خالد فضل الحالة الراهنة فى سودان اليوم تشير دون لبس الى بلوغ البلاد الى أقصى ما يمكن أن يبلغه بلد من حالات الضعف , لم يبق بعد هذا الا انفراط العقد تماما في جميع أرجاء البلاد , وتحولها الى حالة صومالية جديدة, والغريب أن خطب الساسة الحاكمين ومن لف لفهم من أبواق الدعاية الفارغة يواصلون العزف على مقطوعة مشروخة ملتها أسماع الناس  من كثرة الترديد .

فها هو د. نافع علي نافع يحدث الشعب من المتمة عن السودان الذي هو في أقوى حالاته, ويبدو أن معايير القوة للبلاد تختلف اختلافا لا علاقة منطقية بينها , فالسيد نافع يبدو منتشيا على خلفية , استعراض عسكري ضخم أجراه جهاز الأمن والمخابرات قبل عدة أيام فى شوارع الخرطوم , وفي خطابه أمام عساكره المستعرضين , تباهى نائب مدير الجهاز بقوة جهازه الضاربة فى صون الحدود وحفظ الدولة وردع الأعداء , أي أن جهاز الأمن قد صار في محل القوات المسلحة ودوره تأدية مهامها, وفي الدستور الانتقالي الذي تمخض عن اتفاقية السلام الشامل 2005م وصف دور جهاز الأمن بأنه جهاز خدمي مهمته جمع المعلومات وتحليلها ووضعها على منضدة متخذى القرار . فهل تحول جهاز الأمن الى قوات مسلحة بمهام قتالية, وكذا تحول جهاز الشرطة من خدمة شبه مدنية الى قوات مسلحة مقاتلة  يعتبر من أوجه قوة البلاد أم من دلائل ضعفها ؟وهل كانت ليبيا على عهد المرحوم القذافي قوية وكتائبه تذود عن حكمه حتى آخر لحظة؟ لتتحول ليبيا بعده الى كانتونات تسيطر على كل جزء منها فصائل مسلحة وتتضعضع قوة الدولة حتى لتكاد تتلاشى أحيانا , وينخفض انتاج النفط الى أدنى مستوياته , وتهيمن الفصائل المسلحة على موانئ تصديره , والسبب كما هو واضخ أن القذافي كان يحسب قوة بلاده بذات منطق نافع أي قوة الردع السياسية المسلحة التي تدين له بالولاء, بينما  لا وجود لاجهزة الدولة الحديثة ومؤسسات الحكم الرشيد ذات الفعالية وليس صور كرتونية كما هى الان اجهزة الحكم فى السودان الذي يعج بالمسميات خاوية المضمون , كالبرلمان والخدمة المدنية والسلطة القضائية والإعلام الحر , بل حتى هياكل السلطة تشكو فراغا داخل المخ (كما فى قول لمظفر النواب) فالحكم الفيدرالي الذي يعني تمليك السلطة وتوزيع الثروة بعدالة بين الأقاليم المختلفة صار مفرخة للجهويات واستعار أوار التمزق القبلي والإثني  وتحول الى مرتع خصب للترضيات والرشاوي السياسية , فبات السودانيون الذين هم (في أقوى حالاتهم)! يبيتون على رقم ولايات ويصبحون على رقم جديد زائد , بل يتم نقل الولاة من الولايات التي يفترض أن الناخبين قد انتخبوهم فيها الى ولايات أخرى مثلما كانت تفعل وزارات الخدمة المدنية  زمان على أيام (كان السودان في أضعف حالاته بمعكوس حديث د. نافع) , فهل هذه من علامات القوة الكبرى أم من مؤشرات الضعف البائن؟ وهل القوة كما في ظن نافع ووعيه هي قدرة قواته الخاصة فى قتل أكبر عدد من المدنيين المتظاهرين سلميا فى شوارع المدن وفي زمن وجيز لقمع أحد وسائل التعبير (المظاهرة) والتى تعتبر من حقوق الانسان البدهية , فهل الدولة التى تنتهك حقوق الانسان وتهدر حقوق مواطنيها بما فيها حقهم فى الحياة هل هذه دولة فى اعتى حالات قوتها أم دليل قاطع على فشلها وفسادها وانهيارها ؟ وهل الدولة تكون فى أقوى أوقاتها ورئيسها مطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية للاشتباه في مسؤوليته عن جرائم حرب وابادة جماعية وتطهير عرقى لجزء من شعبه ؟ هل مجرد الاشتباه بمثل هذه الجرائم يعتبر عنوان قوة للدولة (التى هي في أفضل حالاتها)؟ وهل من معايير قوة الدولة المعتمدة لدى الاستاذ الجامعي المرموق والاكاديمي المميز فى علم الوراثة بكلية الزراعة جامعة الخرطوم , فساد تقاوى القمح للموسم الشتوي الحالي في مشروع الجزيرة ؟ هل من معاييره لقوة الدولة فساد هيئة الأوقاف الإسلامية الذي تتداوله المحاكم الآن ؟ أم شبهات الفساد فى صفقات سودانير الدوارة ما بين عارف والفيحاء وهلمجرا, أم روائح السمك في سد مروي (السد الرد) تلك الروائح التي تنبعث بقلق من ( ألتي) بشمال الجزيرة؟ أم فى صفقات أموال النهضة الزراعية وحكاية كنانة مع مشروعي الرهد والسوكي؟ أم أن معايير القوة كما يزعمها أستاذنا الجامعي المرموق , أن يسبق السيل المطر , والسيف العدل, وسوء الظن الوفاء , والمشي لدى الحكام بالنميمة . من من؟ قال صلاح قوش في خطاب جماهيري وسط أهله الشوايقة (من يعتبرون أنفسهم يد الانقاذ القوية وسدنة عدلها, وحماة بنيانها), فهل هذه معايير قوة دولة السودان وحكامها على الحالة التي وصفها بهم زميلهم صلاح قوش؟ وحتى الطيب مصطفى (داعية الكراهية الأكبر فى العصر السوداني الردئ هذا) يقول إن ابن أخته الرئيس دكتاتور تتبعه بهائم في حزب المؤتمر الوطني .( ونافع هو يد ذلك الحزب القوية ومتنفذه المرهوب) , فهل يرى نافع في كل ذلك قوة ؟ أم في قصف الانتنوف والسوخوي لفرقان الغلابة وكراكير النوبة وقطاطي المدنيين , وحرق القرى واغتصاب النساء واطلاق يد الجنجويد والاستعانة بالاصوليين والارهابيين , وتشوين المليشيات , هل فى ذلك ما يدل على قوة للدولة تستحق التباهي ؟ أم أن الحقيقة المفزعة تقول عكس ذلك تماما , عجز الدولة وفشلها وهوانها وقلة حيلتها ووضاعة منزلتها بين الدول , حتى أضحت حروبها الأهلية تكلف المجتمع الدولي مليارات الدولارات سنويا في شكل اغاثات وغذاء وكساء ودواء وجنود وموظفين , وتستهلك أوقات مجلس الأمن الدولي فى صياغة قرارات الإدانة تلو الإدانة , ومجلس حقوق الإنسان يبدل فى الحالة من مقرر الى مبعوث ومن مراقب الى وصي والدول تعين فى المبعوثين شئ (أمريكي , وروسي , وصيني. وبريطاني, وأممي |أفريقي إلخ إلخ…… ) فهل هذه من علامات القوة الكبرى لا حول!!!!!!!!!!!. والتصنيف الدولي الذي باتت مراكزه الطيش حكرا دائما  من تصنيف الجوع الى الفساد الي حرية الصحافة الى رأس القائمة ماشالله في (معدلات النزوح واللجوء والايدز إلخ إلخ) فهل هذا مما يسعد فتى النافعاب وأستاذ الجامعة المميز؟ أم , ربما كان للقوة معايير لم أطلها بفهمي , تجعل من أهل الحكم يتباهون  بأن السودان فى أقوى حالاته , وقد انفلق الى قسمين وتعلو دعوات انقسام تالية , وتتعارك القبائل كل صباح جديد في هذا السودان القوي الحديد !!!!!!!!!.