فايز السليك  نظرة ذات معنى،  من شابتين في ذات مساء من أمسيات القاهرة، استوقفتني أنا وصديقي الذي سألني ان كنت أعرف هاتين الشابتين، وقبل أن أرد عليه، اقتحمتنا احداهن بكل لطف، وبعد تبادل التحايا، أخبرتنا أن سيدة سودانية مريضة تنام في طرف الشارع،

فذهبنا أربعتنا، وبعد حوار قصير مع السيدة المعنية اتضح أنها ( نوبية مصرية)، وأنها تعاني من ضائقة اقتصادية، وروت لنا قصة طويلة هذا ليس مكانها.

لكن المهم في القصة هنا؛ هو موقف الشابتين، واصرارهما على مساعدة السيدة باعتبارها سودانية ، لأنه لا يصح لسودانية (مثلنا ، أربعتنا) أن تكون في هذا الموقف دون مساعدتها ، ورفضتا تركها بهذه الصورة، ولذلك أصرتا على أخذنا إليها، ويكمن جمال الموقف في كون  أن الشابتين كانتا من بنات مدينة أم مبدة في أم درمان، وهما الآن  مواطنتان في جمهورية جنوب السودان.

ابتسمنا، واحتوتنا مشاعر من الفخر، ومن الشجن، ( الدم بحن لي بعضو)، لأن الشارع المعني، وهو شارع 26 يوليو مليئ بالسيدات المتسولات، في أعمار مختلفة، لكن لم يلفت انتباههن سوى تلك ( السيدة السمراء)، وهي ربما تكون من الفاشر، أو الخرطوم، أو مدني، ومن العار أن تتسول في شوارع القاهرة، أو تمر بظروف ( اضطرارية)  أجبرتها على أن تنام فوق الأرض، وهي تئن.

قلنا برغم ( استقلال الجنوب) لا يزال كثيرون ينسون الحدث السياسي، ولا يزال كثير من السودانيين في الجنوب يتسامون فوق جراحاتهم تلك، ويعبرون عن نبلهم في عزة وفخر، مع أن نخب الشمال أذاقتهم مر عذاب،  فالوجدان لا يزال يحمل كذلك كثيراً من جميل الذكريات هناك،  وهو ذات الوجدان الذي يدفع مشجعين في نيروبي لمؤازرة منتخب السودان، وهم اجرائياً من الجنوب، وهو ذاته الذي يجعل الآلاف في مدينة جوبا، وهذا شاهدته بنفسي، يتحلقون حول التلفاز، في أحد الأندية لمؤازرة الهلال والمريخ خلال منافسة أفريقية في عام 2011، بل وهناك مشادات، بين مشجعي، الفريقين، وهو ذات الوجدان الذي دفع الآلاف للصلاة في المساجد والكنائس  من أجل صحة الفنان محمود عبد العزيز قبل رحيله الموجع.

وهو ذات الوجدان الذي يدفع كثيراً من الشماليين لذرف الدمع سخيناً كلما جاءت سيرة الجنوب، وكلما غنى فنان أغنية للجنوب، وحتى في المنافي الإجبارية والإختيارية كثيراً ما يتجمع السودانيون شماليين وجنوبيين في مناسبة ما، أو لهدف ما، رغم ( (الإستقلال السياسي)، وهو موقف سياسي مقدر، ولكل فرد الحق في تقرير مصيره، وفي اختيار ما يناسبه من وطن، بعد أن ضاقت البلاد بأبنائها، فجعلت البعض يختار التصويت للاستقلال عبر صناديق الاستفتاء، فيما اختار قدرهم التصويت بأرجلهم؛ هاربين من هذا الجحيم، ودوننا اليوم عدد من الطلبات من ( سودانيين) لوزارة الداخلية يطالبون فيها بسحب جنسيتهم حتى ينالوا جنسيات بلدان أخرى. وربنا ينتقم ممن كان هو السبب في كل ذلك.

مناسبة هذا الحديث، هو فيلم الصديق وجدي كامل ( بروق الحنين)، وهو فيلم أثار الكثير من الجدل، ولا يزال، وبالطبع هناك بعض من السودانيين الجنوبيين من أبدى سخطه من الفيلم، أو من الذين شاركوا في الفيلم، والساخطون معظمهم من ( القوميين الجنوبيين) الذين لا يرون ضرورة وجود تقارب مع الشمال، وهم من أشارت لهم صديقتنا الجميلة استيلا، وهي تتحدث بكل ألم، بعد أن انتاشتها أقلامهم وسهامهم، واعتبرتهم مثل قادة منبر الخراب العاجل في الخرطوم تماماً، وهم  لا يمثلون الخرطوم، ولا يمثل أولئك جوبا، لكنهم الأعلى صوتاً هنا وهناك. وعذراً صديقتنا الجميلة استيلا، فدموعك غالية، فأنت سودانية الهوى والهوية، شمالاً وجنوباً ولو كره آخرون.

 والفيلم محاولة جريئة من وجدي كامل، ولو اختلف حوله كثيرون؛ لأنه عمل إبداعي، مزج الإنساني مع السياسي، والذاتي مع الموضوعي، والحاضر مع التاريخ، والوثائقي مع الدرامي، والوجداني مع الواقعي، ووظف كل الوسائل الفنية من موسيقى وصور وحركة قطارات وطبيعة، لينقل لنا رؤيته، وبالضرورة ليس من المهم أن تتوافق الرؤية مع كل المشاهدين، أو المعنيين بالأمر.

شكراً وجدي كامل،  فالموضوع في غاية التعقيد، فهو موضوع دماء وجراحات ودموع وذكريات، وحقائق وفظائع، وتاريخ مشحون بالمشاعر المتناقضة، ومن جانبي أعيد ما كتبته في كتابي ( الزلزال.. العقل السوداني ذاكرة مثقوبة وتفكير مضطرب) وقلت عبره “إن الانفصال/ الاستقلال هو خطوة مهمة في طريق  علاقة مستقبلية بين السودانيين، حال أن مثَّل صدمةً للجميع، لكي يستيقظوا من غيبوبتهم العميقة،  فهو على الأطلاق  لن يكون حلاً نهائياً لأزمات الجنوب،  ولا حلاً مريحاً لمشاكل الشمال،  فالطرفان ؛ هما مثل ضفتي نهر واحد، لا يأخذ النهر هويته إلا بوجود الضفتين، فالنيل هو ذاته يعزف سيره القديم، والتاريخ هو بعانخي، وعلي عبد اللطيف، وعبد الفضيل الماظ، بالإضافة إلى المصالح المشتركة عبر الموارد والحدود.