تمَّ فيها مناقشة قضايا الحُكم والدستور وحق تقرير المصير, و يقف إتفاق نيفاشا بين الحكومة والحركة الشعبية شاهداً على ذلك, وهو الإتفاق الذي تم التفاوض حوله وتوقيعه خارج السودان وبرعاية إفريقية ودولية.

ومن المعلوم أنَّ الأزمة الوطنيَّة لم تعد شأناً يخصُّ السودانيين وحدهم, بل أصبحت جزءً من ملفات السياسة الخارجيَّة اليومية, لدول الجوار الإفريقي, والعربي, والمُجتمع الدولي بحكوماته ومنظماته الإقليمية. وتكفي نظرة سريعة على أعداد الجنود الدوليين المتواجدين بأرض الوطن, ومنابر التفاوض الخارجي, و الدول التي تتواجد بها المعارضة, لتوضحَ أنَّ الوجود الخارجي في الأزمة السُّودانيَّة أضحى ثابتاً لا يمكنُ التغاضي عنه.

الموضوع إذاً لا يتعلق بمكان الحوار أو بالأجندة التي سيتناولها, ولكنهُ يتعلق بالأساس بإستراتيجية الحكومة التي ترفض “الحوار الشامل” حول الأزمة السودانيَّة, وتصرُّ على فصل التفاوض مع الحركات المسلحة عن التفاوض مع الأحزاب السياسية بإعتبار أنَّ السودان لا يواجه أزمة في الحكم بل نزاعات مسلحة في مناطق محدودة.

هذه الإستراتيجية أثبتت فشلها في وقف الحرب و إحلال السلام, وفي فك الحصار وكسر طوق العزلة الخارجية وإحداث التحول الديموقراطي الهادف لوضع البلاد في مسار الإستقرار السياسي و والتداول السلمي للسلطة.

يعلم الدكتور أمين أنَّ الحكومة وقعَّت على إتفاق أبوجا مع حركة تحرير السودان, وإتفاق الدوحة مع حركة الحرية والعدالة, وقبل ذلك إتفاق القاهرة مع التجمع الوطني الديموقراطي, وإتفاق الشرق مع جبهة الشرق, بعد أن فاوضت كل هذه الجهات خارج السودان ولكنها كانت جميعاً إتفاقيات مبنيَّة على إستراتيجية الحكومة التي تقوم على “إلحاق” الحركات والقوى السياسية بالنظام دون إحداث تغيير حقيقي في بنية السُّلطة.

وكما ذكرنا سابقاً فإنَّ هذه الإستراتيجية يُمكن أن تفهم في إطار “توازن القوى” الذي لا يتوقعُ أن يُقدِّم فيه الحاكمون للمعارضين تنازلاتٍ أساسية يُمكن أن تبعد عنهم إمتياز السُّلطة الذي ظل محتكراً لأكثر من عقدين من الزمان.

أمَّا اليوم وقد تغيَّرت الكثير من المعطيات والحقائق, وأضحى الوطن نفسه قاب قوسين أو أدنى من التفكك و التشظي والإنقسام فإنَّ إستراتيجية علاج المشاكل بطريقة جر المعارضين لأحضان الإنقاذ, و بالقطاعي بغرض كسب الوقت ما عادت تنفع وأضحى من اللازم تغيير الفكر والمنهج والأسلوب.

الدليل على إستمرار الإستراتيجية الحكوميَّة هو إعلانها نهاية الإسبوع الماضي الإستعداد لاستئناف التفاوض مع  الحركة الشعبية – شمال حول المنطقتين ( النيل الأزرق وجنوب كردفان) استناداً لاتفاقيات السلام وقرار مجلس الأمن الدولي 2046.

وهو إعلان لمجرد كسب الوقت يسبقه تضارب و تناقضات في تصريحات المسؤولين الحكوميين الذين يقولون تارة انهم سيكتفون بالمشورة الشعبية, وتارة أخرى يقولون أنهم لن يُفاوضوا سوى حملة السلاح من أبناء المنطقتين, و في ثالثة يُطالبون بإبعاد “ياسر عرمان” من وفد الحركة المفاوض !

بالطبع – يا دكتور أمين – سيكون التفاوض مع الحركة الشعبية خارج السُّودان, ولكنه سينبني على ذات الإستراتيجية القديمة, وهى تحقيق المكاسب في مسارح العمليات من أجل إضعاف موقف الطرف الآخر حتى يقبل بالحد الادني من العروض الحكومية ويلتحق بالنظام الحاكم.

مصداق ذلك هو ما أعلنهُ مساعد الرئيس الدكتور نافع عن بدء حملة دحر التمرُّد في البلاد هذا الصيف, وهو الأمر الذي أكدَّه وزير الدفاع أمام البرلمان الأسبوع الماضي حيث قال إنًّ القوات المسلحة تتحرك الآن  صوب ولايات دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان لحسم التمرُّد, وأضاف “أعددنا إعداداً كبيراً وبصورة ممتازة وتحرَّكت قواتنا بمختلف المحاور لحسم التمرد بشكل نهائي”.

لا شك أنَّ الحكومة لم تتعلم من دروس الماضي القريب, بل تصرُّ على تكرار التجارب التي لن تؤدي إلا للمزيد من المشاكل, ومن تعميق الأزمة الوطنيَّة, فهى تظنُّ أنَّ تحسن العلاقة مع جنوب السودان سيؤدي إلى وقف دعمها للحركة الشعبية وبالتالي سيضعف الحضور العسكري للأخيرة , وهو ذات الشىء الذي حدث مع حركات دارفور بعد تحسُّن العلاقات مع تشاد, وهو ما سيؤدي في خاتمة المطاف لإضعاف الموقف التفاوضي للحركات المُسلحة.

الجميع يذكرون حملة “صيف العبور” العسكرية التي شنتها الحكومة في العام 1992 ضد الحركة الشعبية مستفيدة من سقوط  نظام منقستو في إثيوبيا, ومن الأسلحة التي فرَّت بها قواته للسودان, ومن الإنشقاق داخل الحركة, و ظنت أنَّ فقدان الحركة الشعبية للدعم السياسي واللوجستي, وتراجعها على الأرض وحصارها في شريط ضيق مع الحدود السودانية اليوغندية, سيؤدي إلى إنتهاء التمرد مرة وإلى الأبد.

في ذلك العام – وفي أعوام عديدة بعده – إستمعنا لذات التصريحات التي تطلقها الحكومة اليوم, والتي تعد فيها جماهير الشعب بأنَّ “هذا الصيف سيكون صيف الحسم للتمرد في البلاد”, وأنها قد أعدت العُدَّة لدفن التمرد.

إستطاعت الحركة الشعبية أن تتجاوز مشاكلها بسرعة وجمعَّت قواها العسكرية محققة إنتصارات كبيرة, ومن ثم دارت دائرة الحرب لعشرة سنوات إضافية أزهقت فيها آلاف الأرواح وضاعت الموارد وتعطلت مسيرة التنمية ولم تبدأ المواجهات العسكرية في الإنحسار إلا بعد الشروع في المفاوضات في مشاكوس في 2002.

في هذه السنوات العشر إرتفع سقف مطالب الحركة الشعبية, وإزداد السند الإقليمي والدولي لموقفها في الوقت الذي إستمرَّت فيه عزلة الحكومة, وعندما جاءت نيفاشا إستطاعت الحركة أن تودع في الإتفاق كل ما أرادتهُ وكانت المحصلة النهائية قيام دولة الجنوب المستقلة.

 إنَّ رهان الحكومة على إضعاف الحركة الشعبية –شمال, والجبهة الثورية عسكرياً لن يؤدي لإحلال السلام في ربوع البلاد, و هذا هو الدرس الأول من  تجربة الحرب الطويلة في جنوب السودان, و إنَّ الطريق الوحيد للوصول إلى ذلك يمُر عبر حل سياسي شامل, وهو الأمر الذي يتطلب تغييراً جذرياً في إستراتيجية الحكومة في التعامل مع الأزمة السياسية وفي التفاوض مع الحركات المسلحة والاحزاب المدنيَّة.   

 “الصيفُ ضيَّعت اللبن”  مَثَلٌ عربيٌ شهيرٌ يُضربُ لمن ضيَّع الفرصة, وفوَّت الغنيمة, و غايتهُ أنَّ من سنحت له فرصة فليغتنمها وإلا فإنهُ سيطلبها يوماً ما ولن يجدها. ترى كم من الفرص ضاعت, وأخرى ستضيع في إنتظار أصياف العبور و الحسم التي لا تأتي أبداً ؟