إليهم ... من العبث بقلم: صفاء نقد التغيير، سنسلط الضوء، على الادب النسائي السوداني، من الرائدة العظيمة، ملكة الدار، وحتى الأجيال المعاصرة، والتي تنوعت كتابتها بين المحكي والمسرود، والسيرة، وعكست فيها المرأة السودانية تطورا عظيما في المتن الروائي والقصصي، في شتى شئون الحياة،

وسنعرض نماذج لزينب بليل، ملكة الدار، رانية مامون، وليلى صلاح، صباح سنهوري، صفاء نقد، وأخريات،  سجلن في أدبهن الرفيع، أختلجات العقل السوداني، ونبض قلبه الفريد، أن قصة “الحكيم” لملكة الدار، تعتبر أول وأنضج قصة نسائية كتبت في بلادي، وهي برمزيتها، تعني فما تعني مقاومة التغير المجتمعي، في مجتمع ريفي، سنتطرق لها لاحقا.

 

ويسرنا، أن نتبدئي بكاتبة من مدينة مدني، صفاء نقد.

إلى أصدقائي
المفعم و ريري الحبيبة
أكنزوا من المسك ما شئتم
فالعالم مشغول بنفخ الكير

السير على الرمال مثل شرب الماء المالح يملأك بالمشي و يتخمك بالتعب…لن أمَل المشي! فمازال الجو معتدلاً .الرمال من تحتي تطالها ألسنة الموج و لكنها يابسة و البحر يتمرغ من فوقها يحاول عابثاً أن يملأها بماءهـ مازلت أمشي يتصبب عرقي…يسيل فيندمج مع ماء البحر…فيصبح زبدا .عندما أصل عند تلك الشجرة سأتوقف عن السير هكذا ألهمني شيء ما لا أذكره.نظرت حولي لم يدعمني فراغ المكان إلا بالمزيد من الفراغ فأخرجت أدوات عزلتي و خلعت حذائي و طَفقَت خطاي نحو الشجرة ،أوراقها الخضراء تداري نوع ما من الثمار لم أدري ما هو…أحسستها فاتحة ذراعيها تبتسم لي وتدعوني أن أركض تحولت تلك الخطوات المتئدة إلى هرولة ثم إلى ركض…الرمال توجعني و تلتصق بقدمي فتصنع لي حذاء جديد أثقل من (بوت) جندي مهزوم هارب…، أحاول أن استسلم و أتوقف فيأتي البحر يغسل ما علق بقدمي و يدفعني إلى المزيد من المشي .
مَنْ الذي قادني إلى هذا الفراغ؟,أو سأقول ما الذي قادني إلى هذا الشاطئ ؟… هل لفظتني تلك الأمواج مثل حطام سفينة و أودعتني الرمال و الجري ؟…أم أنا من عرّجتُ عن ضوضاء الإسفلت و زيفه و أتيت مثل عاشق حالم مهجور لأجلس و أجتر الذكرى فلم أجد سوى حلم جديد يجرني لأن أمشي فقط .
توقفت، نظرت إلى قدميّ وجدتهما مثقلتان بالرمال … نظرت إلى البحر لملم موجه كأنه في لحظات(Break)  تطلعت نحو الشجرة مازالت بعيدة و مبتسمة…فاض علي الكسل بفرح لذيذ فجلست
الطائران المحلقان هناك ببريقهما الزائد أضاءا فيّ حضور أصدقائي(المفعم) و(ريري) …أخذت أشخبط بأصابعي على الرمال و أنا اهمس لهم (سأظل عند رأي بان المكان كثير المراوغة والتلاعب قوي التأثير) ،ابتسمت عندما جاءني صوت (المفعم) و هو يقول لي (الزمن متغير و المتغير أكثر تأثيراً من الثابت) همست له بقناعة تامة كأنه معي (المكان ثابت متغير…المكان يا صديقي مصنع الشوق و الغربة..)….(ريري) بهدوئها الحكيم فضت الجدال عندما قالت (الزمان والمكان مثل الروح و الجسد) ،نظرت إلى ما فعلته من شخبطة عرفت أن الرمال مرنة سهلة الحراك ،موجة هادئة مرت عليها محت ما رسمت ،عرفت أن الرمال ضعيفة أيضا .
إنفجرت بداخلي الذكريات فتطاير الحنين أشلاء .الإحساس يذهل أي منطق…اختفى الزمان والمكان و بقى منطق واحد صحيح (كان إثنان يساوي واحد فأصبح الواحد إثنين) …نظرت خلفي ما قطعته من مسافة كبير جدا و مازالت الشجرة بعيدة . أنا و (ريري) و (المفعم) افترقنا عند محطة الوقود ترى أين ذهب كل منهم ؟! .البحر عاوده النشاط فأغتسل التعب,همَّ الطريق بي و هممَّتُ به فعاودت قدماي معانقة الرمل.مثل تائهة تسابقت خطاي تنشد الظل….رفعت رأسي المساء وحده ما يسيطر على البحر وشاطئه…كل المكان ظل، إذن كتائهة من الظل تنشد الظل تسابقت خطاي.
كلما تقترب الشجرة ترتفع الكثبان…يفيض عليها البحر بموجه و يصير الطريق منبسط فتكبر المسافات, تثاقلت قدماي… و وشمتني المسافات بالركض .
افترقنا عند محطة الوقود!…يا ترى هذه المحطة خلف تلك الأنوار و الزخم…أم أنها في سفر بعيد خلف هذا الإمتداد اللامتناهي من الماء ؟! أٍٍٍٍٍٍسهل الأسئلة دوما لا إجابة لها .إذن قد أكون قبطان بليد أو تائهة معتوهة…لا يمكن أن أكون قبطان إذن أنا لست بليدة هذا يعني بأني تائهة معتوهة…. ياآآآه قد جئت من خلف تلك الأضواء تذكرت…فانا دائما أتحدث إلى أولئك الطافون على سطح الإسفلت عن حالة الطقس…لا يوجد بيننا لغة أخرى
اقتربت الشجرة …البحر ممتلئ بالغربة و السفر ،والموج يلعق الشط في صمت،رائحة أليفة و عطرة تداعب أنفي.الشجرة أكثر قربا لكني لم أعرف نوعها .ما بيننا أقل من خطوات الرائحة العطرة تدفئ المكان صوت ضحكات أعرفها جيداً وأصوات عذبة و حنونة تأتي من جهتين صوت (المفعم) يقول أنا إقتربت من الشجرة (ريري) تقول أنا إقتربت من الشجرة …
تَعَالى صوتي أيضا وأنا أصرخ بفرح يحاكي إحساسهم أنا إقتربت من الشجرة لقد إلتقينا ثلاثتنا تحت الظل !!! سألته

كيف إلتقينا هكذا ؟ !!

(ريري) تعبئ المكان بضحكاتها الدافئة .و (المفعم) يجيبني ضاحكا

– إتفقنا على أن نلتقي
سألته ثانية
– يعني إتفقنا على أن نلتقي صدفه؟
ردت عليّ (ريري)
– لا…إتفقنا على المكان
هذه المرة ضحكت معهم والشجرة تمتلئ بالوصول قلنا ثلاثتنا (لو إتفقنا على الزمن ما كنا إلتقينا)…