فاطمة غزالي  بأي حال  عدت يا عيد  .. هذا السؤال كان محور الاشياء، ومكمن الحزن في عيد الأضحى المبارك الذي تزامن مع تداعيات أحداث ثورة سبتمبر التي واجهتها الإنقاذ بوحشية وقمع واسترخاص للأرواح..

جاء عيد الاضحى وأصحاب القيم والمبادئ  متقوقعين  في الحزن على الشهداء منارة الثورات وشعلات التحرر.. قليل من الوفاء لهؤلاء الشهداء وأسرهم هو أن نزورهم في أيام  العيد.. مجموعات عديدة وقفت أمام منازل هؤلاء وقفة تحية واجلال للأرواح التي كشفت عن قيمة الإنسان السوداني من منظور الإنقاذ..  .. في اليوم الثاني لعيد الأضحى تواعدنا مع عدد من الزملاء لزيارة أسر الشهداء وعلى رأسهم لؤي عبدالرحمن  إلا أن البعض تساقطت عليه ظروفه الخاصة وعليه  ذهبنا في مجموعة ضمت  الأستاذ سارة نقدالله ودكتورة مريم الصادق المهدي، وفي رفقتنا أيضاً عبدالله الفاضل المهدي، ومصطفى إمام الحلو، وصلاح الحاج عبدالرحمن نقدالله ..جددنا تعازينا للأسرة مع الدعاء بتقبل شهادة أبناء الوطن الشرفاء.  

من خلال هذه الزيارة نقرأ ما بين سطور أحداث 25 سبتمبر  قصصاً إنسانية موجعة حينما تطرق أبواب بعض أسر الشهداء الذين  لم تعانق اسماؤهم  أذان الرأي العام ، لم تر كاميرات القنوات أسرهم ، ولم تكتب أقلام الصحافة  عن سرادق العزاء والتأبين التي نصبت لهؤلاء  الشهداء  في أطراف العاصمة.. إنهم شهداء في هامش المركز.. وهم الشهيد الصادق أبو زيد الإسكان مربع 5 -الكلاكلة، والشهيد معتصم محمد أحمد- مايو حي النصر  الحارة السادسة، وشهيد آخر ذكرت أسرة الشهيد معتصم اسم والده (بروس) وقالت تم القبض على من أطلق عليه النار،  وفي مايو الشهيد يوسف ، والشهيد مدرار ابو القاسم- الإسكان مربع 5 –الكلاكلة، بشير موسى إبراهيم ابو خلايل – الكلاكلة مربع 17، والشهيدة وفاء محمد عبدالرحيم التي تضاربت الروايات بشأن العربة التي دهستها بعد أن حجب دخان البمبان عنها الرؤية وسقطت كما ذكرت والدتها.. قطعاً هناك شهداء كثر مازالوا مجهولين، رغم اجتهادات بعض الشباب والشابات والناشطين والناشطات سياسياً وحقوقياً لمعرفة أسر الشهداء والجرحى والمعتقلين .

 الثاني لعيد الفداء للمسلمين عامة ، وعيد الشهداء للسودانيين الذين دخل بعضهم  في حزن  عميق منذ 25سبتمبر من هذا العام..عام البحث عن التحرر فتدفقت دماء أبناء وبنات هذا الوطن أمام الأعين وفي طرقات الخرطوم مركز الأشياء لا ذنب اغترفه  هؤلاء سوى أنهم خرجوا وعبروا سلمياً عن رفضهم  للقهر حينما  رفعت الحكومة درجة حرارة معاناة الشعب التي تزداد يوما بعد يوم بسبب السياسات الاقتصادية الفاشلة التي وصلت مرحلة  وضع المواطنين  في محرقة البحث عن الحياة.. بعض الشهداء ليسو قاسماً مشتركاً في دالة التظاهر إلا أن قساوة القناص في تلك اللحظة لم ترحم .. نعم بمثل هذا القول عبرت بعض  أسر الشهداء غير المشهورين..    قصص وروايات الحزن والغضب المكتوم هما  العنوان الرئيسي في كتاب كل أسرة ، وبين دفتي الكتاب بركان ثائر بعنفوان .. كلمات  محزونة و عبارات مجروحة وإشارات تعبر عن الصدمة في الحكومة التي صبروا على سياساتها الهوجاء فكان الجزاء القتل المنظم لتخويف الشعب وإرهابه..  والسؤال الحائر تطرحه أسر الشهداء  (بأي ذنب قتل هؤلاء؟) إلا أن الاجابة عليه قطعاً تتأتى من قساوة القناص ..  لا شك في أن أسر الشهداء  تجتهد لكي تبدو أكثر صبراً وتماسكاً  إلا أن لسان حالها يقول ( ما للبلاد أصبحت لا أهلها اهلي .. ولا جيرانها جيراني) .. ومن منهم من يقول لماذا قتلتم الصغار  أمثال هزاع ، والصادق أبو زيد ، ووفاء وهلم جرا.. التفاصيل مؤلمة حينما تجالس الأسر وتستمع إليها ، لا تستطيع أن  تمنع  الدمع من أن ينحدر من المآقي المحتقنة ، ولن تفلح في أن تُسكت ضجيج الفوضى المزعج الذي  استباح بدم بارد دماء الأطفال الابرياء.  

   الحزن على رحيل العزيز أوالعزيزة  وهو الشعور الذي يلازم أي  شخص طبيعي حينما يفتقد من يعزه .. إلا أن الغضب الذي تدثرت به أسر الشهداء كفيل بأن يحرك الأشياء عن مواضعها ، وجدير بأن يغير مواقف ، ويقتل ولاءات ،  ويحطم جرس المناصرة لحكومة كان البعض يصدقها الولاء، إلا أن سفك الدماء بلا رحمة ، واستخراج شهادات وفاة تشير إلى الوفاة في ظروف غامضة إنه لقمة الإستهانة بدماء شعب في قلب العاصمة ..نعم  قتلوا في الخرطوم حيث الإعلام والحراك الحقوقي والسياسي.. إلا أن صمت الإعلام المحلي بالرغم من ضجيج الرصاص كان موجعاً لأنه صمت من هون أدهش أسر الشهداء .

  الشهيد مصعب من أمبدة يعد من اشهر الشهداء الذين زرت اسرهم ، تعرف عليه الرأي العام السوداني.. في الساعة الثانية ظهرًا ثاني ايام العيد توجهنا إلى منزل أسرته بأمبدة شارع  مدني الحارة الخامسة…. تحدث والده مصطفى محي الدين بغضب عن أن الضرب في المظاهرات كان الهدف منه القتل وليس التعطيل واستشهد بشهادة وفاة  ابنه وهي الوفاة بسبب تهتك الرئة بالرصاص.. وأوضح أنه اجتهد لكي يستلم شهادة الوفاة وقال صراحة للنيابة “ذكرتم أن التقرير الطبي من حقكم بينما شهادة الوفاة من حقنا أعطونا حقنا”  والشاهد أن المادة (51)  اجراءات (الموت في ظروف غامضة)هي سيدة الموقف في أحداث  المظاهرات الأخيرة  أي الوفاة في ظروف غامضة .. مع أن الحقيقة هي أن الوفاة برصاص في تظاهرة .. والد مصعب استنكر مبدأ الضرب بالرصاص في الصدر والرأس وقال وأضح إن الهدف هو القتل وليس التعطيل.. والدته تحدثت بمرارة وحزن عميق.. خاصة فيما يتعلق بمنع القوات النظامية لتأبين ابنها ، وقال والده أن القوات التي طوقت مداخل  المنزل أكثر من الذين جاءوا للتأبين أمام منزله.

من منزل الشهيد  مصعب مصطفى توجهنا إلى منزل الشهيد بشير موسى إبراهيم أبو خلائيل من أم روابة صحيح ورد اسمه ضمن قائمة الشرف للشهداء، ولكن الوصول إلى الأسرة واجب ومسؤولية كل الشرفاء.. تسكن أسرته في الكلاكلة مربع (17)، والدته آمنة منصورالمرأة الحزينة التي توجهت إلى مدينة أم روابة يوم استشهاد ابنها وقبل أن تصل إلى أهلها وصلها الخبر باستشهاد أبنها بشير، ويبدو أن أسرة الشهيد بشير من الأسر التي لم يتعرف عليها الرأي العام  لا من  قبل الإعلام ولا من الناشطين والناشطات الحقوقيات مع صدق نواياهم  في الوصول إلى الجميع  ولكن  شح المعلومات ساهم في صعوبة الوصول، أشار والده بأنه لأول مرة يأتي  إليه من يواسيه في استشهاد  بشير من خارج دائرة أهله ومعارفه  ووصف الزيارة ومعايدة الأسرة في عيد الشهداء لها وقع على نفسه، وأعتبر استشهاد ابنه ضريبة وطن.. ربما بعد المسافات وكثرة الشهداء ،وغياب المعلومات والإحصائيات الحقيقية بشأن الشهداء خاصة في الأطراف  ساهم في تساقط اسماء وأمكنة بعضهم.. حقاً جميعنااخفقنا في حق هؤلاء لهم العتبى حتى يرضوا .. قراءة الواقع تشير إلى أن الوعي السياسي والحقوقي في عدد من الأحياء ساهم في تسليط الضوء وكشف الحقائق عن عدد  الشهداء والمصابين في تلك الأحياء.. نعم مشكلات الهامش كبيرة حتى هامش المركز لم يسلم.

الشهيد بشير موسى  لم يتجاوز عمره  الـ(22) عاما كان يعمل في شركة  مستودع  تخزين (كوكاكولا) بالشجرة.. غادر بشير وأبن خالته مصعب مكان عملهما، واستعجلا الخطى  للإطمئنان  على شقيق بشير الطفل الصغير (منصور) ولمعرفة مكانه هل غادر المدرسة  إلى المنزل سالماً ، أم تاه وسط المظاهرات  في ظل الرصاص والبمبان الذي ملأ الطرقات.. وهما في طريقهما إلى المنزل أخبرهما ابن عمه (عامر) بوصول منصور إلى المنزل ، وتحدث معه بشير بأنه في طريقه أيضاً إلى المنزل وقبل أن يقطع الطريق الرئيسي  إنهال عليهما الرصاص  في الساعة  الحادية عشرة والربع  من صباح الأربعاء ، الرصاص الذي وجه صوب المتظاهرين .. أصاب بشير في رأسه و سال المخ على الأرض واختلط بالدماء التي تدفقت من الرأس، وقال مصعب إنه نجا من الطلقة الثانية التي  أصابت شخص آخر في رجله.. وأضاف مصعب قائلا: حاولت إنقاذ بشير إلا أن الشرطي قال لزميله “أضرب  القاعد معاهو دا” ولكن زميله الشرطي  الآخر تعامل بإنسانية معي  ورد عليه “خليوه  ينقذ أخوه  المضروب دا” والحديث لمصعب ” لم أخف من تهديدات الشرطي بل وقفت بجوار بشير وحينها تجمع حولي عدد من الشباب  لإنقاذه وطلبنا من صاحب (ركشة)  في الطريق مساعدتنا وقد استجاب واتجهنا نحو المستشفى التركي، وبالقرب من مدرسة ترهاقا واجهنا الرصاص إلا أن أحداً من  الشباب نزل من الرقشة وقال لهم معنا مصاب نريد إنقاذه لا تطلقوا علينا الرصاص ..  وبدأ مصعب يبكي وهو يروي تفاصيل ويقول “للأسف حتى في المستشفى وجدنا معاكسات من العساكر وطلبوا منا  اورنيك (8)  ونحن في لحظة محتاجين لاي ثانية لإنقاذ بشير .. وبعد شد وجذب دخلنا غرفة العملية وقال الطبيب الحالة متأخرة  جداً لأن جزء من المخ مفقود..وبعد دقائق استشهد بشير….. عامر خير الله ابن عم بشير وزوج شقيقته روى تفاصيل المعاناة  في استخراج  أورنيك (8) والإجراءات، وفتح البلاغ  الذي طلب منهم أن  يأتي والده بشير ليفتح البلاغ وبحضور الشاهد مصعب ، وبعد شد وجذب  فتح البلاغ بالمادة (51) اجراءات  (الموت في ظروف غامضة)، وروى مصعب للمتحري تفاصيل الضرب نوع  الزي والعربات .. ومن المفارقات أشار عامر إلى أن  المتحري كان يبكي  وهو يقوم بإجراءات التحري مع مصعب .. وبكي عامر وهو يقول طلب مني بشير بأن لا أذهب أنا  لمنصور  في المدرسة، ومازحني قائلاً أنا أصغر منك وبجري بسرعة تفوق سرعتك  ، وبعد دقائق اتصلت عليه بأن منصور وصل إلى المنزل .. بيد أن  بشير  وصل إلى المنزل شهيداً..وأشار  عامرإلى أنه وجد (9) جثامين في المشرحة في  تلك الساعة ومن بينهم الطالبة  (وفاء محمد عبدالرحيم).

 أسرة بشير طرحت العديد من التساؤلات منها من أين جاءات هذه التعليمات؟، ولماذا اطلاق الرصاص في منطقة بها حوالي (5) مدارس ثانوي؟.. وعبروا عن استنكار الناس للمطاردات التي طالت طلاب وطالبات المدارس،  حاولت بعض الجهات أن تساوم موسى في ابنه بشير إلا أنه رفض وتمسك بمبدأ القضاء والعدالة.   

 من منزل أسرة الشهيد بشير توجهنا إلى أسرة الشهيدة وفاء محمد عبدالرحيم في الخامسة عشرة من عمرها استشهدت الأربعاء  25سبتمبر تضاربت الروايات بشأن استشهاد وفاء وخاصة وأنها دهست بعربة وفي نهاية الأمر أستقر الأمر بأن حافلة ركاب دهستها.. استقبلتنا فتحية أحمد  والدة وفاء، وشقيقتها، وخالتها.. الوالدة امرأة  صغيرة في السن تبدو علامات الحزن واضحة في عيونيها الباكية  .. وهي تقول وفاء ودعتها بنفسي بعد أن سقيتها العصير بيدي .. وذهبت إلى المدرسة لكي تأتي بجدول الامتحانات ولم يخطر ببالي أنها لم تعد إلى المنزل .. وتقول والدتها وفاء قتلها البمبان الذي رموه أمامها وفقدت الرؤية في تلك اللحظة وسقطت على الأرض ودهستها العربية.. تواصل الحديث “وفاء بتي  قتلها البمبان  لأنو منعها من الجري مع زميلاتها فسقطت على الأرض.. ثم تبدأ والدتها في البكاء .. وفاء صغيرة  عملت ليهم شنو ..ولما ماتت خلوها في الشارع فترة  من الزمن لم يرفعوها .. الناس بقت ما عندها رحمة.. و صاحب الحافلة لم يظهر إلا بعد (5) أيام من استشهاد وفاء.المشهد حزين لأسرة بسيطة تسكن في منزل ايجار، والدها يعمل في حافلة لا يملكها .. وتقول والدتها نحن صابرين على كل المعاناة دي ، وكمان يموتوا أولادنا دا شيء صعب، وبدأت تدعو وتطلب من الله أن يحقق العدالة، ويرفع الظلم.

البحث عن أمكنة أسر الشهداء في المناطق الطرفية  لم يكن سهلاً في ظل غياب المعلومات الكافية ولكن .. سائق دكتور  مريم (وُود) كان له  الفضل الكبير في البحث وحفظ الوصف الدقيق لهذه الأمكنة فتحركنا إلى منزل الشهيد الصادق أبوزيد عزالدين في الاسكان مربع (6) بالكلاكلة حسب المعلومة الأولى ، ولكن بعد البحث الدقيق، اكتشفنا أن  منزل الشهيد في الاسكان مربع (5) ،وأسرته  من الأسر الكردفانية  .. الشهيد الصادق  من مواليد  شهرمايو 1996 أي لم يكمل عمره الـ(17)عاما، استشهد الجمعة 27سبتمبر.. في الساعة السادسة والنصف وصلنا منزل الشهيد علامات الصبر تبدو واضحة على والدته (حليمة بدوي)  والأشقاء والشقيقات إلا أن هناك غضباً عبرت عنه والدته  بإستنكار لما اسمته أسر الشهداء  (بصيد الأرواح) خاصة  منهم أطفال لم يتجاوزوا الـ(18) عاما ..  والده أبو زيد رجل مسن  رغم الحزن تراه متلفحاً بالصبر. حليمة والدته تحدثت بأسى  وهي تروي تفاصيل يوم الجمعة الذي استشهد فيه   وقالت : وفي هذا اليوم وقبل صلاة الجمعة  استغرق الصادق في نوم عميق خرج علينا بعد  الصلاة  وتساءل  ” وقت الصلاة جا” فكانت الأجابة من أخوته (أنت من زمن الناس صلوا).. وقالت خرج الصادق.. ولم أدر بأنه خرج قبل صلاة العصر.. إلا بعد أن جاء صديقه حسن وسأل عنه أكثر من مرة إلى درجة أدخلت فيّ الشك وقلت له: ياحسن أنت الحاصل شنو؟ وعيونك حمراء مالك؟  فرد قائلاً: ضربونا بالبمبان .. ولم يقل لها حقيقة أن الصادق  ضرب بالرصاص.. حتى وجد شقيقه حذاءه ممتلئاً بالدماء  وهنا أدركت الأسرة أن ابنها أصيب داخل الحي بالرصاص.. وذكرت الأسرة أن جارتهم حاولت ادخال الصادق إلى منزلها ولكنها تلقت التهديد من قبل الشرطة بأن”أدخلوا وأغلقي بابك قبل أن تلحقي به” نعم الصادق والدته حليمة تقول  : وجد حذاء الصادق  بالقرب من منزل الجيران  وصديقه حسن صعب عليه أن يخبر أهله واكتفى بالسؤال عليه من حين لآخر.  وتواصل والدته: ضربوه بالرصاص ومنعوا  جارتنا من انقاذه. ولذا فقد عمره بسبب النزيف لأن الضربة صادفت شريان الفخذ، وعندما وصلنا لمستشفى  الشرطة رفضوا استلا مه مع أن احد اخوته من القوات النظامية ، وخلص الاوكسجين وتوفي في مساء الجمعة.

جميعهم متحدون في الحزن والمعاناة ، جميعهم يبحثون عن العدل والانصاف، جميعهم يتنظرون منَّا الوفاء لدماء الشهداء، هناك بعض من الأسر سنستعرض إفاداتها في الحلقات المقبلة.