ثروت قاسم في سبتمبر 2013 ، صرح الدكتور غازي صلاح الدين بأن الرئيس البشير لا يحق  له الترشح في عام 2015 لولاية رئاسية ثالثة ، حسب دستور السودان الإنتقالي . 

أزعج هذه التصريح رجال الرئيس البشير الذين يخططون ، بمباركة بل بإيعاز مغتغت من الرئيس البشير ، بأن ينتخب حزب الحاكم  ( وليس الحزب الحاكم …  المؤتمر الوطني )  الرئيس البشير رئيساً له  في مؤتمره العام  عام 2014  ، وبالتالي مرشح الحزب في الإنتخابات الرئاسية  المخجوجة  في عام 2015  ، ليستمر رئيساً للجمهورية حتى عام 2020  … 31 سنة على التوالي في حكم السودان كرقم قياسي لم يكسره إلا  سلاطين دولة سنار الزرقاء  .

تمت محاسبة الدكتور غازي على تصريحه  العدواني   ، بالإضافة لمذكرة أرسلها وصحبه الكرام في سبتمبر 2013 للرئيس البشير ،  مطالباً ببعض الإصلاحات داخل حزب الحاكم   ، إثر  هبة سبتمبر  2013  الشعبية ، وقمع قوات الأمن ومليشيات النظام المفرط للهبة   ، وإغتيال مئات المواطنين وجرح آلاف آخرين  ، وإعتقال  آلاف أُخر .

تمت محاسبة الدكتور غازي وصحبه الكرام ، بطرده وأثنين من زملائه من حزب الحاكم  ، وتجميد عضوية تسعة آخرين من تياره الإصلاحي .

في يوم الثلاثاء 3 ديسمبر 2013 ، تقدم الدكتور غازي وصحبه الكرام ، بطلب لمسجل الأحزاب لتسجيل حركتهم الإصلاحية ( حركة الإصلاح الآن ) كحزب سياسي   معارض .

نستعرض ملابسات وخلفيات وتداعيات هجرة بعض الحركات الإصلاحية من حزب الحاكم  في النقاط التالية :

اولاً :

الهجرة التي تحدث من صفوف حزب الحاكم     الآن ليس بها إغراء مال أو وظائف ، وليس بسبب منع المال والوظائف عن  المهاجرين   بواسطة حزب الحاكم  . وإنّما نتيجة  تحرّك ضمائر ووطنية المنشقين  من الإصلاحيين  ، الذين جاهدوا في محاولة إصلاح  سياسات حزب الحاكم   ، وفشلوا  . ومن ثم تعرضهم  للمحاسبة والعقاب والطرد لبعضهم  من صفوف حزب الحاكم  ، لا لذنب جنوه سوى المناصحة لوجه الله ورسوله  .

ثانياً :

القوى السياسيّة التي خرجت من حزب  الحاكم  صارت الآن 10 ، وكانت من المخلصين والداعمين له . كان هؤلاء وهؤلاء     يرشون بالدم  من يرش حزب الحاكم  بالماء  .

هذه الحركات العشرة  المنشقة   مسجلة أدناه : 

+ حزب المؤتمر الشعبي؛

+ حركة العدل والمساواة ؛

+ حزب العدالة الأصل ( مكي علي بلايل ) ؛

+ حزب العدالة ( أمين بناني ) ؛

+ حزب الوسط الإسلامي ( يوسف الكودة ) ؛

+ منبر السلام العادل ؛

 + تحالف القوى الإسلامية الوطنية ،

+ حركة سائحون ؛

+  حركة الإصلاح الآن  ؛

+    والحركة  الوطنية للتغيير؛

هذا غيض من فيض  ، والبقية تأتي !

ثالثاُ :

نعم  …  إذا كان حزب الحاكم  واعياً ، يجب أن يأخذ في الحسبان أن هذه الهجرة ليست لأنّ المهاجرين الإصلاحيين  قد  تم شرائهم  برشي مالية  وإغراءات مادية  اُخرى ؛  ولكن تحرّكوا من ضمائرهم  ووطنيتهم  .  وهذا مؤشر  أشد ضرراً لحزب الحاكم ،    وأشد مفعولاً   ضد   بقائه وإستمراره في السلطة  من المظاهرات الإعتصامية والإضرابات الفئوية وحركات الشارع السياسي الإحتجاجية الأخرى  . ببساطة  لأنّ هؤلاء المهاجرين  كانوا  من قادة  حزب الحاكم ، ومن رجالاته الخُلص الذين زادوا عنه بالنفس والنفيس طيلة ال 24 عاماً الماضية .

رابعًا :

حمل المهاجرون الإصلاحيون معهم في خروجهم بعضاً من طوب بناية حزب الحاكم ، مما ينذر بسقوطها  الآجل ، خصوصاً وإن بعض هذا الطوب قد تم نزعه من قاعدة وأساس البناية .

هجرة الإصلاحيين  خارج حزب الحاكم تفتح عيون الشعب على إن دولاب حزب الحاكم يحتوي على بعض العقارب والأفاعي ،  وإلا لما هرب منه هؤلاء وهؤلاء من الإصلاحيين ، الذين يعرفون  الجرة وغطائها  ، وما يتم طبخه في داخل المطبخ  . وبالتالي فربما خلقت هجرة الإصلاحيين تسونامياً   شعبياً معارضاً متنامياً يهدد وجود حزب الحاكم  ، وإستمراره في السلطة .

يحسن قادة حزب الحاكم  صُنعاً  برؤية هذه الأنوار الحمراء الكاشفة  ، وسماع هذه الأجراس  الرنانة ، وبقراءة هذه الألواح  المكشوفة  بصور  عقلانية وتدبرية  ، ويستنتجوا منها  النتائج  والخلاصات الصحيحة ، وقبل الوصول إلى منعرج اللوى ؟  

خامساً :

يدعو كل فصيل من الفصائل الأسلامية الإصلاحية المنشقة المذكورة أعلاه لبناء جبهة  سياسية عريضة تجمع هذه الفصائل على الحدود  الدنيا المشتركة ، وهي إقامة نظام جديد بسياسات جديدة ،وهياكل جديدة  ، ووجوه جديدة . تقوم هذه الجبهة العريضة ( من الإسلاميين المنشقين )  بالتنسيق مع أحزاب المعارضة المدنية والحركات الحاملة السلاح للإتفاق على النظام الجديد الذي يحل محل نظام الإنقاذ بعد إسقاطه حتى لا تحدث فوضى بعد إسقاط النظام كما حدث في ليبيا . كما تتفق الجبهة العريضة  مع المعارضة المدنية والمسلحة على آليات ووسائل التعبئة والحشد الجماهيري لتفجير الإنتفاضة الشعبية ، وإقناع القوات النظامية بالإنضمام للإرادة الشعبية ، وتأمين  وحماية الإنتفاضة الشعبية . 

هذه المفردات في أدبيات الحركات الإصلاحية المنشقة عن حزب الحاكم هي نفس مفردات حزب الأمة في ميثاقه المعلن ( النظام الجديد ) … نفس شربوت حزب الأمة  في كنتوش ( حركة الإصلاح الآن ) وبقية الحركات  الأسلامية الإصلاحية المنشقة .

ولكن يبقي التنفيذ وإنزال هذه التصريحات والأدبيات إلى الأرض ، وتكوين الجبهة العريضة . خصوصاً وإن الكيميا الشخصية لا تتفاعل بين قادة  الحركات الاسلامية  الإصلاحية المنشقة  ( دكتور غازي ، دكتور الطيب زين العابدين ، الدكتور الترابي ، أمين بناني وغيرهم )  والتيار الكهربائي مقطوع بينهم .

سادساً :

يؤكد  بعض المراقبين العلاقة الحميمية التي تربط الدكتور غازي بالأمير تميم ، أمير قطر ، منذ أن كان الدكتور غازي  ممسكاً بملف دارفور .

 بدعوة من الأمير تميم ، سافر الدكتور غازي إلى الدوحة ( الأربعاء 4 ديسمبر 2013 )  . يؤكد البعض أن  (  حركة الإصلاح الآن )  سوف تحظى بدعم مالي مقدر ومشروط  من قطر ، مما يجعلها تُولد  بأسنانها وضروسها كمان .

أذن نحن موعودون بحراك سياسي طاغي تقوده ( حركة الإصلاح الآن ) في مقبل الأيام  ، بدعم  معنوي ومالي قطري  .

سابعاً :

طلب قادة تحالف قوى الإجماع الوطني من قادة ( حركة الإصلاح الآن ) الإعتذار اولاً  عن مشاركتهم في نظام الإنقاذ  طيلة ال 24 عاماً الماضية ، وقبل النظر في إمكانية إستيعابهم كأعضاء فى التحالف . رفض قادة ( حركة الإصلاح الآن ) الإعتذار ، وطالبوا بمحاكمتهم على أي جرائم  محددة تُثبت ضدهم .

في هذا السياق ،  إعتبر  السيد الإمام  خروج المنشقين  على حزب الحاكم  مكسباً للمعارضة ، وللجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار بالبلاد   ،  وطالب بعدم  محاسبة  الناس بتاريخهم السياسي  ، إذا لم يكن فيه ما يُجرم جنائياً ؛   وفي الحالة الأخيرة يُمكن محاكمتهم كمواطنين عاديين أمام المحاكم الجنائية .

لم يُحاسب المسلمون في زمن غابر سيدنا عمر بن الخطاب بأنه كان يعبد في جاهليته  صنماً من العجوة ، يأكل منه عندما يجوع .

وما ينطبق على سيدنا عمر بن الخطاب ، يجب أن ينطبق على الدكتور غازي وصحبه الكرام .

ثامناً :

تخصص نظام الإنقاذ في تطبيق مبدأ ( فرق تسد ) في صفوف أحزاب المعارضة  المدنية والحاملة السلاح ، وتفتيتها .

غادرت حركة مني أركو مناوي صفوف المعارضة ، وشاركت في الحكومة بعد إتفاق أبوجا ( 2006 )  ، وجزراته . ثم رجعت إلى صفوف المعارضة بعدما  إكتشفت إن نظام الإنقاذ غير جاد في تنفيذ الإتفاقية ، ولم ينفذ ما يليه من بنود في الإتفاقية ، خصوصاً مواصلة  تقديم  الجزرات  ؛  وصار مني أركو مناوي إلى ( مساعد حلة )  بدلاً من مساعد رئيس الجمهورية .

إنضمت حركة السيسي إلى الحكومة بعد إتفاق الدوحة ( 2011 ) ، وحدثت بها عدة إنشقاقات لأن الحكومة لم توف بكثير من إلتزاماتها  في الإتفاقية  تجاه شعوب دارفور ؛ وأوفت  فقط  بالتزاماتها نحو شخص الدكتور التجاني السيسي وبعض صحبه الكرام  ، فأخرصتهم وسكتوا عن  الكلام المباح  وصاروا (  يبارون الحيط  ) .

إنشق  قائد قوات حركة العدل والمساواة ، دبجو ، من حركته ووقع إتفاقية مع الحكومة ( الدوحة – 2013 ) ، ومن المتوقع مشاركته وصحبه في الحكومة المزمع تكوينها هذا الشهر ،  مقابل إنشقاقه .

نجح نظام الإنقاذ في تفتيت الحزب الإتحادي الديمقراطي إلى عدة فصائل . والغريب في أمر هذا الحزب ، إن كل فصائله ( الأصل والفروع ) مشاركة في الحكومة ، ففيم الخصام ؟

في عام 2002 ، نجح نظام الإنقاذ في شق صفوف حزب الأمة ، فحدث إنشقاق  غير موضوعي ، بل صناعة إنقاذية بإمتياز  ، عن طريق  الترغيب بالمال والوظائف !

تم تكوين حزب الأمة ( الإصلاح والتجديد )  ، الذي تفتت بدوره ،  فيما  بعد  ، إلى عدة فصائل  أميبية متشاكسة فيما  بينها ، حول المال والوظائف . 

نجح نظام الإنقاذ في حندكة أحزاب وحركات المعارضة المدنية والحاملة السلاح بالمال والوظائف ، فحدثت الإنشقاقات المختزلة أعلاه .

 تاسعاً :

الرئيس البشير بصدد تكوين حكومة جديدة  بوجوه شابة  جديدة ، بعد تسريح الحكومة العريضة الحالية  . إستقال  النائب علي عثمان  محمد طه  ،  حتى لا تكون هنالك إي إستثناءات في  تعيينات  الرئيس البشير الجديدة .

لن يجدي فتيلاً تغيير الوجوه مع الإبقاء على السياسات  الإقصائية العقيمة والقمعية ، التي هي أس وأساس المصائب والبلاوي . 

نعم …  نجحت الحكومة العريضة    القديمة بمشاركة الحزب الأتحادي الديمقراطي ( الأصل والفروع )    في السيطرة على هبة سبتمبر 2013 بالقمع المفرط . ولكن لم يتم قفل الملف  ، ولم تنزل الستارة بعد على المشهد الأخير في المسرحية الكافكاوية .

الشارع السوداني غير راض عن هذا النظام (  في عبوته القديمة وكذلك الجديدة ) ، وكلما حدث استفزاز ( كزيادة أسعار المحروقات )  سيحدث نوع من  ردة الفعل  التلقائية  ، وهبة شعبية  أخرى أقوى من هبة سبتمبر ، وهكذا حتى يسقط  النظام بالنقاط  ، وربما بالقاضية .

عاشرأً :

تتواصل  فصول المسرحية !

الضائقة المعيشية تتفاقم . المشكلة الاقتصادية التي تعيشها البلاد صنعتها سياسات النظام الخاطئة .

يصرف النظام على الحرب الأهلية في  اليوم الواحد إيراد شهر كامل من مداخيل الدولة . إهمل  النظام قطاع الإنتاج الحقيقي، وإعتمد  على الاستيراد في توفير السلع.

ارتفعت فاتورة استيراد الغذاء من  حوالي  70  مليون دولار   عند إنقلاب الإنقاذ عام 1989  الى حوالي  2 مليار دولار  عام 2012م ( تضاعفت حوالي  30   مرة ).

بلاد السودان  مقبلة على أوضاع اقتصادية بالغة الخطورة  ، بعد نجاح النظام في تصحير الريف  وترييف المدن ،  وخنق  الإنتاج . 

 نذر ثورة الجياع  في الأفق  ، وبدأت إرهاصاتها في هبة  سبتمبر 2013 !

تقول  الإحصائيات  إنه منذ أنقلاب نظام الإنقاذ في 1989  ،  بدأت أعداد النازحين في التزايد حتى أصبح  من كل عشرة  نازحين في العالم  قاطبة تجد أثنين من السودان ، وتجد واحد منهم في ولاية الخرطوم وحدها  .

تُعتبر  الخرطوم عاصمة النزوح والعشوائات في العالم  قاطبة  وبإمتياز ، وأكبر تجمع نازحين في العالم ( في  ولاية الخرطوم وحدها  اكثر من 10% من نازحي العالم ) .

أكثر من نصف نازحي السودان في ولاية الخرطوم ؛  ويمثل النازحون والعشوائيون حوالى ثلثي سكان  ولاية الخرطوم.

 فتامل ؟

قلتم أني هذا ؟ قل هو من عند أنفسكم .

 ونتيجة مباشرة لسياسات نظام الأنقاذ ، الذي أزف وقت رحيله ، غير مأسوف عليه .

هل يساعد الشيخ تميم الريح   ودكتور غازي في هز شجرة نبق الإنقاذ حتى يسقط  نبق الإنقاذ على الأرض ؟

إنتظروا … إنا معكم منتظرون .