خالد فضل يكثر فى حقل السياسة السودانية استخدام أدبيات القوة الأخلاقية لدرجة يخيل معها أن الصراع السودانى السودانى ليس صراعا سياسيا وفكريا بل صراعاً قيمياً بين قيم وأخلاقيات متنافرة , ولعل أكثر الطوائف السياسية استهلاكا لهذه الأدبيات هى جماعات الإسلام السياسي , وأكثر ما تم من  استهلاك لهذه الأدبيات  فى عهد الجماعة الاسلامية الحاكمة الآن ,

إذ ما من مناسبة وفي معظم الأحيان بدون مناسبة، يتم تمجيد الذات وتنزيهها بعقد المقارنات الأخلاقية مع الخصوم الذين يتم تجريدهم من أى فضيلة , فجميع الأحزاب التى تم حلها وتجميد نشاطها وحظر الإنتساب لها فى بدايات انقلاب الانقاذ , إنما هى أحزاب فاسدة باعت الوطن وخانت الشعب وحادت الله ورسوله بتعطيلها للشريعة وتفريطها فى تراب الوطن حتى كاد قرنق وحركته العميلة أن يستوليا على كوستي , وأضاع رئيس الوزراء وقت الشعب فى الكلام . هكذا كانت المبررات الأخلاقية لإستيلاء الجبهة الإسلامية على السلطة الذي ما جاء الا لإنقاذ الشعب والدين والوطن من الهلاك , والغريب أن الرئيس عمر البشير قد عاد بعد زهاء ربع قرن من ممارسته للسلطة المطلقة , دون حسيب أو رقيب الا الله (كما يزعمون) , عاد البشير قبل أيام قلائل ليحدث الشعب عن فضل الإنقاذ فى حفظ هوية البلاد السودانية من الطمس الثقافي والديني إذ لولاها لصار السودان مسيحيا ولغته غير العربية  فتأمل فى قوة العين هذه ولا تعجب فالكلام لدي الإنقاذيين يعنى كلام ساكت. ,ولأن الشىء بالشيء يذكر ففي لقاء صحفي كنت قد أجريته لصالح أجراس الحرية قبل سنوات مع النائب البرلماني عن إحدى دوائر جنوب كردفان السيد ديفيد كوكو أشار فيه الى أن واحدا من رزايا الإنقاذ على السودان تدهور مستويات اللغة العربية , وهو فى قوله ذاك محق وأيم الله , فالسيد المار ذكره يورد الحيثيات المنطقية لرؤيته تلك بينما أهل السلطة الإنقاذية يرمون الحديث على عواهنه كما تقول العرب , ولأن السيد ديفيد ليس عربيا وليس مسلما فهو من إثنية النوبة وديانته المسيحية لهذا عندما يطلق مثل هذه الأحكام فإنما يطلقها من وجهة نظر سياسية وثقافية مجردة من الهوى , وهو لا يريد بذلك المحاكمة الاخلاقية لزمرة الانقاذيين بقدر ما يشير الى موقع خلل بارز فى أدبياتهم وممارساتهم اليومية , رد الفعل المتوقع من أى سلطة واقعية أن تأخذ مثل هذا الحديث مأخذ الجد وتبحث فيه فليس مهما فى هذا السياق من أصدر الحكم أو إفترض تلك الفرضية , على العكس من ذلك تماما تأتيك الإجابات بكيل الإتهامات بأنه لولا الإنقاذ لضاعت اللغة العربية لأن الآخرين مغرضون ومتآمرون وخونة وعملاء … إلخ .

 ولأننا فى معرض مناقشة القوة الأخلاقية التي تدعيها السلطة مقابل تجريد المعارضين منها , فإن إيراد نماذج قليلة يكفي للتدليل على صحة إدعاء امتلاك هذه القوة فعلا وحصرا على الإنقاذيين بينما تعاني فصائل المعارضة من أنيميا أخلاقية مزمنة أو العكس هو الصحيح. يذكر الناس فى ذلك حديث صحفي أدلى به الضابط قائد سلاح الجو فى الفاشر الذي أقتيد أسيرا صبيحة العملية العسكرية الجريئة التى نفذتها قوات حركة جيش تحرير السودان , وعلى صفحات جريدة الصحافة فى عام2003م , عندما سئل عن كيف تمت معاملته خلال فترة الأسر التي جاوزت الشهرين, فقال بدون تلعثم أنه وجد معاملة كريمة من أولئك الشباب الذين وصفهم بالمتدينين والذين لديهم قضية يجب الاستماع إليها وحلها بالتفاوض , وعندما سئل عن ممارستهم للسلب والنهب أجاب من فوره بأنه كان يعيش مع قياداتهم ويأكل معهم الطعام الذى للأمانة يشترونه من حر مالهم. هذه الشهادة الأخلاقية الصادقة لم تعجب من سيرتهم مليئة بتجريم الآخر المعارض فكان أن تم إلجام صوت ذلك الضابط من الإدلاء بأي إفادات أخرى , ولعمري إذا صرح ذلك الأسير بما يرضى طموح المتسلطين وتعطشهم لذم الثوار لأفردت له المساحات البور فى كل أجهزة الإعلام ليملأها نعيقا وشتما كما نرى ونتابع الآن حيث تفرد المساحات لكل مدع يذم المعارضة . ولأن حديث ذلك الضابط مما يهدم الصورة النمطية عن الثوار التى تبثها وسائط إعلام السلطة فإنه ليس مرحبا به , وعندما وصل الراحل د. جون قرنق ديمابيور النائب الأول الأسبق لرئيس الجمهورية , إلى الخرطوم عصر 8 يوليو2005م , ذهل سدنة السلطة مما حظي به من استقبال فاق تقديرات كل من قدر لدرجة أن الذهول أصاب أول من أصاب المحتفى به نفسه وبقية القيادات التى رافقته , وفى ذلك كان درس بليغ آخر برهن على عبثية التنميط والوصمة الأخلاقية كديدن متبع من المتسلطين ضد المعارضين .

 حدثني شاب على أيام إقتحام قوات حركة العدل والمساواة لمدينة أم درمان نهارا جهارا , أنه كان يقف فى شارع الشنقيطي بمدينة الثورة منتظرا المواصلات العامة لتقله الى سوق أم درمان ولحظ مرور رتل من السيارات العسكرية علي الشارع أمامه وهى محملة بالجنود , قال لى بالحرف : تساءلت بيني ونفسي يارب العربات العسكرية الشينة دي ماشة وين الليلة؟ بل أنني لاحظت أن السيارة الأولى في ذلك الرتل قد توقفت وتبعتها الأخريات لأن شخصا من المسنين كان يعبر الشارع لحظتها ولم تتحرك حتى عبر ذلك الشيخ . يقول محدثي إنه لم يعرف أن هذه قوات مهاجمة الا عندما رأى جمهرة الناس وهم يتحدثون عنها . ذاك الشاب بالمعايير الإثنية ينتمي للمستعربين وبالمعايير السياسية يمكن تصنيفه فى خانة عامة الشعب دون ولاء محدد لفئة سياسية أما بالمعايير الأخلاقية يمكن الإطمئنان الى وصفه بالصادق, أفرأيت كيف أن المذيع أسامة عبدالرحمن الخليفة غفر الله له كان يبدع فى الوصف واطلاق النعوت التى يمكن وصفها بالكاذبة من على شاشة تلفزيون فئة الاسلاميين الحاكمة؟ فالغزو تشادي , والعملاء روعوا المواطنين العزل , والتصدي والبطولة والفداء هى صفات أفراد أجهزة السلطة الأمنية . هكذا تنزع الصفات وتجرد الممارسة الأخلاقية التى عاشها الناس فى الشوارع , وتوصف عمليات الانتقام اللاحقة بالبطولة , وضابط مشلخ يظهر على الشاشة التلفزيونية الإنقاذية متحدثا بحماس عن تطهير العاصمة من دنس المأجورين والخونة والمرتزقة الذين دحرناهم وقتلناهم وأسراهم فى الشوارع , وعندما فطن القوم لخطورة التصريح بقتل الأسرى فى الشوارع سحب هذا الشريط بعد بثه لعدة مرات . فتأمل فى هذه القوة الأخلاقية الضاربة التي يتحلى بها من يتمشدقون بالأخلاق والقيم!! وتراهم الآن يذيعون ذات الأدبيات فى معارك كردفان والنيل الأزرق ودارفور , بل اذاعوها عندما كان رصاص قناصتهم يحصد أرواح المتظاهرين العزل فى مدني ونيالا والخرطوم , فالحديث كله عن المخربين أما القناصة فقد حسموا المسألة فى يومين على حد تصريح الرئيس لصحيفة عكاظ السعودية , أما المعارضة فمغرضة وخائنة إن هى تواثقت مع الجبهة الثورية , وأما الانقاذ فهي لا تعتمد لغة الأرقام الحسابية فالله وحده جل جلاله من يتولى عنها سد فجوات الموازنة العامة على حد زعم المتهم الهارب (سابقا) نائب الرئيس (حاليا) وهو كذلك مثال لعبث الأدبيات البائرة , وما قيل فى حقه من ذم لايكافئه منصب إن اعتمدنا المذهب الاخلاقى وحده فى الحقل السياسي, ولكنه سودان الانقاذ لا عجب فيه!!!.