عادل العفيف مختار عبارة شهيرة للاديب الطيب صالح قالها وسارت بها الركبان داخل السودان وخارجه فقد تناولها احد الكتاب الخليجيون من وجهة نظر تفتقر للمعرفة العميقة بالتراث السوداني وكأني به متسائلا عن اي مكان جغرافي في السودان اتت هذا الكائنات الغريبة. وهو محق بقدر فهمه لثقافة الشعب السوداني.

لكن اديبنا الراحل طفق يتساءل ” أما ارضعتهم الامات والخالات والعمات؟ أما سمعوا مدائح ود سعد وحاج الماحي؟ واغاني سرور وخليل فرح وحسن عطية و الكابلي واحمد المصطفي؟ اما قرأو شعر العباس والمجذوب؟

لقد ان اوان اجابة اسئلة صاحب دومة ود حامد نعم هم لم يسمعوا مدائح حاج الماحي ولم يعرفوا من هو ود سعد ولو فعلوا لما كانوا غرباء عنا فقصائد ود سعد وحاج الماحي لم تكتب لهؤلاء فهي تخاطب الحس الصوفي الشفيف وتسموا بالاخلاق وتدعوا لمكارمها وتبرز الدين بوجهه الذي تقبله به اهل السودان. وهو داعية خير ومصلح اجتماعي فهو يقول في وصف المعصوم” وجهه عن الجود ينطلق ويكرم الايتام برفق” فاين هذا الرفق من لؤم حكام السودان اليوم؟ الذين يعيرون شعبهم كونه كان قبلهم متسولا لا يعرف البيتزا والهوت دوق. وسار علي الدرب البرعي وحياتي فمن يستمع لهؤلاء حتما تصفو روحه وتسمو . لا اظن ان نافعا بكل دمويته وقتله للعزل وتعذيبه للمعتقلين في بيوت اشباحه لا اظنه سمع بحاج الماحي دعك من تدبر كلماته.لذلك حق لصاحب مصطفي سعيد وود الريس ان يتساءل من اين اتي هؤلاء فالذي لا يسمع البرعي وحياتي وود سعد لا بد أن به خللاً. أما عن الحاج محمد احمد سرور وخليل فرح وحسن عطية واحمد المصطفي و شعراء الحقيبة فهم في وادي وحكام السودان في اودية اخري. كل اهل السودان تشبعوا بالحقيبة فالذي يقول “من تعاطي المكروه عمدا غير شك يتعاطي الحرام” لا يمكن ان تحدثه نفسه بنهب قوت الجوعي والمرضي واليتامي والثكالي. ان طبيعة تنظيم الاخوان المسلمين هي اصلا طبيعة منافية ومتقاطعة لطبيعة السودانيين فهم ضد الفن والغناء والتشكيل فكيف بمن هو له موقف مضاد ان يستمع لفن سام راق يسهم في تهذيب نفسه . لذلك فهم غرباء عنا تماما مثلهم مثل اي شخص قادم من كهوف التاريخ.

العادات السودانية ضاربة في القدم ولم تكن يوما متناقضة مع تعاليم الاسلام, لبست المرأة السودانية الثوب وصار رمزها الذي تعرف به ولم نشعر في يوم  انه غريب عنا, هذا الثوب تم استبداله بعباءة سوداء تتناقض شكلا وموضوعا مع بيئة السودان الحارة. فهذه العباءة غريبة علينا غرابة هؤلاء القوم. وقس علي ذلك قيم ومثل هذا الشعب الابي وهم يعملون جاهدين علي تغيير كل ما هو حميد متوارث باسم الدين زورا وبهتانا كل ذلك تحت عنوان عريض هو التأصيل او التوجه الحضاري.

حق لاهل السودان ان يتساءلوا من اين اتي الذين يقتلون زملاء لهم في القوات المسلحة علي مشارف العيد. وحق لهم ان يعيدوا السؤال كرة ثانية والاذكياء من ابناء البلد الظالم حكامه يعذبون في بيوت الاشباح وتغرس المسامير في رؤوسهم. وحق لاطفال السودان وشيوخه ان يتساءلوا والدهشة تعلوهم عن من اي فج سحيق مدلهم اتي من يغتصبون بناته ونسائه في مكاتب الامن , هل من يفعل ذلك اتاحت له الاقدار ان يستمع لشاعر شعبي مغمور وهو يردد بفخر في مدح من ارضعتهم الخالات والعمات قائلا ” ستار بنات العم” والعم الذي  يعنيه شاعر الفطرة هو ليس شقيق الاب وانما هو كل رجل سوداني . العرف السوداني يحرم علي الرجل ان تمتد يده لضرب امرأة ولو اخطأت لكن شهدنا في العهد الغيهب ضرب النساء والشابات

ضربا مبرحا يقوم به من تشوهت دواخلهم كثيرا واغتربوا عن هذا الشعب لذا يبدو التساؤل منطقيا عن من اي كهف مظلم انطلقت هذه الكائنات؟.

حق لاهل هذا البلد البسطاء ان يتساءلوا وهم يؤدون صلواتهم المفروضة في مسجد متواضع سوره الخارجي من الطين ومواسيره صدئة طال بها العهد جراء انعدام المياه, وفرشه بائس وموضوع امامه لافته من الحديد اكثر بؤسا عليها خط ردئ يقول ان بيت الله هذا بني علي نفقة الهلال الاحمر الاماراتي , ومن اخذ توكيل بنائه شيد له صرحاً ذا ثلاث طوابق علي بعد خطوات منه في مشهد يحكي تهافت من رفعوا شعار هي لله. حق لهم ان يتساءلوا من اين أتي  هؤلاء الذين يأكلون مال الله الذي خصص لتشييد صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا. حق لهم التساؤل لان اعراف هذا الشعب تذم من يأخذ شيئا بغير حق بقولهم “هذا يأكل مال النبي فما بالك بالذي يأكل مال الله!!!!!.

حق لاهل بلدي التساؤل عن من اين اتي هؤلاء وهم يقطنون ذلك الحي الامدرماني العريق في ذات ليلة تمنعت فيها واستعصت الكهرباء وطال ظلامها , تلك الليلة الدهماء زادها سوادا ذلك الطفل العليل ذو ثلاث السنوات وهو يتلوي من الالم, تردد والد الطفل كثيرا قبل ان يضطر لقرع جرس ذلك البرج العاجي وهو من اهل التمكين, تردد الوالد المحسور في طرق الباب مصدره لؤم ذلك الرجل الرسالي اذ انه يمر بهم يوميا بسيارته الفارهة دون ان يلتزم بسنه الاسلام السلام كما يقول ود الرضي شاعر الحقيبة, اتي الرجل الرسالي والذي يطل من شاشة تلفزيون الدولة في برنامج ديني اتي  مكفهر الوجه وهو كظيم قائلا بان رفع الدعم عن البترول جعل عربته فارغة كفؤاد ام موسي ولذلك فهو غير قادر علي حمل الطفل المريض لاي مكان. وقف والد الطفل في الشارع متوكلا علي الحي الذي لا يموت ومعه ثلة من فقراء اهل الحي عسي ان يجعل الله لهم مخرجا.

وحق لارامل بلادي اللاتي زج بازواجهن في حروبهم الجهادية ان يتساءلن عن اصل هؤلاء القوم وبلدياتهم وشرطتهم الرسالية تطاردهم من ظل ذي ثلاث شعب لاخر لا يغني عن لهب شمس السودان, وهن خرجن لاعالة زغب الحواصل, حق لهن ان يتساءلن والدهشة تاخذهم الي درجة الشك في العقيدة التي استشهد دونها الازواج, في كل بلدان العالم يكرم ابناء الشهداء وتوفر لهم الحياة الكريمة, لا تطارد اراملهم ويذل ابناؤهم.

حق لاهل السودان ان يتساءلوا من اين اتي هؤلاء الذن مزقوا البلد شر ممزق وقسموه علي اثنين في وضع جعل القسمة مقبولة علي اكثر من ذلك. حق لهم ذلك وهم يشاهدون اشياءهم تتساقط وعقدهم ينفرط. وهذا هو ما ابكي كاتب نيجيريا العظيم صاحب الاشياء تتداعي وصاحب سهم الله الراحل جينوا اكيبي * وهو يقول ان المستعمر وضع سكينا حادة علي الحبل الذي يربطنا فانفرط عقده وتساقط , وتساقطت معه قيمنا ومعها الكثير. فعل ذلك المستعمر البريطاني لتمكين سطوته علي ذلك البلد فتساءل طيب صالحها جينوا اكيبي من اين اتي هؤلاء الذين ادخلوا ثقافة هي بكل مقاييس افريقيا غريبة عليهم, لكن عاشق اليوت* ووليام بتلر يتس *كان يعلم الاجابة بأن هؤلاء غرباء زمان ومكان وثقافة بل ودين, حيث انهم جلبوا معهم الدين الذي يسميه جينوا اكيبي دين الرجل الابيض.

تساءل عملاق الرواية الافريقية في نهاية الخمسينيات جينوا أكيبي عن الذين مزقوا بلاده , وكرر ذات التساؤل عملاق الرواية السودانية الطيب صالح في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات عن الذين مزقوا بلاده. الفرق ان الممزق الاول مستعمر غازي دخيل نهب ثروات احدي اكبر بلدان افريقيا, والممزق الثاني مستعمر داخلي غريب الوجه واليد واللسان عن اهل السودان نهب ثروات بلد كان من احدي اكبر بلدان افريقيا.

عادل العفيف مختار

محاضر بالرياض

adilafifi@hotmail.com

aafifi@mcst.edu.sa

حواشي:

  • Chinua Achebe. كاتب نيجيري توفي مؤخرا هذا العام

  • T.S Eliot  شاعر صاحب القصيدة المشهورة (The waste land) وقصيدة (Journey of Magi  ) وهذه القصيدة التي اتخذ الكاتب جينوا اكيبي منها عنواناً لكتابه (No longer at ease)

     William Butler Yeats * شاعر ايرلندي وصاحب قصيدة (The Second Coming) التي اختار منها الكاتب النيجيري أبياتاً عنواناً لكتابه (Things Fall Apart).