مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم ما بين النّبوّة والرّسالة نحا بعض الفلاسفة والمفكّرين إلى التّفريق بين الرّسول من جهةٍ وبين النّبيّ من جهةٍ أخرى. فمنهم من جعل النّبوّة معنيّة بالعلم اللدنّي، بينما الرّسالة معنيّة بالأمور الدّنيويّة وكيفيّة تصريف أمور النّاس الدّنيويّة بما من شأنه أن يقرّبهم إلى الله زُلفى.

ومنهم من عكس هذه الأدوار من حيث نسبتها إلى النّبوّة أم للرّسالة. وهذا باب في الفكر الإسلامي واسع ومتاح لمن أراد الاستزادة فيه. من جانبنا ننظر إلى المسألة بوصفها، أوّلاً، إسلاميّة بحتة، أي لم توجد في الفكر الدّيني غير الإسلامي مثل المسيحي أو اليهودي من جملة الأديان التّوحيديّة الثّلاثة. ثمّ، ثانياً، ننظر إليها على أنّها ذات مرجعيّة لغويّة عربيّة بحتة، ذلك لأنّ اللغة العربيّة قد أعطتنا هاتين المفردتين في الإشارة إلى نبيّ الإسلام. ومن هنا توسّع الفلاسفة والمفكّرون المسلمون في تحديد مَنْ مِن المبعوثين قبل محمّد كان نبيّاً، ومَنْ مِنهم كان رسولاً، ثمّ من منهم جمع النّبوّة والرّسالة. في مبحثنا هذا سوف نعامل كلا المفردتين (النّبيّ والرّسول) على أنّهما تعنيان لنا اختزالاً شيئاً واحداً يعود إلى الحالة الرّوحيّة والفكريّة والمادّيّة التي جاء عليها نبيّ الإسلام محمّد.

الدّين والأسطورة

في هذه الجزئيّة سنحاول أن نُعيد إلى الأسطورة اعتبارها من ناحية دينيّة، كونها لا تتعارض مع الدّين، بل تشتبك معه في عدّة جوانب ولو تقاصرت عن درجة إحاطته. هناك علاقة وطيدة بين الدّين والأسطورة كون الإثنين يرمزان إلى دلالات محجوبة عن الوعي إزاء ظواهر وجودية وبالتّالي يعتمدان على التأويل في سبيل استكناه و/أو استعقال تلك الظّواهر. وقد التفت العلماء إلى ظاهرة ارتباط الدّين والأسطورة وتوظيف الأوّل للثّانية. وأكثر ما تعرّض لهاذا كانت اليهوديّة بوصف كتابها التّوراة أحد أقدم وثائق الأديان الحيّة إلى الآن. في هذا الصّدد يبرز اسم انظر جيمس فريزرJames Frazer الذي كتب عن الفولكلور في العهد القديم (1923). وعلى نهج جيمس فريزر، سار العديد من العلماء الغربيّين الذين نظروا إلى الأساطير الواردة في القرآن ومن ثمّ قارنوها بما جاء في التّوراة أو الإنجيل. من بين لفيف العلماء هؤلاء يبرز اسم ألان دنديز Alan Dundes الذي اتّبع خطوات جيمس فريزر وكتب عن الفولكلور في القرآن (1965). كما هناك الكثير من الكتّاب المنتمين للثّقافة الإسلاميّة من المشرقيّين الذين أشاروا إلى توظيف القرآن للأساطير السّابقة له، ثم تلك التي تمّ إنتاجها عبره. من بين هؤلاء يمكن أن نشير إلى محمّد محمود بوصفه من أحدث الكتب في هذا المجال. فهو يقول (2013: 34): «مثّلت الأسطورة والقصّة مصدراً أساسيّاً من عناصر رسالة محمّد»، مشيراً إلى أنّ ما يعنيه بالأسطورة هو «… في هذا السّياق القصص التي ترتبط بالمفهوم القرآني للقصّة الخلاصيّة للإنسان». إلاّ أنّ ما يمكن الإشارة إليه في سيتق هذا الاستعراض أنّ غالب هذه الكتابات نهضت على معياريّة معطوبة. فبالنّسبة لجيمس فريزر، جعل من ورود الأساطير في ثقافات أخرى غير يهوديّة، وقد تكون سابقة لها، أساساً لإضعاف نظريّة الوحي الإلهي بتحويلها إلى مجرّد أيديولوجيا دنيويّة. وكذلك الأمر بالنّسبة لألان دنديز ومحمّد محمود اللذين جعلا من التّوراة (والإنجيل بالنّسبة للأساطير المسيحيّة)، معياراً بها يقيسون صمدانيّة الوحي الإسلامي حسبما سنرى أدناه.

هنا ينهض سؤال: هل يعني كلّ هذا أنّ الدّين والأسطورة هما الشّيئ نفسه،أم هما شيئان جدّ مختلفين؟  وما الفرق بينهما؟ يتّصف الدّين في تعامله مع محجوبات الظّاهرة الوجودية بمنهج كلّي، شمولي، بينما تتعامل الأسطور مع نفس الظّاهرة بالقطّاعي، أي بتفسير جانب من الظّاهرة من غير ما إطارٍ كلّي. وتعتمدان في هذا على الرّمز والإشارة. فمن عدّة تعريفات للأسطورة، يمكننا أن نأخذ التّعريف التّالي (ليتش وفرايد Leach & Fried؛ 1950: 778-778): «الأسطورة قصّة، تُقدّم على أنّها قد حدثت بالفعل في أزمانٍ مضت، لتشرح المحكيّات والتّراث المتعلّق بالكون والقوى فوق الطّبيعيّة بالنّسبة للنّاس وآلهتهم وأبطالهم، وسماتهم الثّقافيّة، ومعتقداتهم الدّينيّة إلخ. … تحكي الأساطير عن خلق الإنسان والحيوان ومعالم الأرض …». هذا التّعريف يوضّح لنا العلاقة بين الدّين من جانب وبين الأسطورة من جانب آخر. فكلاهما يسعيان إلى تفسير ظاهرة الوجود، أحدهما بطريقة كلّيّة، شموليّة (الدّين)، والأخر بطريقة حزئيّة، أي بتناول كلّ ظاهرة لوحدها، وربّما عدّة ظواهر معاً (الأسطورة). على هذا يمكن أن نخلص إلى أنّ الأسطورة في مبتدرها لم تكن سوى المحاولات الجزئيّة غير الكاملة التي قام بها الإنسان ــــ ولا يزال يقوم بها ــــ في سعيه نحو الله. عليه، فهي جزئيّات أديان، أو نوويّات أديان قام بها البشر ريثما يأتي الأنبياء والرّسل. إلاّ أنّ الأسطورة، بمجرّد تشكّلها، قد تحقّقت لها درجة عالية من الاستقلاليّة بها استولدت لها وظائف جديدة ذات صلة وثيقة بالأديان. فقد أصبحت إحدى أدوات تأويل الأديان من جانب، ونشر الأديان من جانب آخر بإعادة إنتاجها باستمرار. ويعني هذا أنّ الأسطورة ليست نقيضاً للدّين، ولو كانت في مبتدرها مجرّد محاولة قاصرة لابتداع الدّين؛ الأسطورة بهذا تصبح أحد أدوات الدّين، تأسيساً وتأويلاً.

في فترة موغلة من تاريخ اابشريّة، تفتّقت قريحة الإنسان عن الأسطورة في محاولته إيجاد تفسير معقول ومقبول للظّواهر الطّبيعيّة واستكناه ما وراءها من حكمة. فقد أدرك الإنسان باطراً أنّ هذه الظّواهر ليست عبثيّة، بل هناك قوّة (أو قانون) تحكمها. وقد سلخ الإنسان زمناً ليس بالقصير في تأمّل هذه الظّواهر بصمت وعمق أدّيا إلى تطوير قدراته الحدسيّة تمكّن بها من النّفاذ بدرجاتٍ متفاوتة إلى جوهر الوجود. للتّعبير عمّا خلج نفسه وعقله من صور وتفسيرات لم يجد الإنسان بدّاً من ابتداع الأسطورة التي ليست سوى حكاية شعبيّة Folktale في مبتدرها لكنّها فوق لغوية paralingual، أي يمكن سردها عبر أيّ لغة، ذلك لكمون رمزيّتها داخل الحبكة plot. لشرح ما نرمي إليه دعونا نحاول تصوّر الطّريقة التي كان يمكن لفرويد أن يشرح بها نظريّة عقدة أوديب لو لم يكن هناك شيئ اسمه أسطورة أوديب ابتداءً. فالأسطورة تعني إعادة إنتاج الحدث التّاريخي الذي تعتلق إحداثيّاته بجانب من جوهر الوجود، ذلك بتجريده من تاريخيّته. وما حاول فرويد عمله هو إعادته مرّة أخرى إلى تاريخيّته.

ما إن بلغ الإنسان هذه المرحلة حتّى تكشّفت له الفاعليّة الضّخمة التي تنطوي عليها الأسطورة من حيث قدرتها على الإمساك بطرف من، وعلى الكشف عن، جوهر الوجود. ولذا اتّخذ الإنسان من التّأمّل وسيلة لتطوير حدسه، الأمر الذي مكّنه من تطوير حالات وعي فوق تاريخيّة parahistorical بها يفصل وعيه المباشر عن وعيه غير المباشر بما يجعله قادراً من فتح نافذة إدراك عالية الشّفافيّة وفوق نفسيّة parapsychological تقوم على التّخاطر telepathy والاستبصار clairvoyance وكشف الحُجب. وهكذا تشكّلت العِرافة والتّنجيم ليتطوّر الأمر لاحقاً إلى النّبوّة وصولاً إلى مرحلة الرّسل، وبعدهم الكهنة ورجال الدّين. فهؤلاء دورهم جدّ خطير ولو كان يقلّ عن دور الأنبياء والرّسل. فالأديان، في ما يحكي عنها التّاريخ، لا تنتشر بفضل نشاط أنبيائها، بل بفضل دائب نشاط وتفاني سدنتها. وهؤلاء يتمكنّون من لعب دورهم الخطير هذا باتّباع تكتيك إنتاج الأساطير وتوليدها عبر إعادة إنتاج التّاريخي المعاش. فالعرّافون والمنجّمون، ثم بعدهم الأنبياء والرّسل، في سياق تأمّلاتهم ورياضاتهم الرّوحيّة وما قد يمرّون به من كشوفات حدسيّة تعبر إدراكهم كخاطرة مسرعة لتغيب حثيثاً في سمادير الوعي المباشر، يعمدون إلى التّاريخي لعقلها. بهذا يتمّ تمهيد الأرضيّة للأسطورة كيما تخترع، أكان ذلك من قبل الأنبياء والرّسل أو من قبل رجال الدّين. وهنا يأتي دور الكهنة ورجال الدّين لصناعة الأسطورة ممّا يليهم من الطّرف التّاريخي، أي الأنبياء والرّسل وأتباعهم وأصحابهم المباشرين. فمهمّة رجال الدّين تتمثّل في تحويل جميع هؤلاء من تاريخيّين إلى فوق تاريخيّين، أي إلى أسطوريّين. وهذا هو تعريفنا لمصطلح «رجال الدّين» (باعتبار كفاية الشّيوع، وكذلك «نساء الدّين» لضرورات الحساسيّة النّوعيّة)، فهم مجموعة الرّجال والنّساء الذين يبرزون بوصفهم سدنة العقيدة المأثورة عن أحد الأنبياء أو الرّسل وبالتّالي أقوالهم عبر «أسطرة» (لغة في تصنيع الأسطورة) ذات الأنبياء والرّسل وأتباعهم البارزين.

هناك فرق كبير بين الأسطورة التي يصطنعها الأنبياء أو يستخدمونها، وبين تلك التي يصطنعها رجال الدّين. فأساطير الأنبياء معرفيّة، الغرض منها اعتقال الخاطرة الوجوديّة التي تواتيهم عبر كشوفات الحدس؛ أي أنّها لتنزيل الرّوحي إلى مقام التّاريخي. هذا بينما أساطير رجال الدّين سلطويّة، إذ يعمدون إلى أسطرة اللأنبياء والرّسل وصحابتهم لسببٍ سلطوي يقوم على تكتيكين يبدوان كما لو كانا متناقضين وما هما بذلك. التّكتيك الأوّل هو ترفيع التّاريخي إلى مقام الرّوحي (الأنبياء والرّسل والصّحابة والأولياء ومأثوراتهم)؛ أمّا التّكتيك الثّاني فهو أيديولوجي يتمثّل في تحويل نفس أولئك الأنبياء والرّسل ثمّ الأصحاب (وأقوالهم ومأثوراتهم) وبعدهم من يرون أنّه قد بلغ مقام الولاية إلى أساطير، وبالتّالي يُكسبونهم سلطة دنيويّة يكون فيها لرجال الدّين حق حراستها وتطبيقها. أي لضبط المجتمع. ويشهد التّاريخ أنّ الأسطرة الأيديولوجيّة غالباً ما يتمّ ترفيع شانها فوق الأسطرة الرّوحيّة المعرفيّة، إذ لا تعدو الأخيرة كونها وسيلة من الوسائل المفضية إلى الغلبة والتّحكّم. هذه هي سدانةُ الدّين، أي طائفة النّساء والرّجال الذين يوقفون أنفسهم على حراسة الدّين بينما منتهى أملهم هو الاستقواء دنيويّاً بالدّين وأنبيائه ورسله وصحابتهم … إلخ.

نماذج لأسطرة الأأنبياء والأولياء

إذا كان الأنبياء يخضعون للأسطرة، أي يتحولون إلى اساطير، وبالتّالي يصبحون فوق تاريخيّين parahistorical، فهل يعني هذا أنّهم غير تاريخيّين non-historical؟ دعونا نأخذ أنبياء التّوراة كحالة، وتحديداً فنبدا بالنبي إبراهيم؛ هل كان هناك فعلاً شخص اسمه إبراهيم (أو كيفما كان الاسم الأصلي) يمكن إحالة ما يحكى عن النّبي إبراهيم في التّوراة والإنجيل والقرآن إليها؟ أم أنّ النّبي إبراهيم مجرّد أوهام وتهويمات واختراعات لعصور سحيقة تعاملت معها العصور اللاحقة على أنّها حقيقيّة؟ من المؤكّد أنّه كانت هناك شخصيّة تاريخيّة historical هي تلك التي تُحيل إليها القصص المحكيّة عن النّبي إبراهيم. إلاّ أنّ هذه الشّخصيّة التّاريخيّة قد إُعيد إنتاجها عبر أسطرتها ولم تعد لدينا الآن غير شخصيّة فوق تاريخيّة parahistorical. وعلى هذا فقس على جميع الأنبياء الذين يرد ذكرهم في التّوراة. هذا مع أنّنا في واقع الأمر لا نملك خارج النّصّ دليلاً مادّيّاً واحداً على وجود هذه الشّخصيّات تاريخيّاً. ومع هذا، باتّخاذ هذه الأساطير كبيّنة شفاهيّة (مكتوبة لاحقاً)، يمكننا أن نخلص إلى أنّه كانت هناك شخصيّات تاريخيّة إليها تُحيل تلك القصص والمحكيّات الأسطوريّة.

إلاّ أنّ هذا ليس هو الحال نفسه بالنّسبة لعيسى ومحمّد، إذ لدينا الدّليل المادّي على وجودهما خارج النّصّ. أي أنّ هناك دليلاً على وجودهما التّاريخي كونهما عاشا في الزّمن التّاريخي، بينما أنبياء التّوارة الأساسيّين (من إبراهيم إلى موسى وهرون) قد عاشوا في زمن ما قبل التّاريخ. وهنا تكمن المشكلة المتمثّلة في أدلجة الدّين، أي عندما تنشأ الأيديولوجيا الدّينيّة (عبر سدنة الدّين المعني) فتعمد إلى أسطرة هؤلاء الأنبياء التّاريخيّين. وليست هذه الأسطرة سوى البوّابة الواسعة التي عبرها يتم تزييف التّاريخ شأن الأيديولوجيا في كلّ زمانٍ ومكان. ولا تقف الأيديولوجيا عند هذا الحدّ بل تتعدّاها لأسطرة صحابة الأنبياء ثمّ لاحقاً أتباع الصّحابة، ولاحقاً أيّ شخصيّة دينيّة تبرز كسلطة في مجالها. فمثلاً في الحركة الصّوفيّة الإسلاميّة (باعتبار أنّ الحالة الإسلاميّة هي ما تعنينا في المقام الأوّل هنا) تجري عمليّة اصطناع وإنتاج الأنبياء والرّسل وظيفيّاً باستمرار ولو لم يُسَمَّوا بهذه الأسماء. فمؤسّس الطّريقة (ولاحقاً ورثة منصبه من أبنائه ــــ لاحظوا دون بناته إلى الآن على أقلّ تقدير) تتمّ أسطرتهم أوّلاً روحيّاً ثمّ لاحقاً أيديولوجيّاً بما من شأنه أن يعطينا حالة من التّبعيّة العمياء من قبل المريدين. وبالطّبع لا ينتهي الأمر برأس الطّريقة إلاّ عند مشارف المال والسّلطة، مستصحباً معهما جاه النّبوّة ممثّلاً في تبعيّة المريدين.

نخلص من هذا إلى أنّ عمليّة اصطناع الأنبياء وأسطرتهم، فيما هو مأثور تاريخيّاً، إنّما تتمّ بالسّدانة. عليه، لا ينتشر الدّين بفضل أنبيائه فحسب، ولو كان لهم فضل تأسيس التّعاليم. فنشر الدّين يتمّ بجهد سدنة الدّين المعني بصورة أساسيّة. ولا يمكن لهؤلاء أن ينشروا الدّين إلاّ، أـوّلاً، عبر أسطرة الأنبياء المؤسّسين وإلحاق آخرين جدد بهم ولو كانوا في مقام الصّحابة أو الأولياء لاحقاً، أو حتّى الشّيوخ والفقهاء. ثمّ، ثانياً، بأدلجة الدّين وتحويله إلى مجرّد مفاتيح تشغيل بضغط أيّ واحدٍ منها يمكن تحريك جمهور المؤمنين وتعبئته. وما هذا إلاّ في سبيل الوصول إلى السّلطة إمّا بالسّيطرة عليها مباشرةً (كما هي الحالة في الفاطميّين وغيرهم)، أو بطريقة غير مباشرة، أي بتأييد السّلطة القائمة، أو بمساندتها للإمساك بالسّلطة ومن ثمّ الاستمرار بدعمها (كحالة الحركة الوهّابيّة مع الحكم الملكي بالسّعوديّة).

كما إنّ هناك سدانة مضادّة يمكن التّمثيل لها بتيّار قويّ في علم نقد ودراسة الأديان (تهمّنا هنا السّدانة الإسلاميّة المضادّة). تقوم هذه السّدانة المضادّة بالعمل على نسف التّأسيسات العقديّة إزاء دين بعينه. والحال كهذا، فهي لا علاقة لها بالإلحاد الذي لا يؤمن بالدّين ووجود الخالق مطلقاً دونما تقييد بدين بعينه. السّدانة المضادّة هي حركة تبدو في ظاهرها علميّة كونها تتسلّح بمناهج العلم الحديث لا لشيء إلاّ لإثبات دين بعينه على أنّه باطل وغير صحيح. وتكمن مشكلة السّدانة المضادّة في أنّها بمجرّد الوصول إلى عدم صحّة دينٍ بعينه، تكون قد استبطنت معياراً داخليّاً لهذه الصّحّة ولو لم تُفصح عنه. يلتبس أمرُ السّدانة المضادّة بالإلحاد كونها تبدو من الخارج على أنّها لا تُبدي أيّ قدسيّة للأنبياء أو لما قد يقولونه ممّا يوحي به إليهم الله. كما تلتبس هذه السِّدانة بعلم دراسات الأديان ومقارنتها لنفس هذه الأسباب. إلاّ أنّها في دخيلة نفسها وحقيقتها لا تشغل بالها بغير دين بعينه من مجموع الأديان، كونها تُضمر غبينة إزاء هذا الدّين.

ظلّ الإسلام يتعرّض باستمرار إلى هجمات السّدانة المضادّة منذ أن بدأ الاستشراق إلى يومنا هذا. ويكمن الفرق في أنّ الاستشراق قد قام على أكتاف علماء لا يؤمنون بالإسلام فهم في غالبيّتهم كانوا من المسيحيّين أو اليهود، ثمّ تبعهم آخرون يؤمنون بأديانٍ أخرى أو لا يؤمنون بأيّ أديان. واليوم يقوم على أمر السّدانة المضادّة أناسٌ صدروا في أوّل أمرهم على أنّهم مسلمون، أو يتعامل معهم النّاس على أنّهم مسلمون (وربّما كانوا في فترة من فترات شبابهم ينتمون إلى واحدة من الفرق الإسلاميّة، ناذرين أنفسهم لها)، إلاّ أنّهم في حقيقة الأمر يحملون كراهيّة لا تعدلها كراهيّة للإسلام. تعود أسباب هذه الكراهية لعدّة أسباب قد نعجز عن حصرها، إلاّ أنّ المأثور فيها تنكيد تنامي نشاط الحركات الإسلاميّة الأصوليّة لعيش هؤلاء السّدنة (المضادّين) اجتماعيّاً وسياسيّاً. فمثلاً، لعب الإخوان المسلمون عندما أمسكوا بالحكم في السّودان سنة 1989م دوراً كبيراً في تنفير العديد من القطاعات المثقّفة من الدّين إرسالاً ومن الإسلام تقييداً. وقد تمكّن المحظوظون من هؤلاء من مغادرة البلاد حيث شرع قطاع منهم في الانتقام من الإسلام نفسه تحت ستار مناهضة الحكم الإسلامي القائم بالسّودان. هذا بينما مكث من لم يحالفهم الحظّ بالبلاد وهم يجترّون مراراتهم إزاء هذا الدّين الذي نكّد عليهم الحياة بالوطن ونفّرهم من الدّين مطلقاً.

تعتمد السّدانة المضادّة في سعيها لتفنيد الإسلام وإظهاره بمظهر الدّين غير الصّحيح على معيار هو نفسه ديني ويقوم على اعتماد ما ورد في الأديان الأخرى (تحديداً المسيحيّة واليهوديّة) بوصفه تاريخيّاً، حقيقيّاً، ومن ثمّ معايرة الإسلام وفق ذلك. فهنا يتمّ التّعامل مع الأنبياء الواردين في التّوراة، مثلاً، على أنّهم شخصيّات تاريخيّة. بل منهم من يذهب إلى تقديم تقديرات زمنيّة بها يحدّدون ولو بالتّقريب الزّمن الذي عاش فيه إبراهيم، أو إسحق، أو موسى إلخ. كما قلنا، فشت هذه الظّاهرة في دراسات نقد الأديان ومقارنتها ببعضها البعض، وبخاصّةٍ لدى المستشرقين، أي الكتّاب الغربيّين الذين قاموا بدراسة الإسلام تحديداً. كما ذهب مذهبهم هذا بعدهم علماء من الشّرق، أي ينتمون إلى الإسلام إمّا عقديّاً أو ثقافيّاً، فنحَوا نحو أولئك الغربيّين. من هؤلاء يمكن أن نُشير إلى محمّد محمود (2013: 1-29) الذي يعتبر أحد أبرز العلماء الإسلاموجيّين من الذين تعود خلفيّتهم العقديّة والثّقافيّة إلى الإسلام. كما يعتبر كتابه المشار إليه هنا أحد أحدث المراجع في علم الإسلاميّات Islamology الذي يدرس الظّاهرة الإسلاميّة من زاوية علميّة بحتة، دونما ظلال إيمانيّة. إلاّ أنّه في الصّفحات المشار إليها من كتابه بدا لنا كما لو كان أقرب إلى ظاهرة السّدانة المضادّة. فهو في هذه الصّفحات يتناول النّبوّة اليهوديّة ووظائفها وآلهتها كما لو كانت أمراً تاريخيّاً. فنحن نقرأ (المرجع السّابق: 27): «ومن أبرز الأنبياء الكلاسيكيّين الذين ظهروا في القرن الثّامن ق.م. عاموس وهوشَع وإشَعْياء. ظهر هؤلاء الأنبياء في فترة تميّزت بتحوّلات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة كبيرة. فانتصار مملكة إسرائيل الشّماليّة على السّوريّين أدّى لاستقرار ورخاء اقتصادي عمّق الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتزامن ذلك مع انهيار النّظام العشائري والأسري لامتلاك الأرض الذي كان سائداً، ممّا دفع بهمّ العدل الاجتماعي للصّدارة وجعله أحد الهموم الملحّة في مخاطبة الأنبياء لمجتمعهم».

نحن هنا أمام تحليل لوضعيّة تاريخيّة، بينما لو جئنا إلى الواقع العلمي المادّي لوجدنا أنّ هذه الوضعيّة ليست سوى أسطورة فوق تاريخيّة. أمّا إذا جئنا إلى الأجزاء التي يتكلّم فيها الكاتب عن الإسلام، فنلاحظ أنّه تتمّ محاكمة الإسلام (التّاريخي) على خلفيّة تحليلات من هذا القبيل لأوضاع أسطوريّة، فوق تاريخيّة، لكن يتمّ تصويرها كما لو كانت تاريخيّة. بهذا يبدو الإسلام الظّاهرة التّاريخيّة (وبالتّالي الإسلام الدّين) كما لو كان مجرّد دين مقلِّد لأديان أخرى صحيحة. وبالطّبع لا يمكن القبول باستشهادات الكاتب بمراجع تنطلق من موقع التّسليم بتاريخيّة التّوراة وقصصها وأساطيرها، هذا ولو اتّخذت ثوب الدّراسة العلميّة التي لا تضع اعتباراً لما إذا كان الدّين المعني صحيحاً أم لا. ذلك أنّ معياريّة صحّة الدّين عقديّاً إنّما ذاتيّة تقوم على الإيمان به وليست موضوعيّة.

الأنبياء والإصلاح

الرُّسُلَ في جوهرهم ليسوا سوى مصلحين اجتماعيّين. وفي هذا جاء قول القرآن عندما أبدى النّاس دهشتهم من أن يبعث الله رجلاً من بينهم يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق: ﴿ما لهذا الرّسول يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق لولا أُنزل إليه مَلَكٌ فيكون معه نذيرا (7) أو يُلقى إليه كنزٌ أو تكون له جنّةٌ يأكل منها وقال الظّالمون إنْ تتّبعون إلاّ رجلاً مسحورا (8)﴾ [الفرقان: 7-8]. وتأكيد بشريّة الرّسل مردّها إلى بشريّة المهمّة التي ينبغي أن يؤدّوها، ألا وهي إصلاح حال المجتمع. كانت العربُ قبيل الإسلام يتشوّفون قدومَ رسولٍ لهم، ونجم عن تشوّفهم هذا ظهور تلك الحركة الاجتماعيّة الإصلاحيّة التي عُرفت بحركة الأحناف قبيل مجيء البعثة المحمّديّة. فجواد علي يقول عنهم: «فهم بالنّسبة لذلك الوقت الطّبقة المثقفة من الجاهليّين، نادت بالإصلاح وبرفع مستوى العقل وبنبذ الأساطير وبتحرير العقل من سيطرة العادات والتّقاليد فيه، وذلك بالدّراسات والتّأمّل وبقراءة الكتب وبالرّجوع إلى دين الفطرة، الذي لا يُقرّ عبادة الشّرك ولا عبادة النّاس. لذلك نستطيع أن نقول عن هؤلاء النّاس إنّهم كانوا أناساً من النّوع الذي نُطلق عليهم كلمة ’مصلحين‘ في الوقت الحاضر. من هذا الطّراز الذي يريد إصلاح الأوضاع ورفع مستوى العقل. فهم جماعة ضدّ الأوضاع الاجتماعيّة السّائدة في أيّامهم» (جواد علي، مج 6، 1993: 457؛ كذلك يمكن مراجعة سيّد محمود القِمني، 1996: 111-124). ولكنّهم، بما أنّ العرب لم يكونوا ذوي تجربة مع أيّ حالة من حالات النّبوّة والرّسل، كما كان عليه الوضع مع اليهود والنّصارى، جمح بهم خيالهم فصوّر لهم أنّ الرّسول المرتجى لا يمكن أن يكون من البشر، كأن يكون من الملائكة. ولكن، كيف يتمّ ابتعاث ملك من السّماء ليهدي أهل الأرض؟ فما هي وسيلته في ذلك، وأي شكل من الصّراع يمكن أن ينجم عن إرسال ملك من السّماء؟ على هؤلاء كان ردّ القرآن غاية في البلاغة والإيضاح: ﴿وما منع النّاسَ أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلاّ أن قالوا أبعث الله بشراً رسولا (95) قُلْ لو كان في الأرض ملائكةٌ يمشون مطمئنّين لنزّلنا عليهم من السّماء ملاكاً رسولا (96)﴾ [الإسراء: 95-96]. فبشريّة الأنبياء معتلّة ببشريّة المهمّة التي نهدوا إليها، ألا وهي إصلاح حال المجتمعات. وإنّما في هذا جاء قول النّبيّ محمّد: «إنّما جئتُ لأتمّم مكارم الأخلاق‏»‏.

كلّ هذا أدعى لنا لأن نُعيد النّظر في أمر الفلاسفة الذين سبقوا قبلنا بقرون، ثمّ أولئك الذين عاصروا ثمّ لحقوا. فكما يقول علي الدّشتي (2006: 49): «فليس ثمّة أساس عقلاني لاستبعاد ظهور أفراد يحملون في أعماق عقولهم فكرة الكينونة المطلقة ويوصلون بقوّة تأمّلهم شيئاً فشيئاً إلى ضرب من الكشف أو الإلهام يدفعهم إلى هداية الآخرين وتعليمهم». ويرى علي الدّشتي أنّ الكثير من الفلاسفة المسلمين الذي تعرّضوا لمسألة النّبوّة، رافضين لها، مثل محمّد بن زكريّا الرّازي وأبي العلاء المعرّي، إنّما ذهبوا مذهبهم ذلك رفضاً لمبدأ ألوهيّتها وانطلاقها من السّماء، مؤمنين بها ما دامت سلوكاً بشريّاً يقوم بها أشخاص استثنائيّون لإصلاح حال المجتمعات (المرجع السّابق: 44).

في سياحته الصّوفيّة في يوم القيامة يحكي عن نفسه عبد الكريم الجيلي قائلاً (1997: 188-189) «ولقد اجتمعت بأفلاطون الذي يعدّونه أهل الظّاهر كافراً، فرأيتُه وقد ملأ العالم الغيبيَّ نوراً وبهجةً، ورأيتُ له مكانةً لم أرها إلاّ لآحاد الأولياء. فقلتُ له: من أنت؟ قال: قطب الزّمان وواحد الأوان». وفي الحقِّ، فإنّ ما يميّز الأنبياء كمصلحين اجتماعيّين عن الفلاسفة والمفكّرين كون الأخيرين لا يزعمون بأنّهم يصدرون فيما يصدعون به عن سلطة عليا غير بشريّة، واجبة الاتّباع عبادةً لها. فلو زعم واحد منهم ذلك لأطلق عليه النّاس صفة «النّبيّ»، حتّى لو لم يؤمنوا بما يقوله. ولكن عند التّحقيق وإمعان النّظر ربّما لا نجد اختلافاً فيما يصدرون عنه جميعاً، إذا نظرنا إلى الوحي باعتباره درجة فائقة الرُّقيّ من الشّفافيّة يدخل فيها الإلهام والحدس، ومن ثمّ استرفاق نَفَس المطلق الرّاكز عميقاً في الجِبِلّة، تخاطراً وجلاءً بصريّاً إلخ، وبالتّالي تجاوز غير طبيعي abnormal لقدرات الوعي المباشر المحدودة. وكما يقول علي الدّشتي (2006: 49): «هكذا ينبغي أن تُقارب مسألة النّبوّة …، إذ ينبغي أن يُنظر إليها على أنّها ضرب من العبقريّة الذّهنيّة والرّوحيّة خاصّ بفرد استثنائي».

مع تسليم الغالبيّة العظمى من المسلمين بمنطوق الآيات التي تحكي عن اصطفاء الله لعبدٍ من عباده، ثمّ إرسال الملائكة له، وتنزيل كتبِه عليه عبرهم، يجوز تأوّل جميع هذا بوصفه تصويراً تبسيطيّاً بغية تقريبه للأفهام (انظر إلى حديث النّبيّ: نحن معشر الأنبياء أُمرنا أن نخاطب النّاسَ على قدر عقولهم»). فالعمليّة في مجملها تتمّ داخل وعي الذّات البشريّة الشّفيفة، أي قلب العبد المؤمن، أي النّبيّ، ذلك في حال تجاوزها لغلاظة الجسد. وتجاوز الذّات البشريّة لغلظة جسدها ينتج عنه مقاربة روحانيّة سوف ينتهي بها المقام بملاقاة الله. فإذا كان للمؤمن أن ينطلق من تسليمه بأنّ الأنبياء يُصطفون من الله، يجوز للعِلماني أن ينطلق من نقطة أخرى غير إيمانيّة (هذا مع جواز أن يكن هو نفسه مؤمناً)، لكنّها قد توصلُه إلى نفس النّتيجة. وهذا من قبيل اختبار ظواهر الدّين بالعلم الوضعي. ومفادُ قولنا أعلاه أنّ مرشّح النّبوّة يأخذ نفسه بالرّياضات الرّوحيّة حتّى تبلغ به الشّفافيّة الرّوحيّة حدّاً تجعله قريباً من الذّات الإلهيّة (أي من المطلق)، فيأخذُ عنها. وبما أنّ هذا لا يمكن إلاّ إذا سمحت به الذّات الإلهيّة (وفق معتقد المرشّح)، فإنّه يكون اصطفاءً في النّهاية. وعلى هذا يجوز للعِلماني الزّعم بأنّ مبدأ المسالة ليست سوى تزكيةً للذّات ريثما يتمّ القبول؛ وبما أنّ جميع هذا يحدث داخل دائرة الإرادة الإلهيّة، فهي إذن اصطفاء في مبدأ أمرها. ولا مجال لتكذيب النّبيّ طالما كان صادقاً مع نفسه، حتّى لو لم يقتنع النّاس بدعواه.

يمكن لمفهوم الاصطفاء أن يتأوّلَه المرء على أنّه انبثاق الوعي بالمطلق في الذّات البشريّة، ومن ثمّ السّعي لتنزيله عبر سلسلة من الأحداث والأحاديث المترابطة، منها ما هو دنيوي (خاصّ بالنّبيّ) ومنها ما هو إلهي (كلام الله). ولهذا يجوز قبول الزّعم بتوريث جرثومة هذا الوعي عبر الأصلاب، أي بالوراثة، من قبيل أنّه مستوى من مستويات تنزيل الوعي غير الشّفيفة إذ تتمّ عبر الجسد. وهذا ما ذهب إليه ابن عربي في فتوحاته (انظر محمود محمود الغراب، 1990: 22). ومع هذا، يجوز للآخرين، وفق فهمنا هذا، أن ينظروا إلى كون محمّد خاتماً للرّسل، على أنّه يعني كونه خاتماً للرّسل من صلب إبراهيم، تهيئةً للبشريّة في تحقيق درجة أعلى من العرفان عبر وسائل أكثر شفافيّةً تقوم في أساسها على العقل، وليس الوراثة، أي الجسد. وعلى هذا يمكن التّحلّل من أيّ التزامٍ فقهيٍّ باحتمال توريث أيّ عرفانٍ بعد النّبيّ محمّد، إذ لا يعدو أمرٌ كهذا شيئاً خلا أمور الدّنيا، لا الدّين. ويمكن للمرء في هذا أن يستشهد بجميع الوقائع الدّالّة على أنّ من ادّعوا هذا النّسب بحجّيّة توريث العرفان قد انتهى بهم المقام إلى احتياز المال واكتنازه، ثمّ احتياز السّلطة الزّمنيّة. هذا بالطّبع دون أن يشتطّوا فيُدخلوا من خالفهم في هذا الأمر إلى الكفر بالدّين أو إساءة فهمه. فهؤلاء لهم دينهم، وهؤلاء لهم دينُهم.

لا تقف شخصيّة النّبيّ الدّينيّة على حدود شخصيّته التّاريخيّة؛ فبعد مماته تنداح شخصيّته لتغطّي مجالات إيمانيّة عريضة، ربّما لم تدر في خاطر من عاصروه تاريخيّاً. ففي الفكر الإسلامي ذهبت اتّجاهات فكريّة عديدة إلى إعادة إنتاج شخصيّة النّبيّ محمّد إلى شيء قد يراه البعض أنّه أقرب إلى التّأليه، من قبيل ما فعل النّصارى مع عيسى بن مريم. وهذا كلّه من قبيل أسطرة الأنبياء ممّا أفضنا فيه. جاء في كتاب الطّواسين للحلاّج ما يلي في وصف النّبيّ محمّد: «ما كان في الآفاق ووراء الآفاق ودون الآفاق أظرف وأشرف وأعرف وأنصف وأرأف وأخوف وأعطف من صاحب هذه القضيّة، وهو سيّد البريّة، الذي اسمُه أحمد، ونعتُه أوحد، وأمرُه أوكد، وذاتُه أوجد، وصفتُه أمجد، وهمّتُه أفرد. يا عجباً ما أظهره وأنظره وأكبره وأشهره وأنوره وأقدره وأبصره؛ لم يزل كان؛ كان مشهوراً قبل الحواديث والكواين والأكوان، ولم يزل كان مذكوراً قبل القبْل، وبعد البَعْد، والجواهر والألوان». في تفسير هذه الشّطحيّات قال شارح الطّواسين روزبهان الفارسي ما يلي: «الوجود المحمّدي خارج القبليّة والبعديّة، أحمد من الحمد، بفهم أنّه كان محموداً في الأزل على لسان الحقِّ …. لمّا كان خارج كلّ قبليّة وبعديّة كان قد تعلّم كلام القديم، وعلم القديم، ومشهور عن الحقِّ بالحقِّ على الحقِّ في الحقِّ، إذ لم يكن هناك قبل وبعد ولا زمان ولا مكان، ولا أعراض ولا جواهر» (راجع ذلك في قاسم محمّد عبّاس، 2001: إشارات هامشيّة رقم <8> و<9>، صفحة 165). وهذا من باب إسقاط تجلّيّات أو إشراقات الذّات والوعي على النّصّ الدّيني، وليس من قوّة يمكن أن تمنع هذا بما في ذلك القوّة المادّيّة القسريّة، بدليل بقاء ما قاله الحلاّج وما زاد عليه شارحوه من بعده إلى يومنا هذا رغم ما حاق بصاحبهم وربّما بهم أنفسهم. ولا يمكن أن يجزم شخص بيقينيّة تفسير إسقاطي على حساب تفسير آخر، ذلك كون النّصّ الدّيني قد يقبل كليهما وأزيد.