خط الاستواء عبد الله الشيخ  "المشروع الحضاري" الذي رفعته سلطة الانقاذ كبرنامج للحكم هو شعار فضفاض يراهن على تدين النخبة الاخوانية ، التى ترى ان سياسة التمكين واستحوازها على السلطة والثروة هو من ارادة الله المتأصلة في النص.

هذه النخبة الاسلاموية التى تحكم السودان منذ 89 لا تستمد شرعيتها من الشعب ، ومهما تعالى وصفها له بالاسلاموية فهي لا تصبر عليه كي يقدمها ديمقراطياً عن طريق الانتخاب إلى سدة القيادة، بل تتجه إلى فرض تسلطها عليه بالانقلاب العسكرى “المُقدس” بحجة حماية العقيدة وتطبيق الشريعة، والادعاء بان الشريعة طبقت في السودان خلال عهدي الفونج والمهدية وبالتالي يجب تطبيقها الآن. وتذيع النخبة انتماءها لهذا الماضي مقروناً بادعاء النُسبة إلى دولة المدينة واعتبار كل ذلك جِذراً للخط  الذى تتبناه حركة الاخوان المسلمين العالمية.

 واتخذت النخبة من النص الديني قرآناً كان أو سُنة، مادة دعائية مطواعة ،لها وحدها حق اعادة انتاج نصوصها كيف شاءت، و تصدى افراد تلك النحبة مهما تضاءل رصيدهم الفكري، لمهمة تفسير  تلك النصوص  كوكلاء للإله، وكل تفسير خلا ما جادوا به مطعون فيه..!

 لذلك ينظر الاخوان إلى ذواتهم بعين القداسة، وإلى الآخر بعين التكفير رافعين شعار  أن “الاسلام هو الحل” .. والاسلام عندهم هو فهمهم للشريعة، والشريعة عندهم هي اقامة الحدود في عامة الشعب، لا فى القطط السمان..! واقامة الحدود لا يتأتى الا بالاستيلاء على السلطة، لان فكرة التبليغ والاصلاح الاجتماعي عند الاخوان اساسها الحكم، لا الانسياب الثقافي اليومي..!

  من هنا كانت نداءات الاخوان الى تطبيق الشريعة بمثابة شفرة تعطي معنى تغيير نظام الحكم القائم واحلال نخبة التنظيم على مقاعد السلطة لأنهم وحدهم أصحاب الجدارة بانزال “الحاكمية” على أرض الواقع..كان تنادي الاخوان بتطبيق فهمهم للشريعة عن طريق اتخاذ لغة الدين كرؤوس مواضيع، و فرض ما يسمونه بقوانينها على الواقع دون تربية أو بناء للمجتمع المسلم. ويختزل الاخوان المجتمع في تنظيمهم المسمى بالحركة الاسلامية ، والحركة مختزلة اصلاً في النخبة، والنخبة مختزلة في دائرة القيادة، والقيادة هي الشيخ ،والشيخ  هو شيخ حسن،، فكيف يكون حال الاسلام اذا ذهب كما يذهب العابرون فى هذه الحياه..!؟

بهذا الفهم كانت قداسة المشروع حاضرة ، بينما بقيت الشريعة شعاراً  يُرفع عند كل مناسبة جماهيرية، فهي لافتة  مؤجلة يُدفع بها في وجه الآخر الذي لا ينتمي لتنظيم الاخوان، لأجل تصنيفه فى صف المارقين او الخارجين على مراد الله فى الكون..! ان فكرة تسييس وتوظيف الدين كأيدلوجيا تبريرية ظلت فكرة حية في تراث الطائفية فى السودان، لكن عرابها فى نهايات القرن العشرين كان شيخ حسن، الذي طرح “مشروعه الحضاري” هذا من موقع المُجدد ،الذي يباغت الناس بآرائه المتقلبة في الدين والسياسة لينشغلوا بها عن المطالبة بالحل الاسلامي المزعوم، مع اعترافه الصريح باستحالة تنزيل اطروحته على يد الحركات الاسلامية المعاصرة.. فهو يقول فى كتاب ” المشروع الاسلامي في السودان قراءات في الفكر والممارسة، ص15… “لا اجد في إطار الحركات الاسلامية اليوم من يقدم البديل الاقتصادي ولا البديل السياسي لان الدولة الاسلامية الحديثة اذا نشأت ستجد بؤساً في قضايا الفقه العام الذي تنزل به احكام الله على السياسات”..

وهكذا ، رفعت النخبة الاخوانية مبدأ “الحاكمية لله”، مع انكار انها تعني تحكم رجال الدين في شؤون الحياة، لينتهي مفهوم الحاكمية إلى تكريس الشمولية  الباطشة  التي لم ينجو من بطشها حتى الترابي نفسه، الذي استخدم لغة الدين للاطاحة بالآخرين، قبل أن يطيح به البشير بحركة  انقلابية تصحيحية مقدسة ايضاً..!فهل تجد أحزاب المعارضة فى هذه التجربة الترابية عِبرة ، أوفكرة إنقلاب مقدس آخر، يطيح بدكتاتور يحكم بلداً منكوباً بأنبياءه الكَذبة..؟؟