ولد نيلسون مانديلا عام 1918 في عشيرة زوسا الناطقة بلغة الثيومبو، في قرية صغيرة شرقي مدينة كيب تاون، اسمها روليهلاهلا داليبهونجا في جنوب إفريقيا، واعتاد الناس في جنوب إفريقيا على مناداته بالاسم الذي تخاطبه به عشيرته تادبا وهو "ماديبا".

كان روليهلاهلا مانديلا في التاسعة من عمره، عندما أطلق عليه مدرس في المدرسة الابتدائية التي كان يدرس بها في كونو بجنوب افريقيا الاسم الانجليزي نيلسون وفقا لتقليد منح جميع الاطفال اسما جديدا.

وكانت هذه ممارسة شائعة في جنوب افريقيا وفي مناطق اخرى من القارة حيث يطلق على الشخص اسم انجليزي يسهل على الاجانب نطقه.

واسم روليهلاهلا بلغة الخوسا في جنوب افريقيا، وهي احدى اللغات الاحدى عشرة الرسمية في جنوب افريقيا ويتحدثها 18 بالمئة من السكان. ويعني الاسم حرفيا “جذب غصن الشجرة” ولكنه بصورة مجازية يعني “الطفل المشاغب”.

توفي والده الذي كان مستشارا لعائلة الثيومبو الملكية عندما كان نيلسون في التاسعة، وتولى رعايته بعد ذلك رئيس عشيرة الثيومبو جونجنتابا دالينديبو.

كان مانديلا في شبابه مولعا بالملاكمة ويعدو لمسافات الطويلة. حتى في سنوات سجنه التي دامت 27 عاما، كان يحرص على آداء التمارين الرياضية.

وقال مانديلا في سيرته الشخصية الطريق الطويل الى الحرية : “لم اكن معجبا بعنف الملاكمة بقدر اعجابي بالتقنية وراءها. ما كان يثير اهتمامي كيف يمكن للمرء التحرك لحماية نفسه، وبكيفية استخدام استراتيجية الهجوم والانسحاب وكيف يمكن للمرء ان ينظم نفسه طوال المباراة”.

وكتب مانديلا : “الملاكمة تساوي بين الجميع. في الحلبة ينتفي السن والطبقة واللون… لم أمارس الملاكمة بعد دخولي عالم السياسة. كان اهتمامي الرئيسي هو التدريب. وجدت ان المواظبة على التمرين يحد من التوتر. بعد تدريب مشدد، كنت اشعر بالخفة جسديا وعقليا.

ومن بين التذكارات في متحف عائلة مانديلا في سويتو، يوجد حزام بطولة العالم الذي اهداه له الملاكم الامريكي شوغر راي لينارد.

غادر مانديلا قريته إلى جوهانسبيرغ عام 1941 لتفادي زواج مرتب سلفا. وهناك، التقى وولتر سيسولو الذي ساعده في الحصول على وظيفة بشركة ويتكن سيدلسكي وايدلمان للمحاماة. وانضم كذلك إلى المؤتمر الوطني الإفريقي.

ودرس مانديلا القانون بصورة متقطعة لمدة خمسين عاما منذ 1939، واخفق في نحو نصف المواد الدراسية.

ولكن دراسته الدبلوم لمدة عامين بعد انهاء الدراسة الجامعية سمحت له بممارسة المحاماة، وفي اغسطس/ اب 1952 أسس بالاشتراك مع اوليفر تامبو اول مكتب محاماة بإدارة محامين سود في جنوب افريقيا في جوهانسبرغ. وثابر مانديلا حتى حصل على درجة في الحقوق اثناء وجوده في السجن عام 1989.

وأصبح عضوا في الكونغرس الأفريقي عام 1944 كناشط في البداية، ثم كمؤسس، ثم كرئيس للمؤتمر الوطني الإفريقي الممتاز للشباب، وأخيرا، وبعد سنوات السجن، استمر رئيسا له.

وتزوج مانديلا زوجته الأولى إيفيلين ماسي عام 1944 ولكنهما طلقا عام 1958 بعد أن أنجبا أربعة أبناء، وقبل طلاقه عام 1952 أجيز للعمل بالمحاماة وافتتح أول مكتب له في جوهانسبرغ مع شريكه أوليفر تامبو.

لم يكن تامبو شريكه في المحاماة فحسب، إذ اشتركا أيضا في تأسيس حملة لمكافحة التمييز العنصري، وهو النظام الذي ابتكره الحزب الوطني للبيض، والذي قام باضطهاد الأغلبية السوداء.

وفي عام 1956 وجه إليه تهمة الخيانة العظمى ولـ155 ناشطا آخرين، ولكن التهم أسقطت عنه بعد أربع سنوات من المحاكمة.

وتنامت المقاومة ضد التفرقة العنصرية، خاصة ضد قوانين الهويات الجديدة، التي حددت للسود الأماكن التي يسمح لهم فيها بالإقامة والعمل.

وفي ظل حملة مناهضة التمييز العنصري تزوج مانديلا عام 1958 من زوجته الثانية ويني ماديكيزيلا، التي قادت بعد ذلك حملة المطالبة بتحريره من السجن.

بعد اختبائه بسبب انشطته في “المؤتمر الوطني الافريقي”، لقب مانديلا باسم بمبرنيل الاسود” بسبب قدرته على التخفي وتفادي الشرطة، تيمنا برواية بمبرنيل القرمزي”، التي تدور احداثها عن بطل سري الهوية.

وتنكر مانديلا كسائق وطاهٍ وبستاني حتى يسافر في البلاد دون ان تلحظه السلطات. ولا يعلم احد كيف تم في نهاية المطاف الكشف عن هوية مانديلا والقاء القبض عليه رغم ان تحركاته كانت سرية وبهوية مختلقة.

وبدأ مانديلا العمل السري في المؤتمر الإفريقي للشباب بعد حظره عام 1960، ثم تزايدت التوترات في البلاد مع تنامي الحملة المناهضة للتمييز العنصري، وتصاعدت بعد حوادث متفرقة بين عامي 1960 و1969 بعد أن قتلت الشرطة عددا من السود فيما أطلق عليه مجزرة شاربفيل.

السجن مدى الحياة

وشكل هذا الحادث نهاية للمقاومة السلمية، وأسس مانديلا، الذي كان يشغل منصب نائب المؤتمر الأفريقي، حملة للتخريب الاقتصادي، ثم ألقي القبض عليه بعد ذلك، ووجهت إليه اتهامات بمحاولة قلب نظام الحكم من خلال التخريب والتحريض على العنف.

ومن قاعة المحاكمة في محكمة ريفونيا، وقف مانديلا على المنصة يشرح معتقداته حول الديمقراطية والحرية والمساواة.

وقال مانديلا “إنني أعتز بالمفهوم المثالي للديمقراطية وحرية المجتمع، حيث يحيا جميع الأشخاص في تناغم وحقوق متساوية، إنها المثالية التي أحلم أن أحيا من أجلها وأطبقها، ولكن إذا ما دعت الحاجة لذلك فإنني مستعد للموت من أجلها أيضا“.

وحكم عليه في شتاء عام 1964 بالسجن مدى الحياة.

وخلال 12 شهرا بين عامي 1968 و 1969 توفيت والدته، وقتل ابنه الأكبر في حادث تصادم، ولم يسمح له بحضور الجنازتين، وبقي في سجن روبن آيلاند لثمانية عشر عاما قبل أن ينقل إلى سجن بولسمور في بلاده عام 1982.

وخلال فترة بقاء مانديلا وباقي قادة المؤتمر الإفريقي في السجن أو المنفي، واصل الشباب السود في جنوب إفريقيا حملة مناهضة التمييز العنصري على حكم الأقلية البيضاء.

وخلال هذه الانتفاضة التي شارك فيها أطفال المدارس، قتل المئات وجرح الآلاف، ولكن في عام 1980 أسس أوليفر تامبو، وكان في المنفى، حملة لإطلاق سراح مانديلا، وقرر المجتمع الدولي عقوبات على جنوب إفريقيا في عام 1967 على نظام التمييز العنصري.

وبدأت هذه الضغوط تؤتي ثمارها، ففي عام 1990 رفع الرئيس إف دابليو دي كلارك الحظر عن المؤتمر الإفريقي، وأطلق سراح مانديلا، وبدأت محادثات بإنشاء نظام جديد يقوم على ديمقراطية تعدد الأعراق في جنوب إفريقيا.

الأحياء الفقيرة

وانفصل مانديلا عن زوجته ويني بعد خيانة زوجية عام 1992، كما أنها أدينت بالخطف والاعتداء، وبعدها بعام واحد عام 1993 حصل كل من مانديلا وكلارك على جائزة نوبل للسلام.

وبعدها بخمسة أشهر، ولأول مرة في تاريخ جنوب إفريقيا، صوتت كل الأعراق لانتخاب مانديلا رئيسا، وكانت المشكلة الرئيسية التي تولى مانديلا علاجها هي توفير السكن للفقراء والنهوض بالأحياء الفقيرة، ومكافحة الفساد في معظم المدن.

وتابع مع رئيس وزرائه ثابو مبيكي ليثبت خطواته كزعيم ويبني صورة دولية جديدة لجنوب إفريقيا، واستطاع إقناع الشركات المتعددة الجنسية بالبقاء والاستثمار في جنوب إفريقيا.

وفي عيد ميلاده الثمانين تزوج مانديلا جراسا ماتشيل أرملة رئيس موزمبيق، واستمرت رحلاته الدولية، وحضوره المؤتمرات، وحصده الجوائز بعد انتهاء مدته الرئاسية.

وفي عيد ميلاده 89 انضم إلى مجموعة الحكماء، وهي مجموعة تضم شخصيات من قادة العالم، من أجل الاستفادة من خبراتهم وحكمتهم للتعامل مع مشكلات العالم.

كان ضمن قائمة مراقبة الإرهاب الأمريكية حتى عام 2008، قبل ذلك التاريخ لم يكن مانديلا وأعضاء آخرون في قيادة حزب المؤتمر الأفريقي قادرين على زيارة الولايات المتحدة دون ترخيص خاص من وزير الخارجية. فقد كان الحزب مصنفاً كمنظمة إرهابية من قبل حكومة الفصل العنصري (الأبارتيد) في جنوب أفريقيا.

وفي عام 2008 أعربت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كونداليزا عن امتعاضها من الأمر قائلا إنه “ينطوي على إحراج كبير”. ثم ألغي التصنيف بقانون وضعه رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، هاورد بيرمان.

وكان الرئيس السابق، رونالد ريغان، هو الذي أضاف المؤتمر الوطني الأفريقي الى القائمة في الثمانينيات.

وظهر تدخله في الأعمال الخيرية خلال السنوات التي تلت عام 2005 بعد وفاة ولده الباقي على قيد الحياة ماكجاثو، ففي الوقت الذي كان الحديث عن الإصابة بوباء الإيدز من المحرمات في البلاد، أعلن مانديلا عن وفاة ولده مصابا بالإيدز.

وقد جعل هذا جنوب إفريقيا تتعامل مع مرض الإيدز على أنه واحد من الأمراض العادية.

وأصبح أول جنوب إفريقي توضع صورته على أوراق النقد عام 2012 في شهر نوفمبر/تشرين الثاني.