مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم يرتبط الله بالإنسان في مجال الفكر والفلسفة اللاهوتيّة، كون الإنسان هو الكائن المادّي الوحيد الذي يُناط به معرفة الله بالعقل وليس بمحض الوجود فحسب. لذا ارتبط الوعي بوجود ذات خالقة بالإنسان ووعيه منذ أقدم العصور. فقد عرفت الأساطير القديمة فكرة الإله الأكبر الذي يوجد في السّماء، فأطلقت عليه اسم «إله السّماوات».

وبما أنّ هذا المفهوم كان موغلاً ــ ولا يزال ــ في التّجريد، فقد استبدلته الأساطير بآلهة أصغر شاناً منه، تكاد تخالط البشر، بل منها ما كان ذا أصلٍ بشريّ، ثمّ تسامى نسبيّاً حتّى أصبح إلهاً. كما هناك آلهة يمرّ الزّمن على عبدتها فإذا هي تصبح نسياً منسيّاً، أو تتحوّل إلى بشر في الذّاكرة الشّعبيّة. كان للهمدانيّين الذين ورثوا عرش سبأ إله اسمه «تألب ريام» يعبدونه. ولكن عندما جاء الإسلام كانوا قد هجروا إلههم ليعبدوا صنماً آخر هو «يعوق»؛ فقد «… نسوا كلّ شيء عن الإله تألب ريام، نسوا أنّه كان إلهاً لهم، وأنّه كان معبودهم الخاصّ، إلاّ أنّهم لم ينسوا اسمه، إذ حوّلوه إلى إنسان، زعموا أنّه جدّ همدان، وأنّه هو الذي نَسَل الهمدانيّين، فهم كلّهم من نسل تألب ريام. ولم يكتف الهمدانيّون بتحويل إلههم إلى إنسان، حتّى جعلوا له أباً سمّوه ’شهران الملك‘، ثمّ زوّجوه من ’ترعة بنت يازل بن شراحيل بن سار بن أبي شرح يحضب بن الصّوار‏‘‏، وجعلوا له ولداً منهم ’يطاع‘ و’يارم‘« (جواد علي، 1993، مج 2: 354-5). وهكذا كان يتمّ تنزيل الإله من سماواته العلى، ليصبح شيئاً أقرب إلى السيوبرمان.

حتّى في القرآن، أشار بعض الباحثين إلى صورة الإله المستأنس عند الحديث عن الله؛ فللّه «… في القرآن ذات الصّفات النّمطيّة التي نجدها لدى كائن بشري. ففي بعض الأحيان يكون سعيداً مسروراً، وفي أخرى يكون حانقاً مغتاظاً. وهو يحبّ ويكره، ويمكن أن يُسترضى. وباختصار، فإنّ جميع المنازع التي نعرفها في طبيعتنا البشريّة الضّعيفة المُقلقلة، كالحبّ والغضب، الحقد، بل المكر والخداع، هي منازع يعيشها الكائن الأسمى ويختبرها» (علي الدّشتي، 2006: 236). ولنلاحظ استخدامه هنا للفظة «الكائن الأسمى»، كونه هنا لا يُشير إلى الذّات الإلهيّة المطلقة؛ فهو هنا يعني ذلك التّصوّر الإنساني للإله، أي صورة الإله المستأنس، أو المؤنسن. ولهذا يعقّب علي الدّشتي على كلامه هذا قائلاً: «بيد أنّنا حين نطرح وجود خالق للكون اللامتناهي وديّنٍ له، لا بدّ لنا أن نصدّق من وجهة نظر عقلانيّة أنّه مستثنى من مثل هذه العوارض. وبذلك يكون علينا أن نؤوّل ما ينسبه القرآن إلى الخالق من صفات متضاربة على أنّه تعبيرات عن مشاعر النّبي محمّد الإنسانيّة الخاصّة» (المرجع السّابق). من جانب آخر، لا نرى ضرورة في أن تكون هذه العوارض إسقاطات النّبي محمّد البشريّة على الذّات الإلهيّة؛ إذ يمكن أن تكون كلام الله عن نفسه في درجة من درجات تنزّلاته؛ فعلى حدّ قول الصّوفيّة، ليس في هذا الكون غير الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وجميعها كانت بسببه إذ سبقت عليها القدرة المتمثّة في كلمة «كُن». بهذا تكون غالبيّة الإشارات إلى الذّات الإلهيّة في القرآن أو في الحديث أو في أقوال عامّة النّاس من قبيل هذا.

في هذا المستوى من التّنزّل المادّي للذّات الإلهيّة من علياء تجريدها المطلق يلتبس الأمر، فيصبح الإله أشبه بإنسان متفوّق. تكتنف هذاه الوضعيّة جملة تناقضات جدليّة؛ فمن جانب، يصبح الإله قريباً من البشر قرباً مادّيّاً بحكم تنزّل الإحساس بوجوده إلى المستوى المادّي. بالطّبع تمثّلّ الأصنام أوضح مثالِ لهذه الوضعيّة، إلاّ أنّ هذه الوضعيّة تلازم الذّات الإلهيّة في درجة أعلى من هذه التّنزّلات بما في ذلك درجات عليا من التّوحيد. ذلك كأن يتمّ التّحدّث عن، وبالتّالي التّفكّر في، الذّات الإلهيّة كما لو كانت تعود إلى شخص ماثل بين النّاس ولو كان غير موجود في السّياق المتعيّن. وهذا هو الجانب الآخر من تناقضات الوضعيّة، كون الذّات الإلهيّة، مع الإحساس المكثّف بوجودها المادّي، تكون غائبة على الدّوام. في هذا المستوى ذي الحضور والغياب يصبح الحديث عن الذّات الإلهيّة كما لو كانت عن الملك الباطش المتجبّر؛ فهو غائب في قصره لا تراه الأعين، بينما تطول يده الجميع. إلى هذا المستوى من الوعي بالذّات الإلهيّة تعود جميع الإشارات الاسميّة إليها، أكان ذلك في القرآن أم في السّنّة، أم في عموم حديث النّاس.

يكون تجاوز هذا الوعي بالذّات الإلهيّة الملتبس بالمادّة عبر المزيد من  التّجريد من جانب، ثمّ التّجسيد من جانب آخر. يتعلّق جانب التّجريد بإدراك استحالة الإحاطة بالذّات الإلهيّة عبر منطوق اسمها (الله)؛ بينما يكون التّجسيد عبر الاستعاضة عنها بالإشارة إلى الإنسان في كونه ضميراً. وهذا هو مناط الجدليّة في العلاقة بين الله والإنسان. فقول النّبيّ «إنّ الله يُحبّ إذا عمِل أحدُكم عملاً أن يُتقنه» هو لمن لزم درجة تنزّل الذّات الإلهيّة المادّي؛ بينما تجاوز هذا المستوى يتمّ بحثّ الضّمير داخل الإنسان، كأن تقول: ‏«‏لا يزكو ضمير المرء في حال عمِل عملاً إلاّ إذا أتقنه‏»‏. فهنا يتمّ استثارة الضّمير، أي مناط تلمّس الوعي بالذّات الإلهيّة.

في الحقِّ، كلّما أوغلنا في ماضي البشريّة النّسبيّ، كلّما تأنسن الإله. بيد أنّ مفهوم الإله ظلّ منذ لحظتئذٍ يصعد في مدارج التّجريد، حتّى إذا أهلّ عصر الدّيانات التّجريديّة (ولنمثّل لها بتلك السّماويّة الثّلاث، اليهوديّة، المسيحيّة والإسلام)، عاد مفهوم الإله إلى حالته الأولى من حيث التّجريد، فأصبح شيئاً ربّما يفوق مفهوم إله السّموات الذي عرفه الإنسان القديم، فجسّدته أساطيرُه (كارين آرمسترونق، 1993: 9-11). كانت فكرة اللامرئي مسيطرة على مِخْيَلة الإنسان القديم بدرجة تكاد تشكّل له هاجساً. وقد ربط هذه القوى غير المرئيّة بعناصر الطّبيعة وظواهرها، مثل الرّياح، العواصف، والمطر، ثمّ النّجوم، الشّمس، والقمر، والأنهار والبحار، ثمّ الأشجار … إلخ. من هذه الهواجس والمخاوف عمد الإنسان القديم إلى تجسيم هذه القوى اللامرئيّة في شكل شخصيّات بشريّة. وقد كان دافعه في هذا استئناس هذه القوى، ومن ثمّ التّغلّب على مخاوفه الكامنة في ذاته من لغز الحياة. في كلّ هذا لم يكن الإنسان يبحث عن تفسير معقول لهذه الظّواهر الطّبيعيّة بقدر ما كان يبحث عن تفسير للغز الحياة في كلّيّاته. ولهذا ما إن تطوّرت الحياةُ وشرع الإنسان في إحكام سيطرته على الطّبيعة، حتّى تجلّى ذلك في نظرته وفكرته للإله؛ فمع اكتشاف الزّراعة في العصور الحجريّة، تبلور مفهوم الإلهة الأم التي تمنح الخصب والحياة. وقد ظهرت هذه العبادة في العديد من ثقافات تلك العصور وبمختلف الأسماء (المرجع السّابق). في كلّ ذلك استعصت فكرة الله الذي لا يُحيط به شيء ولا سبيل إلى التماسه بالحواس على ذلك الإنسان، ولهذا عمد إلى إسقاط الصّفات البشريّة على آلهته. وهكذا ظهرت لنا الآلهة التي يزعم البعض بأنّهم تناسلوا منها؛ فكما ذكرنا، كانت بعض الشّعوب والقبائل القديمة تنظر إلى إله بعينه بوصفه أباهم الذي تحدّروا منه. بالطّبع كانت هناك مسافة طويلة توجّب على هذا المفهوم أن يقطعها قبل أن يصل إلى مستوى التّجريد الأسمى. فمثلاً في تلك المرحلة انحصرت الآلهة في بلاد ما بين الرّافدين في ثلاثة فقط، أحدهم (آبسو) اختصّ بالمياه العذبة، واختصّت زوجتُه (تيامات) بالمياه المالحة، ثمّ اختصّ الثّالث (مومّو) بالرّحِم. بعد ذلك شرعت فكرة الله تنبثق من خلال هذه التّعدّديّة استشرافاً لمفهوم الله الواحد المتجرّد من المادّة، والمتحكّم في جميع المصائر. فقد تناسل الآلهة في حلقة تطوّريّة، فبرز أوّلاً «لحْمو»، ليعقبه «لحمان» (ويرتبطان بالملوحة والخصب)، ليعقبهما أنشار ثمّ كيشار (ويرتبطان بالبحار والسّماء)، ثمّ ظهرت الإلهة «آنو» مرتبطةً بالسّماء، ثمّ الإله «إيا» الذي ارتبط بالأرض. وهكذا أصبح لدينا السّماء، والأنهار، والأرض، بوصفها وحدات منفصلة عن بعضها البعض. ثمّ حدث صراع بين جيل الآلهة الآباء وجيل الآلهة الأبناء، حيث انتصر «إيا» على «آبسو» و‏«‏مومّو»، دون أن يتمكّن من إخضاع «تيامات»، إلى أن تمّ التّغلّب على الأخير بفضل ابنها المتفرّد «مردوخ»، (إله الشّمس). وقف مردوخ فوق جثّة تيامات الضّخمة وقرّر أن يصنع عالماً جديداً، مقسّماً جسدها لجزئين، مشكّلاً من أحدهما قوس قبّة السّماء ومن الآخر عالم الإنسان؛ بعد هذا قرّر أن يضع القوانين بما يحفظ النّظام ويحول دون الفوضى. وبما أنّ النّصر على قوى الفوضى والشّرّ لم يكن كاملاً، قرّر أن يضع شعائر تعبّديّة تُكرّر عاماً بعد عام. عند هذا اجتمع مع باقي الآلهة في مدينة بابل، مركز الكون، حيث اتّفقوا على أن يبنوا معبداً كتجسيد للسّموات غير المحدودة. وبالفعل بُني المعبد حيث استوى مردوخ في كرسيِّه الذي وُضع في قمّة المعبد. ومنذ تلك اللحظة سوف تتعهّد الأديان حياة النّاس بالرّعاية خشية الانتكاس إلى الفوضى، كما سترتبط بعمليّة الخلق والإبداع، أي صنع الحياة، وكانت هذه العمليّة في جوهرها يُنظر إليها على أنّها عمل إلهي وقدسي. ولهذا لا نزال نستخدم لفظة «الخلق» لدى إشارتنا إلى أيّ عمل إبداعي. حتّى تلك اللحظة لم يكن الإنسان في حاجّة إلى وحي يأتيه من السّماء طالما كانت الأديان رهينة الواقع المعاش.

ثمّ قليلاً، قليلاً أخذت الآلهة تتجلّى للإنسان من خلال اللحظات التي يختلط فيها الواقع بالوهم، أي في الأحلام. وكان ذلك مبتدأ ما سيُعرف لاحقاً بالوحي والتّجلّي Epiphany . فمثلاً في الأساطير اليونانيّة «كانت الآلهة (ذكوراً وإناثاً) تظهر للإغريقيّين والطّرواديّين في شكل أحلام، ذلك عندما تصل الحدود بين الإنسي والقدسي إلى درجاتها الدّنيا. ففي نهاية الإلياذة، يهتدي بريام إلى سفن الإغريق بفضل شاب مسحور يكشف عن شخصيّته على أنّه [الإله] هيرميس» (المرجع نفسه: 22). وقد كانت هذه التّجلّيّات تعكس المنظور الكلّي لتلك الدّيانات الوثنيّة، ذلك عندما تنعدم، أو تكاد، الفوارق بين الإنسان والطّبيعة من جانب، وبين الآلهة من جانب آخر. في كلّ هذه المسيرة الطّويلة، تميّزت الأديان بروحها العمليّة pragmatic، فقد كانت تخضع باستمرار للتّحوير والتّعديل، ولا غرو. كما تقول كارين آرمسترونق، فإنّ هذه الرّوح العمليّة كانت دائماً السّمة المميزّة لتطوّر فكرة «الله» العليّ المتجرّد بحسبانها معقولاً بشريّاً. فالنّاس كانوا يعمدون لاطّراح أيّ جانب في الفكرة لا يستقيم ودلالاته العمليّة في حياتهم اليوميّة (نفسه: 25).

من كلّ هذا تبلور وعي الإنسان بوجود الذّات الإلهيّة في بعدها المجرّد، لكن ليس بشفافيّة مكتملة ومستمرّة؛ فقد ظلّت النّزعات التّجسيديّة للإله ملتبسة بالفهم البشري التّجريدي باستمرار، اللهمّ إلاّ في حالات الهداية الاستثنائيّة. وهذا ما يجعل من فكرة الإله تعيش ديناميكيّتها وحيويّتها، إذ تخضع لتأرجح جدلي بين التّجسيد من جانب والتّجريد من الجانب الآخر إلى يومنا هذا وإلى يوم أن يرث اللهُ الأرض وما عليها. وقد سُوّدت صحائف بعمر التّاريخ في سبيل استجلاء نظرة عميقة وبسيطة لوجود الذّات الإلهيّة؛ كما لا تزال البشريّة في نفس حاجتها بالضّرورة، ذلك كيما تحقّق قدراً أكبر من تمدّد وتوسّع فهمها للذّات الإلهيّة. لهذا يكون الغوص في تلافيف النّظريّات الفلسفيّة، بدءاً بفلسفة أفلاطون وأرسطو في هذا الشّأن، بغرض الإحاطة. لكن، من جانب آخر، هل تمكّنت هذه الدّراسات الممتدّة بعمر التّاريخ أن تصل إلى فهم متّفق عليه حول مفهوم الذّات الإلهيّة؟ بالطّبع لا يمكن الزّعم بأنّ هذا الموضوع قد قُتل بحثاً. وليس ما نقوم به إلاّ شيئاً من هذا القبيل. إلاّ أنّه مع تقدّم العلم، بما في ذلك ما رفد به هؤلاء الفلاسفة العظام، قد لعب دوره في تقريب الأفهام لمعرفة الذّات الإلهيّة والوعي بوجودها. وهذا ما شرحه محمّد عبده بكلمات مختصرة وواضحة قال فيها: «كلّما ارتقى الإنسان في العلم، لطُف وجدانُه بالفهم، ونفذ عقلُه في أسرار الكون، وتمزّقت دون روحِه حُجُبُ المادّة، وانجلى له الوجودُ الأعلى على تفاوت كذلك في درجات الظّهور والانجلاء، تنتهي إلى الاعتقاد بوجود واحد واجب يستحيل عليه أن يلبس لباس المادّة … لأنّ ما لا حدّ له محالٌ أن تُحيط بوجوده الحدود» (محمّد عبده، 1983: 78).

والأمر كهذا، سوف نتّبع في هذا الشّأن خطّاً وسطاً تحتمله دراستُنا، يقوم على الإشارة لمفاصل الحوار والاحتجاج ممّا أخذنا به. تحدّث أفلاطون في كتابه الجمهوريّة (آلن، 2006) عن الموجود بمحض الوجود، ولا يعني بالموجود الذي أوجده آخر، بل الذي تعيّن وجودُه بمحض الوجود. وهذا عندنا الذّات الإلهيّة. كما تحدّث أرسطو (1949) عن لا ابتدائيّة ولا نهائيّة الزّمان، أي المطلق؛ ثمّ تحدّث عن المحرّك الأوّل الذي لا يحتاج إلى ما يحرّكه ابتداءً؛ كما تحدّث عن العقل الفاعل والعقل المنفعل، ممّيزاً بينهما بحيث يمكن إطلاق الأوّل وتقييد الثّاني؛ فالأوّل لا يَستدِلّ على وجوده بالمعقولات، بينما يمكن أن يُستدلّ بها عليه. وعلى هذا يمكن أن نأخذ الأوّل على أنّه وصفٌ ينطبق على الذّات الإلهيّة، بينما ينطبق الثّاني على الإنسان (أو المخلوقات إجمالاً). ويصبح أرسطو أكثر تحديداً عندما يصف العمليّة التي بها انبثق العقل بأنّها قامت على الفعل والقوّة، أي ما يصفه اللاهوتيّون الإسلاميّون بالقدرة، وبذلك كان الوجود. بل يذهب إلى إمكانيّة تكامل عناصر العقلين فيما تبلور لاحقاً في مفهوم وحدة الوجود. وقد أتى بعد ذلك فلاسفة عظام، طوّروا الفلسفة اللاهوتيّة المتعلّقة بالوجود ontology؛ منهم من سار على خطى أرسطو، مثل أبي إسحاق الكندي، الفارابي، وابن سينا، ثمّ ابن باجة، وابن رشد في الجانب الإسلامي، ليتبعهم بعد ذلك ابن عربي موطّناً من المفهوم إسلاميّاً؛ كما لا يمكن فصل التّجربة الإشراقيّة، كما أُثرت عن السّهروردي وقطب الدّين الشّيرازي، عن رصيفتها الصّوفيّة وفقما تجلّت مجتمعةً عند جلال الدّين الرّومي وعمر الخيّام وغيرهم، ممّن أخذوا عن أفلوطين بطريقٍ مباشر أو غير مباشر. أمّا في الجانب الغربي المسيحي اليهودي فهناك عدد لا يمكن حصره من الفلاسفة الذين ساروا على هذا الدّرب، نذكر منهم على سبيل المثال إسبينوزا وهايدغر وآخرين كثراً.

إذن نلخّص المسألة فيما هو متّفق بقولنا إنّ الله هو المطلق في كلّ شيء، متجلّياً بالقدرة، منتجة الفعل. ولذا عجز الإنسان، وسوف يعجز، عن الإحاطة به لكون الإنسان محدوداً. وعلةّ عبوديّة الإنسان لله هي محدوديّته التي يسعى للفكاك منها انطلاقاً نحو المطلق، أي الله، وهذا هو عين العبوديّة وعين الاحتياج الإنساني لعبادة الله. فالله لا يحتاج لهذه العبادة، ومناط احتياج الإنسان لها كونه مستعبداً بمحض كونه التّشيّؤَ المحدود لهذه الذّات. وما ارتفاق المحدود بالمطلق إلاّ الهدف الأسمى للوجود، وعلى رأسه الإنسان الذي ليس سوى طبعة إلهيّة مصغّرة كونه مخلوقاً على صورة الله (أي على صفاته ولكن في حيّز المحدود). ولهذا أمكن للإنسان أن يدرك إطلاقيّة الله في معنى إدراك جهله بما عليه المطلق. ولهذا أيضاً يحدوه شوق دائم للارتفاق بهذا المطلق، ولكن هيهات في حياته ذلك، إلاّ أن يُصطفى. في معنى هذا، ورد عن الغزالي في إحياء علوم الدّين الحديث القدسي الذي يقول فيه الله: «ما وسعتني أرضي ولا سمائي، بل وسعني قلبُ عبدي المؤمن». ولذا يقول الله في القرآن: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: 16]. ومنتهى مسعى الإنسان هو ملاقاة الله ﴿يا أيّها الإنسانُ إنّك كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: 6]. وفي الحقِّ، هذا هو مسعى الوجود المادّي نفسُه، من حيث سعيه الدّؤوب للانحلال من ربقة المادّة استشرافاً لشفافيّة الرّوح؛ انظر إلى الآية: ﴿يُسبِّحُ لله ما في السّموات والأرض له الملكُ وله الحمدُ﴾ [التّغابن: 1]؛ ﴿وله من في السّموات والأرض، كلٌّ له قانتون﴾ [الرّوم: 26]. هذه درجة في العبوديّة تتحقّق بمحض الوجود، إذ لا محيص أمام الوجود غير التّسبيح، أي غير عبادة الله راغبةً فيه أو عنه. والإنسان يقع ضمن كلّ هذا، ولكن يأتي تفوّقُه من كونه عاقلاً، أي عالماً، أي قادراً على استكناه هذه العمليّة المعراجيّة من الجسد إلى الرّوح بعقله وروحه، أي قادراً على التّجريد.

لا يمكن للإنسان أن يستشرف معراجه نحو الذّات إلاّ عبر التّوحيد؛ وما التّوحيد إلاّ حالة من الوعي يتّحد فيها وعيه المباشر مع وعيه غير المباشر، أي الاتّحاد بين الذّاتي والموضوعي، وهو، تحقيقاً، ما يسمّيه أهل الصّوفيّة بالجمع بين الشّريعة والحقيقة، حيث تعني الأولى الأرض وقوانينها العِلمانيّة، بينما تعني الثّانية ما وراء ذلك من وعي شفّاف، أكان متحصّلاً في الدّنيا أو بعد الممات. في هذه المرحلة من الوعي التّوحيدي ينكشف القديم، حيث تتهتّك ستور الحوادث؛ والقدم هنا هو ذلك الوجود اللامتناهي زماناً ومكاناً، بهما تنتفي عنه الزّمانيّة والمكانيّة. وبدءُ هذا الوجود ممّا يلينا هو وجودُنا المادّي الذي لا يعدو كونه مجرّد ذرّة في غبار السّديم. في تصوير هذا الصّغار الكوني يقول محمود الشّبستري المتوفّي في 1320م في شعره بالفارسيّة (علي الدّشتي، 2006: 225):

بقرب هذه القباب التّسع اللامعة،

الأرضُ كبذرة خشخاشٍ عائمة على المحيط.

وحين ترى إلى مقدارك بإزاء هذه البذرة،

لا بدّ أن تضحك على لحيتِك.

فإذا أرفقت بوعيك بهذا الصّغار فكرة اللامنتهى infinity، زماناً ومكاناً، لتُضيف إلى هذا أنّ الذّات هي أقدم من كلّ ذلك طالما احتدّ وعيُك بالزّمان والمكان، ربّما أمكنك تصوّر جهلك واستعصاء إحاطتك بجهلك بها، دع عنك إحاطتك بوجودها. وبحسب قول الجُنيد (أبو القاسم عبد الكريم القُشيري، 2001: 11): «التّوحيد هو إفرادٌ للقِدَم من الحَدَث»، فالواحد، بحسب ما قال به أبو بكر الشّبلي، هو «… المعروف قبل الحدود وقبل الحروف» (المرجع السّابق: 12). وقال الجنيد في موقف آخر عندما سُئل عن التّوحيد: «إفرادُ الموحَّد بتحقيق وحدانيّته بكمال أحديّته: أنّه الواحد، الذي لم يلد، ولم يولد؛ بنفي الأضداد، والأنداد، والأشباه، بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيْيءٌ وَهُوَ السّميعُ البَصيرُ﴾ [الشّورى: 11]» (المرجع نفسه). وقال الحُسين بن منصور الحلاّج في صفة الذّات من حيث التّوحيد: «ألزِم الكلَّ الحدَث، لأنّ القِدَمَ له؛ فالذي بالجسمِ ظهورُه، فالعرضُ يلزمه؛ والذي بالأداةِ اجتماعُه، فقواها تُمسكُه؛ والذي يؤلِّفُه وقت، يُفرّقُه وقت؛ والذي يُقيمُه غيرُه، فالضّرورة تمسُّه؛ والذي الوهمُ يظفر به، فالتّصويرُ يرتقي إليه؛ ومن آواه محلٌّ، أدركه أينٌ؛ ومن كان له جنسٌ، طالبه مُكيِّف» (نفسه: 13).

على هذا نخلص إلى أنّ التّوحيد هو معرفة الله، ولكنّها معرفة غير محيطة ولا تامّة كون الإنسان هو العارف بها، هذا وإن كانت تتحقّق في اليقين. إنّه أشبه بالذي نظر إلى البحر المحيط؛ فهو قد نظر إليه دون أن يحيط لا بعمقه ولا بأسراره، ولو أبحر فيه. ومن هذا الدّرجات التي يرتقيها الإنسان لتكون بالملاقاة، ملاقاة الإنسان لربِّه: ﴿يا أيُّها الإنسان إنّك كادحٌ إلى ربِّك كدحاً فملاقيه﴾ [الانشقاق: 6]. ولا مجال لهذه الإحاطة إلاّ بأن يكون ذلك شهوداً، وهذه مرحلة أرقى من الملاقاة، بها يكون الاتّحاد مع الذّات، فلا يكون عندها حادثاً إذ لفّه سديم الأحديّة القديم، فهو إمّا لم يعد ذاك، أو لم يرتفق بعد وهيهات؛ ولا مجال لوعيه بهذا، بوصفه مخلوقاً حادثاً، وإلاّ وقع التّحديد وانتفى التّوحيد.

وهكذا نرى أنّنا في حلقة مفرغة من العلم بالشّيء من حيث الجهل به، ولا سبيل إلى انفصامها طالما كنّا نستخدم المحدود (اللغة القاموسيّة، أي المباشرة) في سبيل الإحاطة بوجود الذّات الإلهيّة. ولهذا احتاج الإنسان إلى تطويع اللغة المحدودة، فكان النّصّ الدّيني في مقابل النّصّ التّاريخي (لمزيد من التّفصيل حول هذا، راجع القسم الخاصّ بالقرآن أدناه).

يمكن للإنسان أن يرتفق بالذّات في حالات خاصّة في حياته، ذلك إذا ما تحقّقت له درجة غير معقولة من الشّفافيّة استطاع معها أن يلاقي الله وهو لا يزال يلبس مادّة الجسد. هؤلاء هم أولياء الله، ولهذا لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون. أمّا باقي البشريّة فمقدّرٌ لها أن تسير في طريق القوم المفضي إلى ملاقاة الله إن طوعاً أو كرهاً، ذلك عندما يتحرّر الإنسان من رِبقة الجسد، أي بعد الممات. بهذا يكون الموت في تصوّراته الدّنيويّة فناءً للشّخص، بينما هو في الحقيقة بقاءٌ في الحقّ وبالحقّ، أو كما قال الحلاّج:

اقتلوني يا ثُقاتي ** إنّ في قتلي حياتي

ومماتي في حياتي ** وحياتي في مماتي

وجاء عنه أيضاً في وصف الإنسان من حيث جوهره الرّوحاني النّوراني وجسده المادّي وعلاقة كلّ ذلك بمرحلة ما بعد الممات وعودته إلى ربِّه (قاسم محمّد عبّاس، 2002: 322-3):

هيكليُّ الجسمِ نوريُّ الصّميمْ ** صمديُّ الرّوحِ ديّانٌ عليمْ

عــاد بالــرّوحِ إلــى أربــابِـها ** فبقَى الهيكلُ في التّرْبِ رميمْ

وفي هذا قال عثمان المغربي وقد سئل عن الخلق: «قوالبُ وأشباحٌ تجري عليهم أحكام القدرة» (القُشيري: 2001: 15). وقال الواسطي: «لمّا كانت الأرواح والأجساد قامتا بالله، وظهرتا به، لا بذواتها، كذلك قامت الخطرات والحركات بالله، لا بذواتها، إذ الحركات والخطرات فروع الأجساد والأرواح. صرّح بهذا الكلام أنّ أكساب العباد مخلوقة لله تعالى، وكما أنّه لا خالق للجواهر إلاّ الله، فكذلك لا خالق للأعراض إلاّ الله» (المرجع السّابق). ولهذا ما إن يتحرّر الإنسان من ربقة الجسد بعد الممات إلاّ ويدخل في طريق القوم، أي طريق السّائرين إلى الله. وفي الحقِّ ما من سبيل إلاّ وكانت قاصدةً في طريقها إلى الله. فجميعُ الطّرق تؤدّي إلى روما. ولكن هناك طريقاً لا تعتورها عقبات وصروف الحياة غير الدّائمة، أي المتغيّرة. فالطّريق إلى الله بعد الموت ليس سوى دفع لفاتورة الابتعاد عنه طيلة الحياة الحادثة، ذلك في سبيل الارتفاق بالله في الحياة القديمة (لمزيد من التّفصيل، يرجى مراجعة القسم الخاصّ بالآخرة أدناه).