أوردت وكالة السودان للانباء خبرا عن ان قيادات الهيئة البرلمانية في البرلمان السوداني(المجلس الوطني) ومجلس الولايات ترتب لعقد مصالحات بين عدد من القبائل المتنازعة بغرض إنهاء النزاعات القبلية في الإقليم قبل الزيارة المرتقبة للرئيس البشير إلى هناك الأسبوع المقبل!

وأن نائب الرئيس الحاج آدم يوسف سيسبق الرئيس الى هناك للوقوف على الأوضاع والإشراف على المصالحات! وهذه بالطبع ليست المرة الأولى التي تتحدث فيها صحف الخرطوم والإعلام الرسمي عن ما يسمى ب(المصالحات القبلية)، بل إن حديث المصالحات القبلية في دارفور بات مكررا حد الملل شأنه شأن كثير من أحاديث الحكومة السودانية التي تتهرب مع سبق الإصرار والترصد من مناقشة الأسباب الحقيقية لأزمات البلاد، بل تتهرب من الاعتراف بطبيعة المشكلة وتخترع لها تعريفا مضللا ليصرف الانظار عن الحقائق التي ترغب الحكومة وتحديدا حزب المؤتمر الوطني الحاكم في إخفائها، ففي سياق كارثة الموت المجاني في دارفور الذي تصاعدت أعداد ضحاياه بشكل مخيف في السنوات الأخيرة بسبب ما يعرف بالصراع القبلي، حيث بات مألوفا ورود الانباء عن مقتل المئات من المواطنين في دارفور جراء اقتتال بين المسيرية والسلامات أو الرزيقات والمعاليا، او التعايشة والسلامات، او المحاميد والبني حسين، في هذا السياق الدموي المأساوي يبرز سؤال أساسي: ما هو جذر هذه الأزمة؟ ومن المستفيد منها؟ ولماذا تفاقمت إلى هذا الحد في عهد هذا النظام الانقاذي؟ وكيف السبيل لتجاوزها؟ ولو بدأنا بهذا السؤال الأخير فإن تجاوز هذه الأزمة من المستحيل ان ينجح دون معرفة الحقيقة العارية لما يجري: هل ما يجري في دارفور هو مجرد (صراع قبلي) وقتال تؤججه الاسباب التقليدية من شجار حول المراعي وتنافس على الموارد والنفوذ وعوامل محلية لا تتجاوز حدود الإقليم، وبالتالي يمكن معالجته بمعالجات تقليدية كالمصالحات التي لا تمل الحكومة من إقامة المهرجانات والكرنافالات لها ولا سيما عندما يذهب احد المسئولين الكبار لزيارة الإقليم، ام ان ما يجري شيئ جديد ومختلف ومرتبط ارتباطا عضويا بسياسات النظام الحاكم وعلى رأسها سياسة (فرق تسد) وما تبعها من ممارسات كانت نتيجتها هذا الاحتراب الجنوني الذي خرج عن سيطرة من أججوه مع سبق الاصرار والترصد وأصبحت لهذا الاحتراب الجنوني قوة ذاتية للاستمرار والتوسع المستمر؟ كل الشواهد على الأرض ترجح الخيار الثاني، وقد سبق ان نشرنا تقريرا بهذه الصحيفة من أربعة حلقات بعنوان: (حكومة الخرطوم وصناعة الحرب:تقرير عن حروب الوكالة بدارفور) كشف هذا التقرير وبصورة مفصلة عن ان ما يجري في دارفور من حرب ضروس بين القبائل، هو نتاج مؤامرات حيكت هنا في مركز السلطة في الخرطوم، في أروقة حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وبالتالي لن تجدي المصالحات الشكلية في تحقيق السلم الأهلي في الإقليم، لن يتحقق السلم الأهلي والسلام الشامل إلا بحل سياسي شامل وجذري، ونظام الحكم في الخرطوم غير مؤهل لإنجازه! فما زال هذا النظام معرضا عن الخطوة الابتدائية للحل وهي الاعتراف بالحقائق كما هي وعلى رأسها سياسات الاحلال والإبدال في الإقليم على أسس عرقية عن طريق الحروب وما تبعها من جرائم ابادة وجرائم ضد الإنسانية،والعمل على تغيير التركيبة السكانية للاقليم  بجلب سكان من خارج الحدود ليرثوا أراضي وممتلكات من تم تهجيرهم قسرا وهم الآن بالمعسكرات، ثم الصراع على أراضيهم وممتلكاتهم في غيبتهم! وسياسات تقسيم الاقليم وابتداع ولايات جديدة ووحدات ادارية جديدة لا علاقة لها بالمصلحة السياسية او التنموية اوالاقتصادية لاهل الاقليم بل على أساس ترجيح كفة قبائل على اخرى تبعا لتحالفات الحزب الحاكم والمصالح الضيقة لمتنفذيه. سيذهب البشير الى دارفور، ويكلف خزانة الدولة أموالا طائلة، وسنشهد العروض المسرحية عن المصالحات، ولكن دون ان تحقن قطرة دم واحدة!!