محمّد جلال أحمد هاشم الفقه الاحتمالي والتّجديد يتزايد اليوم عدد السّودانيّين المسلمين الذين لا يجدون أنفسهم داخل منظومة الدّين الإسلامي وفق التّعريف الفقهي التّقليدي. ويُحكم على هؤلاء في أحسن الأحوال على أنّهم رقيقو الدّين، وفي أسوئه على أنّهم قد فارقوا الملّة..

وليس أقتل للمرء من أن يُحكم عليه بمثل هذا بينما يشعر هو بالانتماء إلى ثقافته ودينه وليس أدعى إلى الفشل والمحاق من مثل هذا الحكم، خاصّةً إذا استبطنه المرء وركن إليه على أنّه الحقّ لا يعدوه الباطل. هؤلاء جميعاً يستهدفهم هذا الفقه، ذلك بأكيد اعتقادنا أنّ لهم نُدحةً في الأمر. كما هو موجّه إلى السّودانيّين من غير المسلمين، كون الفهم التّقليدي للفقه والإسلام قد آذاهم والوطن أيّما أذى. وليس أدلّ على ذلك من حالة الحروب الأهليّة التي انتشرت بين بعض المسلمين الماسكين بدفّة الدّولة من جهة، وغيرهم من أتباع الدّيانات الأخرى؛ ثمّ بين المجموعة الأولى وبين باقي المجموعات المسلمة إن لم نقل بين باقي السّودان كلّه. وقد كان من أثر هذا أن أصبحت أوصال الوطن تتفكّك وتتداعى سقوطاً، بدلاً من أن تكون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له باقي الأعضاء بالسّهر والحمّى.

يواجه المسلمون اليوم تحدّياً كبيراً يتمثّل في أنّهم إمّا أن يقوم المفكّرون الإسلاميّون فيهم بتحديث الفقه الإسلامي من داخل باحة الدّين، أو أن يتصدّى للمسألة المفكّرون الآخرون، أكانوا مسلمين أو غير مسلمين، بأن يقوموا بتحديث الدّين من خارجه. وما نعنيه بتحديث الدّين من خارجه يتمثّل فيما يمكن أن نُطلق عليه «الفقه الافتراضي»، وهو جملة فتاوى بدأ سيلُها في التّدفّق، يقدّمها دارسون للإسلام بوصفه مساقاً علميّاً مثل أيّ مساق آخر، لا كدين. فمع اشتداد وتائر الهوس الدّيني وإمساكها المتزايد بخناق العديد من المجتمعات، زاد الطّلبُ أيضاً لمعرفة كنه هذا التّيّار الأيديولوجي غير المتصالح مع روح العصر. وعلى هذا فشت وتنامت المراكز الأكاديميّة التي تدرس أمر الإسلام والمسلمين، فكان أن أعطتنا ما يمكن تسميته بعلم الإسلاميّات Islamology. وقد فرّخت هذه المراكز أناساً بدرجة عالية من التّخصّصيّة في أعقد وأعوص المسائل الفقهيّة، وبدرجة ربّما أكثر عمقاً من الفقهاء المسلمين كونهم لا ينطلقون في دراساتهم من أيّ حمية دينيّة. من المؤكّد أنّ هذه المراكز باشرت عملها تكتنفها حميات أيديولوجيّة ودينيّة معادية للإسلام في الكثير من أنشطتها، ولا غرو إذ نشأت أوّل أمرها وهي تنظر إلى الإسلام من موقع المعاداة والمنافسة. إلاّ أنّ هذا لا ينبغي أن يحول دون الانتباه إلىّ أنّ روح البحث العلمي وأمانته ظلّت تدفع بهذه التّيّارات غير العلميّة إلى الاضمحلال والتّلاشي، على أقلّ تقدير في منتجاتها الفكريّة ونقديّاتها الموجّهة لظاهرة الإسلام السّلفي المشتطّ. ولهذا لا اعتبار لدوافعها عندنا طالما كانت مخرجاتها الفكريّة تتحرّى العلميّة، لا تعدوها إلى سخائم النّفس وغلواء الأيديولوجيا.

يتزايد الطّلب يوميّاً لمثل هؤلاء العلماء الإسلاموجيّين الذي درسوا الدّين قرآناً، وسنّةً وفقهاً، وتاريخاً واجتماعاً، بطريقة أكاديميّة بصرف النّظر عن خلفيّاتهم الدّينيّة، أكانوا مسلمين أم يهوداً أم مسيحيّين، أم بوذيّين أم لا دينيّين. فهم ربّما يعرفون الدّين بأعمق ممّا يعرفه الفقهاء الأوّلون أو المحدثون بدالّة تحرّرهم من ربقة المذاهب والاستغلاق في أحدها استغناءً عن غيرها لعدم الإيمان في جدواها. كما هم مسلّحون بمناهج البحث الأكاديمي الحديث، فضلاً عن اتّساع ماعون العقل عندهم ليشمل علوماً أخرى تلعب دوراً كبيراً في فهم الظّاهرة الدّينيّة، مثل علوم الاجتماع والأنثربولوجيا، وعلم النّفس، وعلم اللسانيّات والفسلفة … إلخ. على هذا كان هؤلاء أشجع واقدر في كشف المستور من الدّين وهتك أستار المسكوت عنه. فهم أوّل من تحدّث عن قضايا لم يكن عامّة المسلمين يعلمون عنها شيئاً، ممّا يقع في إطار ما ذكرناه أعلاه. فقد قارنوا مسلّمات مذهب بمسلّمات مذهب آخر (خذ كمثال زواج المتعة بين المذهب الشّيعي الإثني عشري ومذهب أهل السّنّة)، فانفتحت أعين عامّة المسلمين على وقائع لم يكن يعلمون من أمرها شيئاً إذ درج فقهاؤهم على تعميتها وتغطيتها بالسّكوت عنها.

تكمن قوّة تنامي وانتشار الفقهاء الإسلاموجيّين فيما نسمّيه بالفقه الافتراضي كونه ينشأ في أساسه من فتاوى احتماليّة، أي فتاوى قويّة صدع بها بعض الفقهاء المعتمدين لدى مذهب بعينه إلاّ أنّه قد تجاوزها الفقهاء بإجماعهم لها فيما بعد، أو بتناسيها والسّكوت عنها. كمثال لهذا داخل باحة الفقه السّنّي ما صدع به الإمام أبو حنيفة من جواز التّعبّد والصّلاة بالقرآن مُترجماً إلى لغة أخرى بخلاف العربيّة، مثل الفارسيّة (انظر تفصيل هذا أدناه)، مقابل انتهاء أمر المسلمين اليوم إلى عدم جوازها بمختلف مذاهبهم بدليل تعلّم كلّ من دخل الإسلام للعربيّة بوصفها اللغة التي لا ينبغي التّعبّد والصّلاة بغيرها. هذا فيما يتعلّق بمواقف مدفونة تحت رمال الفقه التّقليدي السّاكن؛ كما هناك فتاوى احتماليّة جديدة مؤسّسة على تأوّلات جديدة لآيات من القرآن. من مثل هذا ما ذهب إليه بعضهم ضمن مساجلات حديقة هايد بارك بلندن من جواز الزّواج المثلي تأوّلاً لآيات بعينها (انظر الفصل السّادس). لكلّ هذا جدّ عندنا العزم في أن نأخذ بذمام المبادرة فنفتح آفاق الفقه الاحتمالي، نريد من ورائه تنوير المسلمين برحابة فقههم وسعته العصريّة، منبّهين إلى نسبيّة الأحكام وفق سياق الزّمكان.

في رأينا يكمن تنشيط الإسكولاستيّة الإسلاميّة (أي بوصفها ممارسة تدور بين المسلمين فيما يتعلّق بدينهم وبوضعهم في خارطة العالم، عبر مضمارين، أحدهما أدائي والآخر مؤسّسي. المضمار الأدائي هو تشريع الفقه الاحتمالي؛ بينما المضمار المؤسّسي هو تشريع الأكاديميّات الإسلاميّة وفق الفهم العلمي الحديث. وبهذا نكون قد جمعنا بين الدّين في رونق إيمانه وبين مزايا علم الإسلاميّاتIslamology . ولا نعني بذلك قفل الباب أما أيّ دارس للإسلام، بل ننبّه إلى أنّ بروز علم الإسلاميّات وتنامي الإسلاموجيّين يعود في الأساس إلى تقاعس المسلمين. فإن هم قاموا بما يليهم من مسئوليّات معرفيّة من شأنها أن تجعلهم قادرين على صنع الحياة، أولى الآخرون جلّ اهتمامهم لدراسة منتوج هذه العلمليّة بدلاً من أن يتحوّلوا إلى منتجين معرفيّين في مجال الفقه الإسلامي بالوكالة. فالدّين يعيش في الضّمير ولا غنىً عن النّفس المؤمنة في سبيل إنتاج معرفته. ولا يعني قولنا هذا ضرورة أن يكون هذا النّشاط محكوماً بحالة، ومنطلقاً من حالة، إيمانيّة كما نعهد في رجال الدّين والمتديّنين بعموم. إذ يكفي أن يعيش المرء في الفضاء الثّقافي للدّين كيما يكون مؤهّلاً للإدلاء بدلوه فيما يبدر من مسائل. وهذا جانب رفيع في علمانيّة الدّين، إذ لا نفعل هذا بصفتنا مسلمين فحسب، بل بصفتنا إنسانيّين في المقام الأوّل، تعنينا سمعة الدّين الذي ندين به، كما تعنينا صحّتنا النّفسيّة والعقليّة واحترامنا لنفوسنا، في عصر تحوّلت فيه الكرة الأرضيّة إلى قرية كوكبيّة متّصلة الأطراف. عندها قرّ عندنا القرار بأن نصدع بما نراه، لا نخشى في ذلك لومة لائم طالما كان الضّمير منّا مرتاحاً. ويشمل مذهبنا، فيما يشمل، كشف المستور والمسكوت عنه برفقٍ، ثمّ فتح آفاق الفقه بتجديد تأويل القرآن، لا بتفسيره. فالقرآن لا يُفسّر، بل يؤوّل. وفي الحقِّ، ما التّفسير إلاّ ابتداع خلاّق لأزمنة لاحقة بعيد فجر الإسلام، وإن تكن قد لعبت دورها كاملاً، إلاّ أنّ الزّمن قد تجازوها.

 

الحرّيّة والنّهضة والفقه الحداثوي

يحتاج المسلمون اليوم، أكثر من أيّ يومٍ مضى، إلى فقه إسلامي حداثويٍّ لا يجعل المسلمين يتصالحون مع الحداثة ومع العصر الذي يعيشون فيه فحسب، بل بما من شأنه أن يجعلهم قمينين بتحقيق النّهضة. ويبدأ هذا التّصالح باكتساب القدرة على استشفاف معاني الخير والجمال فيما يُتيحُه هذا العصر على يد غير المسلمين، ومن ثمّ الإمساك بأسباب هذا التّقدّم وفق رؤية مفهوميّة لهم كمسلمين. وتتأكّد ضرورة اختطاط المسلمين لمثل هذا الفقه للتّصالح مع روح العصر والحضارة الماثلة، بدلاً من مجافاته واستعدائه، مع الاستعداد النّفسي كيما يعبّوا من خيرها المادّي الدّنيوي (وهو استعداد يبدو كما لو لا تحدُّه حدود)، بينما يعجزون عن الاعتراف بأنّ إنتاج هذه الخيرات المادّيّة هو عين استخلاف الله للإنسان على الأرض.

يتّفق أغلبُ المسلمين اليوم على أنّ الفقه الإسلامي يعانى من الجمود والتّحجّر. ولكنّهم يختلفون فيما يعنيه هذا الجمود، وبالتّالي يختلفون في الآثار المترتّبة على هذا الجمود. يعود الجمود الفقهي، في رأينا، إلى الاشتطاط في النّزعة لضبط المجتمع وفق حرائك أيديولوجيا بعينها. ويعتمد هذا الضّبط على تكتيك بعينه يكمن في تمحّل النّصوص، إمّا بتأوّل بعضها أو بتجاهلها، بغية سنّ مجموعة من المحرَّمات ذات الأساس الدّيني؛ أي لاصطناع تابوهات اجتماعيّة ثقافيّة، عبر الانقياد لها يمكن ضبط المجتمع وتوجيهه وفق أيديولوجيا بعينها، أي خلق منبّهات إنزاريّة أيديولوجيّة.

في بادئ الأمر يمكن لهذه الآليّات الضّابطة للمجتمع، بما يتوافق ومصلحة قطاع بعينه، أن ينجم عنها نوع من إنجاز الحياة وصنعها، لكن بما يكرّس أيديولوجيّاً لوضعيّة متفوّقة للقطاع المنتج والمالك للأيديولوجيا المهيمنة. ولكن بما أنّ العمليّة في مجملها تقوم على الضّبط، أي بقمع التّعدّد والتّنوّع، فكريّاً كان أم ثقافيّاً، أم اجتماعيّاً، وفي حالات مشتطّة عرقيّاً، فإنّه سرعان ما يفضي إلى حالة قمع مزدوجة. إذ يتحتّم على المرء الذي ينوي أن يقمع النّاس وفق قيم أخلاقيّة بعينها، ذلك بفرضها كمحكّ قياسي للسّلوك العام، أن يُبدي تمسّكاً مغالياً وأشدّ بها، أي أن يبدأ بقمع نفسه، ولو نفاقاً، ليتمكّن بعد ذلك من قمع الآخرين. يتلخّص هذا القمع الذّاتي في أن يعيش المرء في ظلّ هامش حرّية شخصيّة وفكريّة ضيّق للغاية انصياعاً لمجموعة من التّابوهات الدّينيّة. ويستمدّ مثل هذا الشّخص القدرة على المضيّ في هذا الشّظف الفكري بتوهّم التّسامي والإعلاء لحالته السّالبة هذي وترفيعها إلى درجة عليا من الالتزام الدّيني والأخلاقي المتزمّت التي لا يقدر عليه إلاّ ذوو الشّكيمة والعزم الاستثنائي الملازم للشّخصيّة الاستغلاقيّة من الرّجال والنّساء. وهكذا ينتهي الأمر بمثل هذا الشّخص إلى التّعصّب المرضي الأعمى؛ ويصبح من يخالفونه الرّأي، ولو في غير عظائم الأمور، في عداد الكَفَرةِ الفَجَرة. هذا، لعمري، هو الهوس الدّيني، ذلك لانكفائه داخل نفسه، فلا يرى العالم كما عليه واقع الحال، بل كما يتصوّر العالَم وفق عدسة تهويماته الاستغلاقيّة. وعلى هذا يتشكّل موقف نفسي يقوم على الاعتداد بالنّفس لينتهي بالغرور والإيمان المطلق بأنّ ما يفعله هو الخير، كلّ الخير، وليس على الآخرين غير تسليم أمورهم والسّير في ركاب هذه القيادة المُلهمة. من الطّبيعي في وضعٍ كهذا أن يتمّ تحقير الآخر ونفيه نفياً تامّاً، فلا تصبح له حقوق بالمرّة.

تنجم عن هذه القناعات المطلقة من جانب ذوي التّعصّب والهوس الدّيني مشكلة معقّدة. تكمن هذه المشكلة في عدم تحلّي المهووس دينيّاً بأي درجة من الكفاءة الفنّيّة أو الأخلاقيّة تعطيه الحقّ ليكون هكذا، ذلك أنّ ما يطلبه ليس حقّاً إنسانيّاً، بل نبويّاً أو إلهيّاً. هذا بخاصّةٍ إذا كانت بوصلة الحراك تتّجه دائماً إلى مقاعد السّلطة المادّيّة ورغائب الحياة الدّنيا من شخص صدر أوّل أمره من منطلق الزّهد في الدّنيا وأسبابها. إذ من الصّعب ألاّ يلحظ المرءُ هذا النّزوع غير الإيماني إلى السّلطة المادّيّة، ثمّ هشاشة العزيمة وخورها عند المحكّ، والعجز الماحق عن مقاومة مباهج الحياة، وانعدام الزّهد التّام مقابل التّكالب الطّاغي على الحياة الدّنيا إزاء أناسٍ برزوا في النّشاط العام كدُعاةٍ للفوز بالآخرة ونبذ الحياة الدّنيا. فمثل هؤلاء يسقطون وفق ذات القيم التي اختطّوها وبرزوا للنّاس بغية سوقهم إليها إن طوعاً أو كُرهاً، سقوطاً يفوق سوء الظّنّ بهم. فهم، فيما رفدت به تجربة الإسلاميّين في السّودان على وجه المثال، يكذبون، ويسرقون، ويأكلون مال السُّحت والشّعب، ويقتلون الأبرياء بغير وجه حقٍّ، ثمّ يشكرون الله بحسبان أنّ جميع ما فعلوه إنّما كان بتوفيقٍ من المولى عزّ وجلّ.

الجمود الفقهي عاقبتُه وخيمة لا شكّ، كونه سلوكاً أيديولوجيّاً مفخّخاً بمجموعة من النّزعات المنحطّة التي يتمّ إعلاؤها توهّماً لتبدوَ على أنّها شكل من أشكال التّديّن. عند هذا يتمّ إيهام المرء، فلا يعدو الباطلُ باطلاً، ولا يعدو الحقُّ حقّاً، فإذا به تأخذُه العزّةُ بالإثم من حيث يخدع نفسَه بأنّه على الحقّ والهداية. وتقف العديد من أنظمة الحكم التي تتّخذ الإسلام واجهةً، بينما لا خِلاقَ لها من رقّة الدّين وحنانِه، كنماذج ماثلة للعيان في عصرنا هذا. وليس أيسر من الإشارة إلى وجه الضّلالة فيها. لكن ما ينبغي التّعمّق فيه أنّ هذا الوضع قد بدأ قبل زمانٍ طويل، وربّما قبل قرون وقرون، أي منذ أن بدأ التّحجّر والجمود الفقهي يعتري حياة المسلمين. فالاعتبار بعاقبة الأمر إنّما يقوم على تدبّر منشئه. في وضع مكبوت جماليّاً وفكريّاً كهذا يصبح التدّين غطاءً نفسيّاً لمركّبات النّقص بدلاً من أن يكون التّديّن تسامياً وعروجاً نحو الكمال.

إذن، فهذا هو كنه الجمود الفقهي وهذه هي عاقبةُ أمره الوخيمة. فماذا عن الأيديولوجيا التي تدثّرت بنمط التّديّنٍ التّحريمي الذي قاد إلى حالة الجمود بغية تغليب مصلحة فئة اجتماعيّة بعينها على ما عداها من مصالح باقي فئات المجتمع؟ في ظنّنا أنّ الإطار الأيديولوجي هو الإسلاموعروبيّة، أي تصوير الإسلام كما لو كان ديناً لا تلتئمُ لُحمتُه وسَداه إلاّ بالعروبة. ما كان يمكن للعرب ومستعربتها أن تنجح في تحقيق هذا بالقرآن. ولهذا شرعوا يتجاوزون النّصّ الأصلي بترفيع النّصوص الثّانويّة، كالسّنّة النّبويّة والآراء الشّخصيّة لبعض الفقهاء وإجماع بعضهم، إلى درجة النّصّ الأساسي وهو القرآن. ومن ثمّ بنوا فقههم التّحريمي على هذه النّصوص التي تساوت قدسيّتُها مع قدسيّة القرآن. وبهذا، وهذا وحده، تمكّنوا من أن يجعلوا شبهة التّحريم تحوم حول كلّ شيء في حياة النّاس. عند هذا تتناقص الحرّيّة وتكاد تنعدم، ويعيش النّاس في حالة غير مواتية لأيّ نوع من الإبداع، ذلك كون الحرّيّة هي شرط الإبداع الأساسي، وبدونها يتوقّف النّاس عن إنتاج الحياة جرّاء توقّفهم عن الإبداع لغياب الحرّيّة، وبالتّالي تتأخّر المجتمعات، لا غرو. ولهذا يبدو الأمر كما لو كانت أزهى وأرقى أيّام المسلمين تلك التي ابتعدوا فيها عن الدّين ولم يعودوا يظهرون تشدّداً في اجتناب محرّماته. ولكنّهم في حقيقة الأمر لم يبتعدوا عن الدّين الحقّ، بل تحرّروا بطريقة استثنائيّة مؤقّتة من رِبْقة نمطٍ تديُّني بعينه يقوم على الاشتطاط في التّحريم كتكتيك أيديولوجي بغية ضبط المجتمع وقمعه. وينجم هذا التّحرّر عادةّ جرّاء حركة فكريّة مستنيرة سطعت شمسُها لهنيهةٍ ريثما تنخسف وتدخل في المحاق نتيجة الاستهداف المنظّم الذي عادةً ما يقوم بتسخير مؤسّسة الدّولة لتوجيه ضربة قاصمة لحركة الاستنارة. وبالطّبع يكون التّبرير لمثل هذه الضّربات الغاشمة هو الخروج عن الملّة والدّين والهرطقة والزّندقة إلى آخره ممّا يحكي عنه التّاريخ.

بدأت التّكتيكات لاعتقال الإسلام في الأيديولوجيا العروبيّة أوّلاً باعتقال القرآن (كتاب الله) في سجن اللغة العربيّة، فتمّ تحريم التّعبّد به عبر أيّ صيغة لسانيّة بخلاف الصّيغة العربيّة. ولكن هذه الصّيغة ليست الصّيغة العربيّة الوحيدة؛ فقد كانت هناك حوالي ستّ صيغ بلغات عربيّة أخرى بخلاف لسان قريش (حرف قريش) الذي نقرأ به القرآن الآن، وهو ما أبقاه عثمان بن عفّان بعد أن أحرق الصّيغ الأخرى التي كانت بلغاتٍ أخرى غير لغة قريش. ولهذا نجد أبا حنيفة يجوّز قراءة القرآن مترجماً بالفارسيّة في الصّلاة، بينما يحرّمه غيره بما في ذلك تلامذته. لم يكن من الممكن لمن لا يتحدّث غير لغة قريش أن يفهم القرآن المكتوب بالحروف الأخرى. فقد نزل القرآن، كما هو معلوم بسبعة أحرف، بينما هناك أيضاً سبع قراءات للقرآن، وهو ما نفصّل فيه أدناه لدى حديثنا عن القرآن. ثانياً تمّ اعتقال القرآن داخل الأيديولوجيا العروبيّة بالشّريعة التي يجوز النّظر إليها على أنّها ليست سوى أحكام تواضع عليها الفقهاء اللاحقون، معتمدين فيها وبصورة أساسيّة على أحاديث مرويّات عن النّبيّ محمّد. وقد نهى النّبيّ محمّد عن الرّواية عنه: «لا تكتبوا عنّي. ومن كتب عنّي غير القرآن، فليمحُه» (صحيح مسلم)؛ وسُئل عليّ بن أبي طالب: «هل ترك فيكم رسول الله شيئاً غير القرآن»؟ فردّ قائلاً: «لا! إلاّ فهماً أتاه اللهُ عبداً في كتابه». ولكن، فلننظر إلى ما يُنسب إلى الصّوفي المشهور أبو القاسم الجُنيد (القشيري، 2001: 49): «من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يُقتدى به في هذا الأمر، لأنّ علمنا هذا مقيّد بالكتاب والسّنّة». فالأوّل قولٌ منسوب إلى عليّ بن أبي طالب، وهو يتناقض كلّيّاً مع الكلام الأخير المنسوب إلى الجُنيد الذي وُلد بعد الهجرة بأكثر من 200 عام (244ه ـ 309ه؛ 858م ـ 922م)، أي بعد أن أُذن في كتابة الأحاديث المنسوبة للنّبيّ محمّد.

اختُزلت الشّريعة في المحرّمات وأصبحت بمثابة آليّة للتّحريم، كأن لم تعد تشتمل إلاّ على المحرّمات التي انداحت دائرتها بمرّ الزّمان. فبدلاً من أن تصبح جماع القوانين المنظّمة للمجتمع (أي المجتمع في مجموعه من غير الخطاة، أي ما نسبته حوالي 95%)، أصبحت بمثابة سوط عذاب لمرتكبي الجنح من زنى وسرقة وقذف (أي الخطاة، أي ما نسبته حوالي 5% من المجتمع). فلا غرو أن أصبح الحكّام لا يوقعون حكمها فيما بعد إلاّ على من نال غضبهم، أو أرادوا كسر إرادته، وبخاصّةٍ الشّعوب المسلمة من غير العرب. ويكمن أوضح نموذج لهذا، في باب ضبط غير العرب في سنيّ الإسلام الأولى بعد أن دخلت فيه الأمم الأخرى، في تحريم الخمر دون الاستناد إلى أيّ نصوص قرآنيّة قاطعة من جانب، أو سنّيّة قاطعة من جانب آخر، وترفيعها إلى درجة أن تكون أمّ الكبائر وهي التي لم ترفد التّجربة الإسلاميّة الأولى بأيّ عقوبة واضحة لها (انظر مناقشتنا لهذا التّحريم في الفصل السّادس)، فضلاً عن عدم الاتّفاق حول ما تعنيه الكلمة نفسها. حتّى في مجال العبادات الطّقوسيّة، نقف على حقيقة خطيرة وهي أنّ الصّلاة التي أمر الله بها، لم يحدّد لها القرآن طريقة بعينها، بل تركها للمسلمين يقرّرون فيها بما يرونه، أي تركها للثّقافة المتعيّنة في ذلك الوقت. وسوف نوضج كيف لعبت الثّقافة السّائدة حينها دوراً كبيراً في تشكيلها حسبما سيرد في الفصل السّادس.

الانتقال من الجمود الفقهي إلى الفقه الحداثوي

يعني جمود الفقه، فيما يعني، أن يُحكم النّاسُ وفق فهم تجاوزه الزّمن، ربّما كان يصلح في زمانه، لكنّه قطعاً لا يصلح للحاضر. في هذا ليست لدينا أحكام مطلقة، ولو نزلت بها النّصوص، طالما كان الفهم يقوم على استقراءٍ جديد للنّصوص. فمصطلح «أحكام» نفسه محمّل بدلالات قسريّة، ولذا نرى أنّها مفاهيم ورؤى، خاصّةً وأنّ حديثَنا يجري داخل باحة الفقه، وليس في العبادات الطّقوسيّة بصورة عامّة (دون الزّعم بخروج العبادات من احتمالات التّحديث). وهذا يعني، فيما يعني، أنّ ما يأخذه البعضُ على أنّه تأسيسات عقديّة، هي أيضاً قابلة للمراجعة ما دام قد تمّ تفكيكُها وإخراجُها من داخل قوسي العقيدة، وبالتّالي تحريرُها لمراجعة العقل. ذلك لأنّ الإيمان بالله وتوحيده، وهو أساس العقيدة، مطلوبٌ فيه إعمالُ العقل للتّصديق به. فما يُعقلُ بالعقل، يُراجعُ بالعقل أيضاً. لهذا يقوم الفقه الحداثوي عندنا على تفكيك تابوهات التّحريم وتكثيف الوعي بضرورة التّحرّر من خلال مراجعة النّصوص القرآنيّة بغية إعادة قراءتها وتأويلها بما يحقّق الحرّيّة؛ وكذلك مراجعة باقي النّصوص النّبويّة والفقهيّة مجملاً. وهذا من شأنه أن يحقّق لنا المعاصرة. فيما يتعلّق بالأصالة يقوم منهجُنا على مراجعة نمط الإسلام الشّعبي الذي كان سائداً في السّودان، ولا يزال إلى يومنا هذا، ولكن في أطر ضيّقة وبتشوّهات، فنعيد قراءته بغية تنزيهه من شبهة استصحاب ما تُعورف على أنّه شركيّات المجتمعات المحلّيّة السّابقة لدخول العرب والإسلام إلى بلاد السّودان. ثمّ بعد ذلك إخضاع هذا التّراث إلى النّقد والتّحقيق دون الأخذ به كمسلّمات؛ ولن يتأتّى هذا إلاّ بتنشيط الحركة الإسكولاستيّة الإسلاميّة، أي بتجديد الفقه الإسلامي.

لكن، ترى ما الهدف من اجتراح هذا الفقه الذي وسمناه بميسم الحداثة؟ هل هو لتصحيح الدّين ونفض الغبار عنه؟ وهل هو حركة تستهدف تجديد الدّين وبالتّالي تتوجّه في دعوتها لجميع المسلمين؟ لا! ليس هذا هو الغرض من فقهنا الحداثوي! فالهدف الأسمى لنا هنا هو تشريع التّعدّديّة الفقهيّة وتحرير الفقه الإسلامي من أحاديّة الأحكام التي تبنّاها انسياقاً مع النّزعة الفطريّة لتحقيق وحدانيّة الحقّ، وهو هنا الذّات الإلهيّة، من جانب، ثمّ انسياقاً وراء النّزعة لتمكين الأيديولوجيا العروبيّة من الإسلام. من المؤكّد أنّ الحقّ واحد ولا يتجزّأ؛ لكن من الخطل التّماهي في هذا من قبل الإنسان فيما هو علماني، ومن ثمّ السّعي لابتناء فهم واحد بمظنّة أنّه تجسيد لأحديّة الحقّ الواحد جلّ وعزّ. ففي رأينا، لعب هذا التّماهي دوراً كبيراً في أدلجة الدّين في تنزّلاته الحياتيّة اليوميّة، وبالتّالي تحويله إلى مجموعة من المسلّمات التّلقينيّة التي ليس فقط لا تقبل الجدال حولها، بل لا يجوز هذا الجدال في المقام الأوّل.

ما نريد أن نقوله هو إنّنا نزعم بصلاحيّة الفقه، أيّ فقه للمجتمع الذي يرى أنّه يحلّ له مشاكله، ثمّ لمن وجد نفسه فيه، أي من اتّبعه بإحسان، دونما إكراه. عليه، نحن لا نزعم بصلاحيّة هذا الفقه الحداثوي الذي نتملّى تصوّراتِه الأوّليّة لجميع المسلمين. فهذا الفقه قد يكون صحيحاً وصالحاً بالنّسبة لنا، وغير صحيح وغير صالح بالنّسبة لمن لم يجد رشاده فيه. ماذا يعني هذا؟ إنّه يعني نسبيّة التّشريع بدلاً عن إطلاقيّته التي درج عليها الأمر منذ أن هلّ عصر الفقهاء. عليه، هذا الفقه الحداثوي قد يكون مفصّلاً بالمقاس، في حال تبلوره، لظروف طبقة من السّودانيّين دون غيرها؛ بهذا لا نزعم صلاحيّته لأيّ قطاع من السّودانيّين، دعك من الزّعم بصلاحيّته لأيّ مجتمعات أخرى. هذا القطاع من السّودانيّين هم أولئك الذين ظلّوا يجدون أنفسهم في رحاب الإسلام الشّعبي، أي ذلك النّمط من التّديّن الذي تعرّضنا له كثيراً في ثنايا هذا الكتاب، ولو كانوا لا يدركون هذا بوعي كامل. ولكن هذا لا ينفي الإمكانيّة الكبيرة في الاستفادة منه لتحرير الفقه الإسلامي من الجمود والتّحجّر. فالدّفع بنسبيّة الرّشاد الفقهي هي مدخلُنا لتحرير أنفسنا من غواية الحكم بضلال الآخرين إطلاقاً وإرسالاً. لذا سوف نصدع بالرّأي، مقدّمين له برؤوس الحجج ومفاصلها، غير متوسّعين. ولكن وجبت كلمة حقّ لا بدّ من قولها، ألا وهي تجاوزنا لحدود الدّين الشّعبي بتطويره، ذلك في معرض تأطيرنا له كنمط حداثوي يقوم على تنشيط الحركة الإسكولاستيّة الإسلاميّة.

مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان