د .زهير السراج * والله العظيم نحن شعب طيب جدا، بل ساذج وغرير !! * اعذرونى لهذا الوصف .. ولكن رغم كل المسرحيات التى شاهدناها وعايشناها خلال فترة الانقاذ التى بدأت عهدها مع الشعب السودانى بمسرحية (السجن والقصر) ،

 وذهب فيها الشيخ الى السجن حبيسا والعميد الى القصر رئيسا باعتراف الشيخ نفسه

ما زال البعض يصدق بسذاجة مسرحيات أهل الانقاذ، وأحدثها مسرحية (الخال المعارض) التى يلعب فيها دور البطولة هذه المرة الطيب مصطفى ويخرجها المؤتمر الوطنى

* دعونى أبدا بمقدمة قصيرة أستعرض فيها باختصار ما حملته بعض مؤلفات خبراء الاستراتيجية فى الغرب، ومن ضمنها مؤلف (السودان، جنوب السودان، ودارفور) الذى تناول فيه اندرو ناتسيوس مدير الوكالة الامريكية للتنمية السابق ومبعوث السودان خلال فترة جورج بوش الابن باسهاب شديد ومعلومات دقيقة قصة السياسة والحرب فى السودان منذ الاستقلال وحتى انفصال الجنوب فى عام 2011 وافصح عن رؤيته لنوع السياسة التى يجب على الادارة الامريكية الحالية ان تتبعها فى السودان للحفاظ على النظام الحالى حتى لا يؤدى سقوطه الى استيلاء المتطرفين الاسلاميين على السلطة، وهو ما لا تريده امريكا خوفا على مصالحها ..!!

* هذه السياسة هى نفسها التى طرحتها مراكز الدراسات بالولايات المتحدة قبل الربيع العربى  كبديل للحرب ضد الارهاب (كتاب صعود الاسلام الاصولى نموذجا)، وتتلخص فى العمل على استيعاب حركات الاسلام السياسى فى السياسة العالمية واتاحة مساحة واسعة لها فى بلادها للدخول فى العملية السياسية والوصول الى السلطة كوسيلة لمكافحة التطرف الاسلامى ودرء ارهابه عن الغرب، وهو ما حدث فى مصر وتونس حيث دعم الامريكان بشكل مباشر جماعة الاخوان المسلمين فى البلدين للوصول الى السلطة (كتاب سر المعبد للقيادى الاخوانى المنشق ثروت الخرباوى نموذجا)، ونفس هذا السبب هو الذى جعل الامريكان يقفون ضد انقلاب السيسى لخشيتهم من ان يثير ذلك الحركات الارهابية فتنشط مرة اخرى لممارسة عملياتها الارهابية وهو ما حدث بالفعل، وتحاول امريكا جاهدة الان بالتعاون مع الاتحاد الاوروبى لايجاد صيغة تعاون او تفاهم مقبولة لكل الاطراف فى مصر بما فى ذلك جماعة الاخوان المسلمين درءا لخطر الارهاب الاصولى الاسلامى وتدجينه بالمشاركة فى العمل السياسى بدلا عن ممارسة الارهاب ..!!

* اذن .. فالمطلوب بشكل عام هو إشاعة الخوف والقلق بأن البديل الحتمى فى البلاد العربية والاسلامية للانظمة الاسلامية المعتدلة أو المدجنة (كالاخوان المسلمين) هو الاسلام الاصولى المتطرف، لذا يجب الحفاظ على حكم الاخوان المسلمين اتقاءا لشر المتطرفين ..!!

* فى السودان فان النظام القائم حاليا يعتبر فى نظر الخارج، خاصة مع الكوابح الكثيرة التى تجعله مقيدا بشكل أو بآخر فى مواجهة الصلف الامريكى والغرب، هو النظام الأمثل لحكم السودان، وسقوطه يعنى استيلاء جماعات متطرفة على السلطة ومنها (جماعة الترابى) او المؤتمر الشعبى الاسلامى، كما ينظر اليها الغرب .. !!

 * غير ان كثيرين فى الداخل لا ينظرون للترابى نفس النظرة، فالبعض ينظر اليه كورقة محروقة لن يكون لها تأثير يذكر لو سقط النظام الحاكم، والبعض يصدق انه اتعظ من تجربته واعتدل وهم مستعدون لتقبله فى معادلة السلطة فى المستقبل، والاغلبية تنظر اليه كجزء لا يتجزأ من النظام الحالى وان خرج عليه، وبالتالى فان حظوظه المستقبلية فى لعب دور سياسى تكاد تؤول الى الصفر خاصة مع وصول الترابى الى عمر متقدم ..إلخ.

* الترابى، إذن، لا يعتبر المقابل المتطرف للنظام الحالى، ولم يعد الفزاعة التى يخاف منها السودانيون، وعليه لا بد من البحث عن فزاعة جديدة تحمل كل الصفات التى تجعل السودانيين يخشون من صعودها الى السلطة إذا سقط النظام الحالى، وبالتالى يتمسكون بالنظام الحالى، او على الأقل يمارسون فضيلة (السكوت عن الحق) ..!! 

* هذه الفزاعة هى جبهة الدستور الاسلامى التى تتكون من عدة جماعات وشخصيات اسلامية متطرفة او متشددة .. أو بالتحديد أحد اهم أعمدتها وهو الطيب مصطفى الذى يكرهه معظم الشعب السودانى كراهية عميقة، وهو فى نفس الوقت خال الرئيس البشير الامر الذى يجعل معارضته للنظام تبدو وكأنها حقيقية خاصة مع حرية الحركة المتاحة له، بالاضافة الى سهولة اجراء مقارنة سريعة بينه وبين إبن اخته الرئيس البشير ومن ثم الخروج بنتيجة لصالح الأخير، فضلا عن أنه أفضل من يؤدى الدور المرسوم له بدون ان يخرج منه لعلاقة القربى التى تربطه بالرئيس البشير ..!!

* تنفيذ هذا السيناريو الدقيق بدأ بشكل واضح مع اتفاضة سبتمبر بايقاف صحيفة الانتباهة للفت الانظار الى انها صحيفة معارضة للنظام، وتزامن مع ذلك صدور عدة بيانات لجبهة الدستور الاسلامى تندد بقمع السلطة للمتظاهرين فى انتفاضة سبتمبر، ثم إخراج الطيب مصطفى من صحيفة الانتباهة والترويج لذلك وأخيرا التصريحات الحادة للخال الرئاسى ضد النظام الحاكم بما يظهره انه المعارض الرئيسى للنظام .. وفى هذه الحالة فان من الافضل للكثيرين فى الداخل والخارج ان يستمر نظام حكم البشير بدلا من أن يأتى نظام يتحكم فيه شخص متطرف الفكر يكن له معظم الشعب كراهية شديدة .. هذه هى مسرحية (الخال المعارض) التى يلعبها النظام هذه الايام   .. !!