خط الاستواء عبد الله الشيخ وقعت قذيفة  فى باحة الجامع الأموي بدمشق يوم أمس ، فطاف طيف بشار بن بُرد.. يقول الرواة أنه أشْعَرَ فى إمرأة ، من اجل ان يبقى عاشقاً ، وسيقول التاريخ ان بشار  الآخر قتل شعبه ، من اجل ان يبقى حاكماً..!

خلُدت فى التاريخ صبابة العاشق و تبخرت تصريحات واصلاحات الحاكم الفرد مع دخان البارود الذى احرق مدائن الشام..!

قال بشار بن برد في حب عبدة :

” فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى .. فبالقلب لا بالعين يُبصر ذو الحبِ

فما تبصر العينان في موضع الهوى .. ولا تسمع الاذنان الا من القلبِ”..

 كان أعمى و أعجمياً و دميماً .. كان متهتكاً وضخماً وجريئاً  أيضا ،، لكنه مع كل ذلك  كان مسالماً ، لم يبن جيشاً من القناصة  و لا من الربَّاطة او الشبيحة او البلطجية.. عاش متزوداً من زاد البسطاء ، حالماً  باحلام الضعفاء ، ” ولما نادته الحياة قال نعم”..!

عاش ببساطة ، لكنه لم يمت ببساطة ..!سبعون عاماً  فى هذه الدنيا اهتبلها بشار فى تجريدة الشعر، قبل ان يقتله الخليفة العباسي المهدي متهما إياه بالزندقة..! وهكذا حال الدنيا ، يخلد فيها ذكر القتيل ، ويطمر النسيان ذكر القاتل ، حتى لو كان سلطاناً وارثاً للملك، أو منقلباً على الشرعية بدعاوى انقاذ البلاد والعباد..!

 ولد بشار بن بُرد اعمى، ورضي بتلك العاهة بعد ان خبر الدنيا.. قال انه يحب عاهته تلك لانها تحجب عنه رؤية من يكره..! كان ذا  نهم على الملذات ..كان ولِعاً بـ “عربة اللذة” ، تتحبب اليه المتعة من اكل وشرب و خمر ونساء وغناء.. لكنه لم يقترب من حق الناس..!

 كان جريئاً  الغزل، فاحشاً فى الهجاء ،، يهجو من لا يعطيه  و يسخر من عصره الاموي انتقاما لاحتقار بني جنسه من الفوارس ..عندما تبدل الزمان و جاءت دولة العباسيين تم تقريب الفوارس اعترافا بدورهم في الاجهاز على دولة الامويين، هناك انطلق بشار بن “يرجوخ” ــ وهكذا اسمه الفارسي ــ  فى فضاءات الحرية ..ربما كان قُبحه وراء تلك  الجرأة في إلتهام الحياة والتمادي فى القسوة على الرزايا..!  لكن، من منا لا يحب الآن هذا القبيح..؟!  فقد كان رجلاً فى حاله ، لم يسفك دماً، و انشد أكثر من اثني عشر ألف قصيدة ، لكن ما وصل الينا من شعره قليل ، لأن الرقابة الدينية والسياسية والاجتماعية في عصره حذفت الكثير بعد وفاته لكونه متهم بالزندقة، ولأنه صريح جداً فى الغزل و في الهجاء..!

كان بشار بن بُرد يُعبِّرعن خبرة انغماس حسي  فى عوالم بالنساء.. كان يرجُز من هناك ، عن تجربة معايشة ومخالطة لتلك العوالم.. كان ذلك الأعمى المسالم يشتهي الأجساد ، و ما كان يشتهى سفك دم ولا سلب خزائن، كان يجد لذته فى نشيد الصَبابة :

” يا قوم أُذنى لبعض الحي عاشقةٌ .. والأذن تعشق قبل العين أحيانا..

  فحركت عودها ثم انثنت طربا .. تشدو به ثم لا تخفيه كتمانا

.. لا يقتلُ الله من دامت مودته .. واللهُ يقتلُ أهلَ الغدرِ أحيانا”..!

 سبحان الذي إن شاء يمدهم فى طغيانهم يعمهون، وان شاء عسف بهم..  و يا لها من  بساطة تفضح روح فنان له ولعٌ  بجرير..! كان بشار بن برد يتحسر لأن جرير استصغر الفرزدق ولم يرد عليه هجائه، و كثيراً ما كان يطلب الى غانيته ان تنشد له قول جرير: “إن العيون التي في طرفها حورٌ.. قتلننا ثم لم يُحيينَ قتلانا”..!

تُرى،هل يعيب ذلك الأعمى المتهتك أنه نسج على منوال جرير..!؟  بل ما العيب فى بوهيمية بشار واعجابه بنفسه، إذ لم يكن قاتلاً  للحياة..؟!