في الوقت الذي يعاني فيه السودان من أزمة اقتصادية خانقة، حيث سقطت ورقة التوت التي كان تستر عورة الاقتصاد السوداني بفقدان عائدات النفط، فانكشف بجلاء العجز الذي اصاب الاقتصاد نتيجة لسياسات نظام البشير الفاشلة،

التي دمرت القطاعات المنتجة وحولت الاقتصاد السوداني الى اقتصاد ريعي يعتمد بصورة شبه كلية على عائدات النفط التي تبدد الجزء الاكبر منها في الفساد والصرف الامني والعسكري، والجزء المتبقي للانفاق الاستهلاكي، أما قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة فتم تدميرها مع سبق الاصرار والترصد، والمواطن السوداني الآن يحصد الثمار المرة لهذه السياسات، حيث لاحت نذر الجوع في الخرطوم، وصفوف الخبز التي باتت مألوفة في كثير من أحياء العاصمة ليست هي الشاهد الوحيد على ذلك،  بل ان الارتفاع الجنوني في اسعار الخبز والمواد الغذائية الضرورية ، وفي أسعار الدواء والخدمات العلاجية، بسبب سياسات رفع أسعار المحروقات وزيادة الضرائب ورفع سعر الدولار الجمركي التي لجأت اليها الحكومة مؤخرا ، هذا الارتفاع في الاسعار مع تدني الاجور وارتفاع نسبة البطالة معناه ان غالبية السودانيين حتى في المدن والحواضر يعيشون في شبه مجاعة ناهيك عن السودانيين في مناطق الحروب حيث القصف بالطائرات والمدافع، وحيث النزوح واللجوء،

في الوقت الذي يعاني فيه السودان من هذه الازمة الخانقة المتصاعدة، يعلن رأس النظام عمر البشير، ومساعده نافع علي نافع ووزير دفاعه عبد الرحيم محمد حسين واخيرا وليس آخرا والي جنوب كردفان ادم الفكي هذا العام هو عام الحسم للتمرد، وان القوات المسلحة وقوات الدفاع الشعبي سوف تطهر البلاد من العملاء والخونة والمرتزقة، وتردد اجهزة الإعلام الحكومي ذات العبارات المكررة والشعارات المستهلكة المحفوظة منذ قرابة الربع قرن: المؤامرة الغربية والاستهداف الصهيوني، ثم دعوة الشعب السوداني لمساندة النظام في حربه وكأنما النظام يخوض حرب تحرير وطني ضد عدو اجنبي، لا حربا أهلية داخلية أشعلها هو بفعل سياساته الخرخاء وممارساته الظالمة!

ثم تتواتر الدلائل الملموسة على أن النظام بالفعل مقبل على التصعيد العسكري، إذ رصدت الأقمار الصناعية بالفعل حشودا عسكرية ضخمة متجهة الى جنوب كردفان، والاخطر من ذلك تواتر الانباء عن حشد مليشيات الجنجويد ذات السجل السيء في حروب الإبادة في دارفور وتوجيهها الى جنوب كردفان، فضلا عن استجلاب المرتزقة الفارين من مالي بعد هزيمتهم من قبل القوات الفرنسية هناك للاستعانة بهم في القتال في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، مما يدل على ان النظام ما زال مثابرا على مواصلة الحرب بالاعتماد على المليشيات المتمرسة في الابادة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ومصرا على مزيد من التمزيق للنسيج الوطني وإضافة جرائم حرب جديدة لا تفلح في تحقيق اي نصر عسكري ولكنها تفلح في مزيد من التقسيم للوطن المنقسم أصلا.

ان الحسم النهائي لمشكلة الحرب الأهلية في السودان لن يتم إلا بحل سياسي شامل يخاطب جذور الأزمة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي أشعلت الحرب، والنظام الحاكم في السودان غير مؤهل على الإطلاق لتحقيق ذلك، بدليل ما يقوم به الآن من دق طبول الحرب، وما يردده من ادعاءات ساذجة وجوفاء حول مقدرته على حسم التمرد عسكريا، وهي المهمة التي عجز عنها عندما كانت تتدفق على خزائنه مليارات النفط، وعندما كان موحدا وقاعدته مستعدة للتضحية من أجله، فكيف ينجح فيها اليوم وهو منقسم على نفسه،  وخزائنه خاوية؟

إن أي رهان على الحسم العسكري معناه استدامة الحرب الضروس ومعناه ان يستمر الشعب السوداني في تسديد فواتيرها الباهظة ارواحا ودماء وجوعا ومعاناة.    

النظام يؤكد كل يوم ان حل الأزمة السودانية يبدأ بتغييره.