السيد/ مصطفى سعيد المحترم دومة ود حامد/ ص ب: 424 المديرية الشمالية يجده بخير وصحة  بسم الله الرحمن الرحيم التاريخ 27/2/2009م عزيزي مصطفى سعيد،.. المحترم،،،  

تحية طيبة، مباركة..

البركة فيكم، في موت خالقك، إلهك، (لا أقصد طبعا محكاة نتشه، مطلقا)، فماذا يعني الطيب صالح بالنسبة لك؟ ولكن المقام مقام عزاء،   فتقبل عميق حزني عليه، ودعواتي له بالفرودس الأبدي، فقد خصب الفؤاد بمسرات لا يطالها محو، ولايقصيها دهر، وجعلنا نعيش وهم الخيال، كواقع حي، نتعرق من شمس حروفه، ونتغزل ببدر يراعه العبقري، الأصيل..

لا أكذب عليك، وأنا أخط هذا العزاء الصادق، تحيرت، أكثر من نصف ساعة، وأنا اقطب جبيني، واقلب طرفي، بمن أعنون الرسالة؟، بك، أم الزين، أم الحنين، أو حواء بت العريبي، أم ضو البيت، وبسرعة مسحت الزين من خاطري، فهو درويش، وأمي، ولو وصلته رسالتي هذه، عند البئر، وهو يقمز هذه، ويقرص تلك،  لمزقها كقطع نتف صغير، مثل زجاج متهشم، ورماها في الهواء، فترقص كحمام أبيض مخلوع، من رشق طفل، أو حشرها في فمه “الشروم” وبلعها كحبة أسبرو، ثم يسدر في غيه!!..

كما أني احس بالعجز، في تصور “تصوركم للموت”، واجسادكم مما خلقت؟ من مادة الحلم!!، والتذكر!!، والتخييل!!، وهل عندكم كائن اسمه “الموت!! ويهزكم هزا؟”، لا أظن، فدون كيشوت لا يزال يعيش، كماهو، خرفا، هاذي، يسخر من المسرحية الطويلة، المملة، التي تسمى (الحياة)، ويهزها، كالسعن، كي يمخض منها زبدا، وسمنا، وقد مات سرفانتيس، وشبع موتاً، عجبي، مات الخالق، وخلد المخلوق، ألهذا قتل نيتشه “ربه” ربما، ألهذا تضمر المرأة “خلق الرجل” في رحمها، وتشئ بسر خفي”، ألا تحس بذلك في نظرات النساء، رغم قهرهن الماثل؟.. فالخالق يتوارى، دوما، حتى يتيح حجة الإنكار، لمن ينكره، أليس هذا هو الشعر نفسه، بل “ذاته”..

ألا تموت الشخوص الروائية، خالدة، يفنى كاتبها، وتظل هي، عجبى،  ويظل دون كيشوت، هكذا، سالاً سيفه الخشبي، يحارب طواحين الهواء، ويركع للعاهرات بقدسية خاشعة، لسر الحزن ومضض الغريزة، بل قد يعثر، في أحدى معاركة الفاضلة على قبر سرفانتس، خالقه، ويقرأ شاهد القبر، ويدعو له بالمغفرة، فما أعظم سوريالية الحياة!!..

كما أهلمت الحنين، لأنه غريب، ويفهم كلماتنا ويتمثلها في قلبه بصورة مغايرة، فالموت عنده قد يكون مختلفا، ميلاد ثاني، وهو يرى الطيب الآن، أوضح من الأمس، بل يتسامرون، ويثملون برحيق الذكرى، وماض  الحياة الدنيا، فقد أحيا الحنين، سيف الدين من الموت، أو قل أرانا ميتا، فقد قتله الزين، هناك مكر، كما مكر عيسى بعاذر، وأرآنا الموتى، “من سره أن ينظر إلى ميت”، فلينظر إلى سيف الدين)، كما اوشكت ان ارسلها لحواء بت العريبي، فهي محبوبته، وسكب في وصفها، وحال قلبها، حاله، ولكن شعرت بأنها ستكون في حزن عميق، ومشغولة في صيوان العزاء، فصرفت ذهني عنها، وشاء القدر أن ارسله لك، رغم علمي بأن مصيرك مجهول بين الهروب والانتحار والغرق، ولكن لا يهم، فأنت حي بصورة من الصورة، وقد كتب عليك الخلود، كسيزيف، ولكن صخرتك هي “الاغتراب”، الاغتراب عن كل البيئات الشرقية، والغربية، بل والذاتية، ككرة المطاط، التي لا تبتل، ولا تثبت على حال، كما وصفك الطيب، خالقك..

أتمنى أن لا تقرأ عزائي هذا، ببرودك المعروف (لا دموع، ولا قبل ولا ضوضاء)، هكذا ودعت امك، وانت وحيدها، في سفرتك المشأومة للقاهرة، ولندن، هل سمعت “بالذكاء العاطفي”، يدرس الآن، فقد حرمت منه، وكان عقلك (مثل مدية حادة، باردة).. فالميت ليس أمك، ولكن خالقك، ونعمة الذكاء العاطفي، تعجلك تحس بنبض قلوب الضفادع في أي حفرة عكرة بماء المطر، ناهيك عن قلوب بني آدم، ومشاعرهم النبيلة…

هل أعرف لك الموت؟  (أن لا تمتد يدك لكأس الخمر)، هكذا عرفة ابي انواس، وهو تعريف حكيم، وشاعري، ولكن من يجروء على وصفه كما هو، فمن يختفي وراءه سياجه العظيم، قد يرى الموت جميلا، وقد تمتد يده لأكثر من كأس، كل التأويلات مباحة، ومتاحة..

وأعماركم، هل تظل ثابتة، ساكنة، كجبل البركل، (مثل السيد الخضر، وطفل الطبل والصفيح لجونتر غراس، أم مثل الطلفة “مومو”، في قصة الاطفال الشهيرة، والتي ظلت طفلة رغم أنف “السنين والعلة” أم لا تكف عن الجريان، وبتهور كالنيل الأزرق، أم تجري بهدوء، المتأمل كالنيل الابيض، أم تصيبهم نشوة الاحتضان، كنهر النيل، فعمرك لا زال، كما هو شابا، رغم ميلادك في القرن التاسع عشر، (الزينين الشايب جلبولو شبابو) فأنت من مواليد 16 أغسطس 1898م، بمدينة الخرطوم، شهدت ولادتك انحسار الترك، وبزوغ الانجليز، خصمك اللدود، يعني عمرك الآن 111 عام!!.

البركة فيك، وفي الزين، وأخوتكم كلهم، حتى العزيزة، الفاضلة حواء بت العريبي، ومسعود، والطاهر، والعصابة، ومحجوب، ونعمة المحزونة دوما، هل أقول لك سر؟ لقد أحسست بمتعة الطيب صالح وهو يخلقكم، متعة الخلق، المرآة؟ التي يرى فيها الخالق نفسه، “هو” أنتم، أتصدقني؟. فشكر الصنعة، شكر الصانع،….

كما احترت في الميت، بالنسبة لك أنت يامصطفى سعيد،ولكني محتار حقا، وليس مجازا،، فهو ليس ابوك، ولا أمك..أأعزيك في موت خالقك،!!؟؟

أنا لست نيتشه، والذي ملء من ترهات العقل الغيبي، وترك للعقل (تصور)، أن يحكي معرفته، ويؤمن بها كخلاص  أخير (ياله من حي بن يقظان في أول أمرة)، حيث جعل (الحس)، مصدر المعرفة، في جزيرته تلك، (الحس فقط)، تصور !! مريض ملاريا، عرضت عليه تفاحة”، سيتقيأها مثل طفل “حفنة تمر”، من مراراتها، الحس؟ فقط؟ ما أكثر العيون التي نرى بها الواقع، الواقع الذكي جدا، جدا….

تصور، أني أعزيك، في موت إلهك، من خلقك من العدم، وحمل بك كأرحام الأمهات، وسقاك وغذاك بحبل سري من المعاناة، وتقليب الطرف، والنشوة، والثمالة، فكنت كما كنت، رجل فاقد الهدف، ريشة في مهب الريح، رياح الغير، ورياح ذاتك الغائبة، خلقك بلا حول منك، أو قوى، بل لو لا خاطره، لما كانت لك وجود على الإطلاق، أحس بمعاناتك الآن، لو قدر أن ذلك الخاطر لم يمر بذهن الطيب صالح، أحس بهوانك،وغموض إيجادك!! أحس بك، فنحن في الأحزان شرق..

كيف أعزيك، فالميت ليس ابوك، ولا اخوك، ولا حتى أمك، ولا حتى الحنين، الحاضر الغائب، ولا الزين الدرويش، اخوانك في الرضاعة، أو الأنسانية..

بل ربك.. أيموت الإله؟..من حفرة حفرة لأخيه وقع فيها..قتلك، أو أنتحرت، او مت، فأي مصير كان لك، اختاره هو، وانت رغم تبجحك، وقتلك للنساء، وشطارتك المنقطعة النظير، لم تكن سوى بوق ينفخك هو، بلحن شجي، أو عذب، وهاهو يموت، مثلك،..إلهك يموت يامصطفى سعيد، فماذا انت فاعل الآن..أتحس بأنك انت الثلج، وهو الماء فيها…روحان حللنا بدنا.. فتموت بموته، لأنك مجرد علم (في ذهنه)، مجرد نشوة في قلبه، مجرد وقائع في ذاكرته..

أم لك وجود بدونه، على أي شئ تقوم قيومتك، بك؟، أم به؟(موت الإله)، ليس عنوان نتشه، ولكنه موت خالقك، يوم الأربعاء…

أيموت الإله؟ بلى.. بلى..وإلا لما مات خالقك، ودفن كبذرة نخلة في تراب (البكري).. فالإله،  يظهر في تصورات تختلف من ذهن لآخر، ويتسمى بعشرات الأسماء، إله، god، كرشنا، ولي، .. ولكن أيموت، أم يغيب عن الحواس فقط، ويتوارى عن الإحاطة، كما يغيب خيط البخور في أعالي السماء، وكما تغيب الحمامة وهي تحلق بعيدا عن العين، والحواس، الحقيقة الأزلية، ماكرة، أجمل مكر، في خفاءها، وظهورها..

البركة فيكم، في ربك الميت “الطيب”، ألم يقتل كانط، وصحبة فكرة الغيب، وإله خالق، وعقل مقدس يرعى الكون، كما يرعى الراعي الحنون الحكيم خرافه، ويقودها من حقل لآخر، ويجز شعرها، ويتغنى بفضائلها، ويتمتع بشم صوفها، ويحن لها حين تغيب، مات ذلك الإله في بعض العقول، وهو حي، ما أعصى البرازخ في عالم اللانهاية، من حيث الفكر، ومن حيث المسافة، لاختام للمكان، ولا للزمان، فمابلك بما ورائهما، أتتعذب مثلنا في فهم نفسك، وخالقك؟ أتعرفه؟ أتعرف خالقك، الطيب صالح، واسترقيت السمع لصوته الفخيم، القوي، وجرس اللغة يخرج من لسانه ساحرا، أم تصورته، كعادة العقول، اشتر، مفارق، بين غبينة (الواقع، وتصوره)، يالها، من آفة للوعي، يالها من آفة سرمدية،…

وأنت، أهارب، أم منتحر، أم ميت، من نسأل عن مصيرك، وقاد غاب خالقك، أتظل لغز، (كالحياة)، هي لا شى، نكته مثلها، كما يقول (الرواي/وأنت).

قد نسأل الرواي، (عنك، عن مصيرك الآن” ولكن من يعرفه، لا أسم له، (أي الرواي) وظل يتوارى، كما يتوارى الفناء  امام البقاء، والبقاء أمام الفناء، هل نؤكل الأمر إلى نكير ومنكر، (كي يسألوا الطيب صالح عن مصيرك)، فهم لهم القدرة على سؤاله، ولكن كيف الوصول إليهم، فهم أشد غموض منه، ومن الرواي، ومنك.. هل يظل مصيرك مجهولا، أن انتحرت، فسيعد النقاد نبش “موسم الهجرة”، وسيقولون فيك ما لم يقله مالك في الخمر، وإن هربت، كعادتك، فتلك هي الحدوتة، التي سكنت قلب الطيب “خالقك”، الاغتراب النفسي “كرة المطاط” كما قال”، و”الجثة”، التي لا يهمها ما يقوله الفاضي، والمحامون..

ولكن البركة فيكم، وأنت سوف تظل حيا، أبديا، وأعجب لموت خالق، وبقاء العبد، بقاء المخلوق، أي سوريالية هذه، يضمرها العمل الأدبي الأصيل!.

ولكن، أهناك موت، كل الانبياء يتحدثون مع المقابر، وكأنها عالم آخر قائم بذاته، المسيح، وبوذا ومحمد، كلهم أجعين، تحدثوا مع سكاني المقابر، كما تتحدث مع أمرأة تعلوك، في شرفة، أو بلكونة..

ولكن موت الإله، ليس كموت إحدا، لا مجازا، و صفة، ولا وجه شبه..قد يراك بعينه الآخرى، قد يتابع مصيرك من هناك، من يعلم؟ فأهل القبور يناجون الانبياء والشعراء الكبار..يتحدثون معهم من قصور القبور..وتظل القبور، هي رحم، في جسد الأرض، الأم الكبرى، يتمثل ذهني شكلك، ألسنا اصدقاء، (رجل ربعة، في نحو الخمسين، أو يزيد قليلا، شعر رأسه كثيف، مبيض، رجل وسيم)..

ولكن هل تعرف “الزين”، وقصته، أم أنكم جزر معزولة، رغم ان خالقكم واحد، كما لا نعرف نحن الملائكة، وعوالم السموات، رغم الخالق الواحد، و”مسعود”، أتعرفه، الرجل الذي يحب “النساء”، الشاعر، الذي رأى نخله يباع، وذلك الطفل، وجده، والبقصة التي سممت النهر، حين تقيأ الطفل التمرات من حلقه المحزون، تلك البصقة التي تشبه بصقة سانتياغو، بطل العجوز والبحر، “حين خانه البحر”، ولم يجد عليه بسمكة، وهو الصياد العجوز، الماهر، من يشاق الله، يشاقه.

هل تصدق ان الطيب حذف فصل كامل من حياتك، (قال هذا في لقاء صحفي)، ماذا لو لم يحذفه، أيتغير قدرك؟ أم رفعت الأقلام وجفت الصحف..

ألم تقل عن نفسك، (أحس أحساسا دفئا بأني حر، بأنه ليس ثمة مخلوق، أب وأم، يربطني بالوتد إلى بقعة معينة ومحيط معين)، فأنت الآن حر، حتى من خالق، وإرادته، وقدرته، حر، وحر!!.(أتدري لم خلق الموت)، من أجل الحرية المطلقة، من قيود الحياة، وأعرافها، وعلومها..

ألم تعترف للرواي، في جلسة إليفة بأنك (كنت مثل شي مكور، تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه في الارض فيقفز)، بهذا الاعتراف، صرت رمز لمعاناة واغتراب الانسان المعاصر، كانت وصحبة ابعدوه عن الحدس، فصار مريضا، بالاغتراب..

ها أنت تخرج لضوء النهار، الخروج إلى النهار، النهار الأبدي، بشمس في لطافة ضوء القمر، وقمر في قوة ضوء الشمس، ما أسعدك، ياصحاب الموسم والعرس، ودومة وحامد، وبندرشاه..

هل تمقت الطيب صالح، لأنه خلقك هكذا؟ متوتر، غريب، ذكي، أم تصالحت مع قدرك، أم انك لا تعرف الطيب صالحا، أصلا، وتقسم “مثلنا”، أو بعض منا، بأن خلقت عفوا، أو صدفا، أو جدلا ماديا، ذكيا، كامنة فيه قوانين تطور فطري، فكنت أنت، وكانت البنى الفوقية “من ثقافة، وفن، … ودين”، أم تفتق ذهنك، عن إله خلقك، أعثرت على اسمائه الحسنى؟ أم تخبطت في ضلال مبين؟..

سؤال؟ أين مقابركم، حين قتلت جي موريس، أين دفنت؟ وأي معول حسى تراب الخيال على شعرها الاشقر؟.

هل أحدثك عن علاقتي بك، هل رأيت قارئ في حياتك، قارئ يضع عالمك، موسم الهجرة إلى الشمال، في صدره، وهو راقد في قريته، تحت الراكوبة،  ويراقبك، (أريتني)، ولو على سبيل الأيمان، أن هناك من يراقبك، ولا تراه، كالملائكة “بالنسبة لنا”، أو الايقان بأن هناك حيوات خارج مدى حواسك، هل تعرف “عماد عركي، ابوبكر الصديق، سارة حسبو، راوية صالح”، أنهن يعرفونك تماما، يالها من جذر، يعرفون حزنك في المحاكمة، ويعرفون سروالك وقميصك المتسخ بحقول ود حامد، ويعرفون مصير حسنة زوجتك، والذي انت لا تعرفه، هل تعرف أن ود الريس قتلها؟ وأن الرواي، دوخته رائحتها، في مساء نبيل؟ مالكم كيف تحكمون يامستر سعيد.. هل أنت “ملحد” في وجودنا؟ أخاف أن ترسم وتخط كتاب، في أننا “أساطير الأولين”… لا عليك، للحياة مكر، وهي فعلا تستحق الإطراء،والذام، فلها أله وجه، أنت لا تعرفني (كقارئ)، أنا أصغاث أحلام بالنسبة لك، بل بالنسبة لي، فأنا، مثلك لا أعرف نفسي، بل كل فجر اعرف جزء ساذج منها، فعلا ” اضغاث احلام، لك، ولي.

صديقي ..

هناك حديث، نبوي، ( ما أدخل رجل على مؤمن سرورا، إلا خلق الله له من ذلك السرور ملكا، يعبد الله، فإذا صار العبد في قبره، اتاه ذلك السرور، فيقول له أتعرفني؟ فيقول له من أنت؟ فيقول انا السرور الذي أدخلتني على فلان، انا اليوم أونس وحشتك، وأشفع لك، وأريك منزلك في الجنة)، ولاشك سيذكر ذلك الملاك الطيب، أنا، وعركي، وسارة، وعبدالواحد، وجاك،  وفوزية الصبار، وجورج طرابيشي، ورجاء النقاش: مسرات القراءة، رجاء النقاش، الذي قال عنه (لقد أخذتني الرواية بين سطورها في دوامة السحر الفني، وأطربتني طربا حقيقيا، بما فيها من غزارة شعرية رائعة)

أتمنى ان تصلك رسالتي هذه، ولا يكون مصيرها، مثل رسالة (فانكا جوكوف)، الطفل الذي يرمي الرسالات بدون عنوان وطابع بريد، وينتظر كل يوم جواب من عمه قسطنطين مكاريتش، في الريف الروسي البيعد، والطفل يعمل اسكافي، مع رجل قاسي،..

كم شعرت بالموت، يامصطفى، قبل الموت، الغربة، الرحيل، تماما مثل لحيظات الموت، وذلك الألم من فراق الروح للجسد، بعد إلفة، ومسرات، وأحزان، لم تركنتني وحيدا، الجسد يتمسك بالروح، يريد أن يجري، ويحس، ويعشق، ولا يرمى ساكنا، في وحشة القبر،

أخي مصطفى، يحزنني، أن أخبرك، أن حسنة بت محمود، قلتها ود الريس، وقتله، والبركة فيكم، في زوجتك المخلصة، هل تصدق، بغتة ينتابني وسواس، انت (الرواي)، لم، نعم هناك مكر في الكتابة، ولكن من حضر غيابك، غيرك، والفصل الاخير من الملحمة، وحتى النجدة، النجدة، من سمعها غيرك…

لم لم ينهي الطيب قصتك بالانتحار؟، لأن الانتحار مقزز في قلوب المسلمين، بل  لدى الفطرة الإنسانية أجمع، لذا ترك مصيرك مجهولا، بين الغرق، والانتحار، والهروب، أو جف خياله، ولم يستطيع ان يكتب فصل آخر، يشئ بمصيرك، وموقفك من الكون، ولكن لاشك، مقتل حسنة، على يد ود الريس، ما كان سيكون، لو لا هروبك، أو غيابك المجهول، فمكر بك، وبنا، وهو حر، وحر!!..

عزيزي مصطفى،…

كنت اود مناقشتك، في علاقة “اللذة بالعذاب”، مثل فض بكارة، آلام ممزوجة بشبق، كأنها البرزخ، في عوالم الانفعالات الغامضة، يكاد يصعب التميز، بين الألم واللذة، ثار خاطري هذا، وأنت تغرس الخنجر في صدر حين مورس، (تأمل معي في عرفنا الديني “ملاك الموت”، أنه فعل جمالي، يقوم به ملاك جميل)، وتدعك صدرها بصدرك، وهي تصرخ لك بوله، تعال معي، “لا تدعني وحدي”، فأحسست وأنا غارق في ثمالة القراءة الحقيقية، بأن الموت، والألم، والقتل، والرحيل، جزء من طقوس الحياة الخالدة، في الصور والجوهر، أيصدق تحليلي هذا، كقارئ، أم (القارئ، والشخوص الرواية)، بعيدة عن بعضها، بعد الثرى عن الثريا، “لاتدعني وحدي”، ألا تعني خيار الرحيل، عبر كوة الموت، لعالم أنضر أخر، تشي به المقابر، التي تزخرف الكرة الارضية، قرب الكنائيس، وقرب القرى، والبكري، وحمد النيل، ومقابر اليهود تحت كبري السجانة، ألا تحس معي بأن ذلك العالم، جديرة برؤية الأعين الحديد، وإدراك أعرفه، وتقاليده، ولذا يحن له طلائع البشرية، بلا وجل …

ثم العزيزة، آن همند، أنت حكيت للرواي (وتقلص وجهها باللذة، ولكن ما يهمني أنا “كقارئ”، هذا الوصف الصغير المهم بالنسبة لي، وهو قولك (وتألق وجهها، ولمعت عيناها، ببريق خاطف، واستالطت نظرتها، وكأنها تنظر إلى، فتراني رمزا، ليس حقيقة)، تلك هي قمة النشوة، رؤية الناس كرموز، في منتهى اللذة الجنسية، والفكرية، (أن غيبت ذاتها، فلي بصر، يرى محاسنها في كل إنسان)، تلكم اللحيظة الصغيرة، يكون الرجل، والأنثى، (خالقين)، خرجا عن سطوة الزمان والمكان، فيدفق الرجل في الانثى ماء الحياة، ويتشكل طفل في رحم المرأة، وتتشكل جنة في خلد المرأة، وفردوس في جسم الرجل، أتصدقني؟ أم للحقيقة ألف وجه، وهي لحظة تدق، وتدق (أقصد لحظة الذورة)، حتى تصير “لازمن”، فناء في قلب الوقت القديم، براح للروح بلاقيد مكان، وسلسل زمان، ووتد خاطر، هذه اللحيظة (استغراق النشوة الجنسية)، هي هي (لحيظات الاحتضار)، واستلال الروح، من صدف الجسد، الموت/الميلاد، أيصدق كلامي هذا، مع عالم الآخر؟ عالم الأخيلة، والأمال؟ أم أنا أحمق من بعير، يامستر سعيد، ولكن وجه ” آن همند، وهي تراك، لغزاء، شبحا”، يعجل الأمر مقبولا، بنسبة ما أي قصيد (هذا العذراء حبلى، بإشتداد الطلق تبلى)…

للحق، صديقي مستر سعيد،،..

أن صديقك (زوربا)، يكاد هو، وميرسو الغريب، يصنعانك، فالبحار، الغريق في زوربا، حين أطل عليه ملاك الموت، لم يتمنى النجاة، بل قضاة ليلة مع زوجته، تماما مثل مالك ابن الريب، حنين للوطن..

ألا ليت شعري، هل أبيتن ليلة، بجنب الغضى أزجى القلاص النواجيا،

هذا ما قاله مالك ابن الريب، وهو يحتضر، استسلال الروح من صدف الجسد، ورحيلها لتخوم السماء، ورجوع الجسد للأم الارض، بعد مسرات، وحدس، ولكن ثورة الفيزياء، تشئ بأن الطين هباء هو الأخر، مالكم كيف تحكمون، الواقع غامض، والحواس محدودة فلنرهف السمع لهذا الحديث الغريب، (تجملت المقابر، فليس فيها بقعة وإلا هي تتمنى أن يدفن فيها)، هكذا تتمنى مقابر الأرض المبدع الخلاق،  وصديقك زوربا، كان يستخرج “ربابته”، من الجراب، بحنو عظيم، كأنه يعري أمرأة، ياه لسريالية الحياة، وشاعرية فرويد..

وأنت قلت، بأنك سوف تحررهم ب”…”، وذات الكلام قاله صديقك زوربا، ولكن قاله في دخول الجنة، انه مفتاحها، حين بتر الناسك عضوه، حين روادته نفسه بحسناء، اني أعجب، (كقارئ)، بين تشابهك بزوربا، وميرسو، رغم تباينكم الخلاق..

واخبرك، بأن ابنيك، بخير وصحة، فهما في حمى “الرواي”، وقد انقذهما من جرثومة الاغتراب:   أن الغصون إذا قومتها اعتدلت *** ولن يلين إذا قومته الخشب

فقد أدركهما، قبل أن يجفا، على ما وراثاه منك، من حنين للمغامرة، وفتك لختم اللذة، وازدراء العرف.

عزيزي مصطفى،..

في مقابر البكري، وكما تدفن البيوضة في الرحم، والبذرة في الحقل، دفن الطيب صالح.. (ادفنو موتاكم وسط قوم صالحين، فأن الميت يـاذى  بجار السوء)، فما اسعدكم يا أهل البكري الكرام، فقد جائكم جار طيب، يضئ بحكايات الثمان، حياتكم البرزخية، الشاعرية.. إنها مقابر البكري، بام درمان، أتذكرها، أمدرمان زمان، في زمانك، صورها راحل عظيم، معاوية نور، في (مدينة السراب والحنين)، فجعلنا نحس بها، وبروحها، في قصة رائعة، صادقة، حتى  بيع العبيد، والترام، وسوق السمك، والغابة الكثيفة، في مكان برلمان اليوم، والسراب، جهة “الفتيحاب”، والذي يبدو كماء تخوض فيه القوافل، أتعرف معاوية نور؟ أنه خالق، مثل خالق، وعبقري مثله….

عزيزي، مصطفى..

لقد مضغ الطيب صالح عشبة الخلود، وسبق الحية، وجلجامش، وخاتم المنى بين خنصره، ومات، موتا مجازيا، وهاهو، الطيب صالح، يخرج للنهار الأبدي!!..

تقبل تحياتي، وشوقي، وأحيائي لك، كما اريد، فمجرد أن افتح كتاب “الموسم”، يطل وجهك الوسيم الحزين، كما تطل شخوص أليس في بلاد العجائب، من العدم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

 

اخوك أبدا.

عبدالغني كرم الله

جنوب الخرطوم/حي الأزهري/ مربع 12