عبدالفضيل الماظ .. استشهد وهو يحتضن مدفعه  أعدها : صالح عمار قرب كبري بحري وقبل وصوله للقصر مع بقية رفاقه الثائرين، اعترضته قوة من جيش الاستعمار الانجليزي، ودارت معركة عنيفة سقط فيها العشرات من الإنجليز.

وظلت المعركة بقيادة عبدالفضيل الماظ ابن الثامنة والعشرين دائرة في عنف من مساء الخميس «27 /11/1924» إلى الجمعة «28/11/1924» ونفدت ذخيرة الثوار فتفرقوا، والتجأ عبد الفضيل وحده غير آبه بمصيره إلى مبنى المستشفى العسكري _ مستشفى الخرطوم للعيون أو النهر آنذاك.

ومن ثم أخذ الشهيد الذخيرة من مخزن السلاح التابع للمستشفى واعتلى أعلى نخلة بمبنى المستشفى في صورة كأنها خيال (تلك النخلة رُفع فيها العلم السوداني في عهد الرئيس نميري تخليدًا لذكرى الشهيد) وأخذ يمطر على رؤوس الجيش الإنجليزي حمم مدفعه «الطبجي الذي يقوم بتحضير السلاح» ممسكًا بذراعه الأيمن مدفعه والنخلة بالأيسر فعجزوا عن الاقتراب منه.

 وكان برفقته اثنان «الصول عرديبا بيركو» و«الشاويش فومو عُجان» من أبناء النيما (فرع من قبائل جبال النوبه)، وعندما رأوا الدم سائلاً من ذراعه نسبة للاحتكاك الذي تعرض له لساعات طويلة قاموا بنصيحته بالنزول من النخلة لكنه أصرّ على المقاومة.

 وخلت الخرطوم من السكان فقد فر سكانها إلى الغابة وبقي عبد الفضيل وحده محاصراً بجحافل الجيش الإنجليزي وعندما عجزوا تماماً عن القضاء عليه أمرهم المأمور بضرب المستشفى بالجُلة ـ ُشبيهة بالدانة ـ عبر «الكشافات المتعظمة» بالطائرة من فوق.

 وبعد نصف يوم آخر من المعركة نُفِّذت التعليمات ودُكَّ المستشفى على رأس البطل وقد سقط الحائط عليه مُحدثًا كسرًا فى السلسلة الفقرية للرقبة. وعندما تم الكشف بين الأنقاض وجدوه منكفئًا على مدفعه وقد احتضنه بكلتا يديه وخاف الإنجليز من الاقتراب منه ظناً بأنه مازال حياً لأنه استشهد وهو ممسك بمدفعه.

وقد أوردت المصادر التاريخية أن ما يزيد على اثني عشر جندياً من المشاركين في الثورة قد استشهدوا، وان الباقين قد عبروا النيل إلى أم درمان والقي القبض عليهم فيما بعد ونفذ في جزء كبير منهم حكم الإعدام.

كان معظم الجنود المشاركين في الثورة من ابناء جبال النوبة، وقد عبر الناجون منهم النيل إلى أم درمان بأسلحتهم الخالية من الذخيرة قاصدين جبال النوبة.

وفي الخرطوم تكونت فصيلة بقيادة هدلستون باشا لتعقب هؤلاء الجنود واحضارهم.

 وعند وصول هذه الفصيلة إلى احدى القرى، اعترض احد زعماء القبائل سبيل هدلستون وطلب منه أن يدع الفارين وشأنهم. ويُقال إن مشادة كلامية قد نشبت بين المك وهدلستون، هدد فيها الاول بتحريض قبيلته ضد السلطات الاستعمارية إذا لم يسمح لهؤلاء الجنود بمواصلة سيرهم، وهنا لجأ هدلستون إلى سلاح المكر والخديعة وأخبر المك انه كنائب للحاكم العام وممثل للسلطة مستعد للعفو عن هؤلاء الجنود مقابل تسليمهم إياه بعد تجريدهم من السلاح وطردهم من الخدمة.

وبموجب هذا الاتفاق لحق المك بالثوار الذين توغلوا غرباً وعاد بهم وسلمهم هدلستون باشا. حنث هدلستون باشا بوعده وحكم على معظم هؤلاء الجنود بالإعدام، وقد أوقعت خيانة هدلستون باشا المك في أزمة نفسية عميقة انتهت بموته منتحراً في العام 1936م.

اورد المرحوم حسن نجيله في كتابه “ملامح من المجتمع السوداني” ان عبدالفضيل وُلد في العام 1898 بمصر التي كان والده الماظ عيسي جندياً في جيشها، وجاء بعدها الطفل عبدالفضيل في صحبة والديه ضمن الجيش الانجليزي ـ المصري.

بينما تقول حفيدته الوحيده خديجة جار النبي عبد الفضيل الماظ انه ولد بعد وصول والديه لودمدني بالجزيرة. والدته من النوبة المورو، ووالده من قبيلة النوير.

وتنقل مع والده في عدد من بقاع السودان، فقد أقام في دنقلا والأبيض وتلودي بجبال النوبة التي أحبها عبدالفضيل وقضى بها جل خدمته العسكرية. كان عبدالفضيل ذكياً وذا شخصية قوية منذ صغره، وعندما انتقل إلى واو عُيِّن عريفًا للطلاب، وكان يتسلل مع بعض أصدقائه لمشاهدة التدريبات العسكرية بالغابة في مدينة واو ومن ثم يقوم بتعليم ما شاهده للأطفال.

توفي والده وبعده بقليل توفيت والدته وقامت بتربيته خالته «حواء» وعاش معها بحي الفتيحاب بامدرمان، وكان تلميذاً نجيباً بخلوة الفكي الاسيد. وبعد وفاة والده جُنِّد في نفس فرقة أبيه الأورطة.

وقد ترك البطل الشهيد عبد الفضيل الماظ كثائر لوحة إنسانية رائعة بحي الفتيحاب. لقد كان الشهيد العظيم انساناً بكل ما تحمل كلمة إنسان من معنى. فلا تجد بيتاً في الحي او ساكناً من ساكنيه إلا وله معه موقف.

وقد حكى عنه معاصروه من أهل الحي انه كان مهذباً دمث الاخلاق يوقر الكبير ويحترم الصغير، وله كلف شديد بالأطفال ورعاية خاصة لهم كما كان يعود المرضى ويشيّع الجنائز. كان منزله ملتقى جامعا لاهل الحي لانه الشخص الوحيد الذي كان يمتلك جهاز فونغراف من بينهم هذا اضافة إلى أن البطل الشهيد كان من رواد الاستنارة حيث ذكر الذين كانوا اطفالاً في العشرينيات من القرن الماضي والذين انتقلوا جميعا إلى رحمة الله أن الشهيد كان ينظم مسابقات في العدو والوثب للاطفال والصبيان ويخصص لذلك الجوائز، كما ذكر أهل قرية “باروكة” أن الشهيد كان يتشدد مع الجنود الذين يعبثون بممتلكات المواطنين ويوقع بهم اشد العقوبات.

وفي يومي 24 و25 نوفمبر1924م طاف البطل الشهيد على بيوت الحي بيتاً بيتاً مودعاً وكان أهل الحي يظنون أن الشهيد على سفر، إلى أن فوجئوا بما حدث يوم الجمعة 28 نوفمبر 1924م فمنذ عصر الخميس 27 نوفمبر 1924م بدأت ترد إلى مسامعهم اصوات المعركة الدائرة على الضفة الاخرى للنهر.

ومما زاد من قلقهم انهم قد شاهدوا الفرس الأبيض يعود إلى الحي في ظهيرة الجمعة 28 نوفمبر1924م بلا فارس على صهوته وهو يصهل صهيلاً حزيناً ادرك أهل الحي الذين كانت لهم دراية كبيرة بالخيول وسياستها في ذلك الزمان، أن خطباً جللاً قد حلّ بفتاهم فظلوا في حالة من القلق والتوتر إلى أن نعى لهم الناعي البطل.

عندها تيقن أهل الحي أن فتاهم قد مات تلك الميتة المشرفة، اعدوا “النحاس” واسرجوا الخيول للذهاب إلى الخرطوم لاحضار الجثمان ودفنه بمقابر الفتيحاب بما يليق بمقام الابطال، إلا انه قد ابطل تخطيطهم من جاء يحذرهم من مغبة فعلهم هذا من قبل السلطات الاستعمارية.

واكتفى أهل الحي بإقامة مأتم للبطل الشهيد بدار العمدة محمود سليمان حامد المك عمدة الفتيحاب في ذلك التاريخ. لقد كان مأتماً حزيناً امّه الجميع وتبارت فيه النسوة في رثاء الشهيد حيث نظمت “مناحة” على نسق مناحة “غرار العبوس” ذائعة الصيت إلا أن الذاكرة الخربة لم تعد تحفظ منها إلا بيتاً واحدا هو مطلعها الذي يقول:

انكسر المرق واتشتت الرصاص*** أحيّ على عبد الفضيل الماظ

ونعاه وتغني له الشعراء والفنانون وعلي رأسهم محمد وردي :

نذكـر الآن جمـيـع الشـهـداء

كل من خطّ على التأريخ سطراً بالدماء

نذكـر الآن جمـيـع الشـرفـاء

كل من صـاح فـي وجـه الظلـم لا لا

ونغني للجسارة

حينما استشهد في مدفعه عبد الفضيل.