وائل عادل   يتطلب التغيير وعياً بسباق التتابع، حيث يقطع كل متسابق مسافة أو مرحلة محددة ثم يسلم الراية لمن يليه، لينطلق هو بالعصا حتى ينجح المشروع في النهاية على أيدي أناس قد يختلفون تماماً عمن بدأوه.

في بعض مراحل التغيير تجد الناس تبحث في المكان الخطأ عن الفاعلين الذين سيديرون دفة الأحداث، فيلومون الكيانات القديمة التي مارست دوراً مهماً في مرحلة سابقة، متوهمين أنها المنقذ الذي سيكمل المشروع للنهاية، فيجلدون تلك المجموعات بالمطالب، ويرفعون سقف توقعاتهم منها، ولم ينتبهوا إلى أن تلك الكيانات ليست سوى أدوات كانت صالحة لمرحلة محددة وربما لا تصلح لمرحلة أخرى قد تتطلب أدواراً ذات طبيعة مختلفة، وأدوات ذات خصائص مختلفة.

قد يقولون لكن هذه الكيانات لا زالت حاضرة، عليهم أن يتساءلوا، هل هي حاضرة تقوم بأعمال حيوية وفعالة، أم أنه حضور من ينتظر تكريمه في الميدان بعد أن أنهى مهمته؟!.

إن سباق التتابع يعلمنا أن المجتمع كله شريك في صناعة التغيير، وأن كل مرحلة لها رموزها وصناعها، وأن الجميع مسئولون عن قطع الأشواط والمراحل، وعلى كل كفاءة أن تتصدر المشهد حين تأتي المرحلة التي تبرز فيها الحاجة إلى كفاءاتها.

عندما يُرى أحدهم يصارع الغرق في البحر؛ فإن المجتمع يتحرك بشكل طبيعي، فشخص يقوم بالتنبيه بالخطر فيصرخ في رواد الشاطيء، لكنه لا يحسن السباحة فيأمل أن يتلقف صرخته سباح ماهر، فإذا سمع السباح الصرخة بدأت مرحلته ليخلع ملابسه في عمل بطولي مقتحماً الأمواج، فإذا حمل الغريق إلى الشاطيء بدأ دور متقني الإسعافات الأولية.

سنلحظ هنا أن الذي صرخ في البداية قام بدور أساسي هو التنبيه، لكن بعد إخراج الغريق قام بدور ثانوي وهوالمشاركة في حمل الغريق مع كثيرين.

لذلك يمكن لمن كان يقوم في مرحلة بدور أساسي محوري أن يتحول في مرحلة أخرى إلى دور ثانوي داعم، فليس بالضرورة أن يظل في الصدارة دائماً في كل مرحلة، فمن تصدر في مرحلة الخطوط الأمامية يمكن أن يربض في الخطوط الخلفية في مرحلة أخرى، فلكل مرحلة أهلها.

والمجتمع الطبيعي يعلم أنه يمتلك من الطاقات الكامنة ما لو تفاعلت سوياً لقدمت أروع الأمثلة في التغيير، وأن كل هذه الطاقات شريكة في إحداث التغيير، وأن لكل منها وقته كي يتم تفعيلها.

أما الذين يشكون أن التغيير لم يؤد إلى نتائجه النهائية، ويصرخون ليل نهار.. أين ذهب التغيير؟! ويطالبون غيرهم بأن يتم التغيير على أكمل وجه وهم متفرجون؛ فهؤلاء لا يعون جيداً طبيعة التغيير الشعبي، هم أقرب إلى أولئك الملأ الذين اجتمعوا على الشاطيء يصرخون في المنقذ… كيف أخرجت الغريق من الماء ولم تسعفه؟ لقد انهالوا عليه ضرباً حتى أدموه.

لكن في الحقيقة ليسوا هم وحدهم المخطئين، فبعد أن أنهى المنقذ مهمته، أخذ يصيح في الناس.. أنا بطل.. أنا بطل… فسألوه أن يتم مهمته فأبى أن يخبرهم أنه لا يفهم في الإسعافات الأولية، هو مجرد سباح جريء ماهر، تعذر عليه أن يخبرهم أن دوره قد انتهي، خشي أن يخطف الأنظار شخص آخر، فحاول إسعاف الغريق مقترفاً معظم الأخطاء التي تحذر منها الإرشادات الأساسية للإسعافات الأولية، ومات الغريق في يده… نعم … هو من قتل الغريق!! ترى هل نصف هذا السباح بالمنقذ أم القاتل؟! لقد لعب الدوريْن!!.

إن التغيير مسئولية شعب بأكمله لا يمكن أن يلقيها أحد على الآخر، كما لا يصح أن تكون جريمة يلاحق بها من بدأوه وضحوا من أجله، وأتموا مرحلتهم على أكمل وجه، لنرى البعض يصرخ فيهم.. وماذا بعد؟! كذلك لا ينبغي أن يستعلي أصحاب المرحلة الأولى على من سواهم قائلين لهم أنتم لم تشاركوا معنا وليس لكم مكان اليوم، سنتم السباق وحدنا للنهاية.. هم بذلك أقرب إلى قاتل الغريق.

المجتمعات الواعية تعلم أن التغيير هو فن تتابع الأدوار، وأن مشاركة الجميع مطلوبة وإن اختلفت توقيتات المشاركة، المهم أن يشارك الجميع في عزف السيمفونية كل في وقته المناسب، ولا بأس أن يعلو صوت آلة موسيقية مقابل خفوت صوت آلة ثانية أو اختفاء صوت ثالثة.. يجب احترام ذلك كله، المهم أن يعرف كل فرد أو حزب أو مؤسسة متى يبدأ دوره ومتى ينتهي. ومعرفة توقيت الانتهاء لا يقل أهمية عن معرفة توقيت البدء!!.

إذا سمعت صوتاً نشازاً في معزوفة التغيير فاعلم أن هناك عدم احترام للأدوار.