محمد محمود لم تكن مسيرة مانديلا الطويلة للحرية مسيرته وحده وإنما مسيرة كل شعبه، وهي لم تبدأ به ولم تنته بعد. كان مانديلا، مثل كل العظماء الذين ساعدوا على صياغة التاريخ وتغيير مساره، واسطة عقد بين الماضي الذي وَرِثَه والحاضر الذي كابده والمستقبل الذي ظلّ يحلُم به.

ولقد كان من الممكن لمانديلا أن يعيش حياة وادعة هادئة رغدة كزعيم قبلي محلي، إلا أنه اختار دربا آخر هو درب التحرير بكل أشواكه وآلامه وتضحياته، وكان على استعداد ليضحّي التضحية الكبرى ويموت من أجل قضيته. إلا أنه لم يمت وانتصر.

وكان انتصاره انتصار فريدا، فهو لم ينتصر على عدوه ويهزمه فحسب وإنما مدّ يده لعدوه في تضامن إنساني فريد عندما أعلن “إن ما فات قد فات” (“let bygones be bygones”). بهذه الجملة البسيطة أدخل مانديلا عنصرا سحريا في كيمياء جنوب إفريقيا، وهي جملة ما كان من الممكن أن يقولها إلا مانديلا لتصبح قانونا أخلاقيا يحترمه كلّ السود في جنوب إفريقيا. لقد كان مانديلا وهو يتعرّض لإذلال السجن على مدى سبعة وعشرين عاما في غاية التماسك والصلابة. عجز جلادوه كل هذه السنوات أن يصلوا لشيء في دواخله ظل متماسكا وصلبا — عجزوا عن الوصول لهذه الشيء وتفتيته. وإذ بالتماع هذا الشيء وتألّقه يخطف أبصار العالم ومانديلا يتفوّه بهذه الجملة البسيطة — فالشيء الذي ظل مانديلا يحمله في أعماقه هو قطعة ماس تختلف عن الماس الذي يبحث عنه نظام الفصل العنصري وهو يغتصب أرض جنوب إفريقيا ويستبيح إنسانها. قطعة الماس التي حملها مانديلا في دواخله كانت وعيا صافيا ورائقا بالضرورة الحيوية للتمسّك بمبدأ الحرية ومبدأ رفض الاستغلال. لقد جسّد نظام الفصل العنصري نظاما من أسوأ الأنظمة وأبلغها في الانحطاط الأخلاقي، فهو لم يعرّض أجساد الأفارقة لبشاعات نهبه الرأسمالي فحسب وإنما أخضع وعيهم أيضا لعقيدته العنصرية التي حوّلها لقوانين وقواعد للتعامل والسلوك. ولكن مانديلا أدرك إدراكا عميقا أن حريته هو كضحية لا تتحقّق تحقّقا كاملا إلا بحرية الجلّاد أيضا، فمفارقة التاريخ كانت تشير أن مانديلا المسجون كان هو الحرّ الحقيقي الذي لم يهزمه الخوف وأن نظام الفصل العنصري كان هو الخائف والمحبوس دوما في سجن الإدانة الأخلاقية للضمير العالمي. وعندما خرج مانديلا من سجنه (وكان سجن مانديلا قد تهاوى في واقع الأمر قبل لحظة خروجه الفعلية ومنذ أن بدأت المفاوضات السرية معه) كان بإمكانه أن يبعث جلاديه وسجانيه بقوة القانون ليحلوا محله في السجن. إلا أنه اختار غير ذلك — اختار أن يهدم السجن وأن يكون دربه هو درب الغفران والعفو والسماح. لم يكن ذلك الغفران الذي شعّ من ماسة مانديلا بلسما لجراحه وحده وإنما كان أيضا بلسما لجراح كل ضحايا الأمة ولتشوّهات كل جلادي الأمة.

ورغم أن مانديلا هيّأنا لموته، إلا أن لحظة توقف نبضه كانت لحظة جعلت كل العالم يتوقّف ويتحسّس نبضه. وما جعل العالم يتوقّف هو قوة قصة مانديلا والإشعاع الباهر الذي صدر عنها. إن قصة مانديلا تمسّ أنبل ما في دواخلنا، إذ أنها لا تمسّ فحسب قدرتنا على مقاومة الظلم والصمود بلا انكسار في وجهه (وهو صمود يعكس البطولة الإنسانية) ولكنها تمسّ أيضا قدرتنا على التغلّب على ذلك التشوّه النفسي والأخلاقي الذي يفرزه القهر والارتفاع فوقه ونحن نستمسك بأهداب إنسانيتنا (وهو موقف يعكس أفضل وجه للأخلاق الإنسانية).

لقد ترك مانديلا وراءه تَرِكَتين ثقيلتين: تَرِكَة الحرية وتركة العدل الاجتماعي. أما الحرية فقد تم إرساء قاعدتها الصلبة الأولى بالإصرار على الديمقراطية ومبدأ الصوت الواحد للمواطن الواحد الذي قضى نهائيا على نظام التفرقة العنصرية، كما تمّ إرساء قاعدتها الصلبة الثانية عندما تبنّت جنوب إفريقيا دستورا يستند على أرقى وأسمى المباديء الدستورية ويحمي كلّ الحريات والحقوق الأساسية. إلا أن قيام البنيات الديمقراطية وإقرار الدستور لا يعني أن الحرية قد وصلت لبرّ الأمان ولم يعد ثمة خوف عليها في جنوب إفريقيا. إن قوى اليمين الأبيض لا زالت متربّصة وإخفاقات المؤتمر الإفريقي الوطني من الممكن أن ترتدّ وينفرط العقد. إن تركة الحرية تركة ثقيلة لأنها تحتاج لسهر مستمر ويقظة لا تنقطع.

أما تركة العدل الاجتماعي فقد كانت العقدة التي استعصت على مانديلا وتركها للأجيال اللاحقة. دخل مانديلا السجن وهو يحمل حُلْميَ الديمقراطية والاشتراكية. وعندما خرج من السجن خرج لعالم مختلف اضطره للتنازل عن حُلم توزيع الثروة. وتوزيع الثروة هو الهدف الكبير في جنوب إفريقيا الذي فشلت صفوة المؤتمر الإفريقي الوطني بزعامة ثابو مبيكي وجيكوب زوما في تحقيقه والذي لا زالت تقاومه الأقلية البيضاء في تجليها الرأسمالي المستغِل الذي يرفض التنازل عن الامتيازات الاقتصادية الموروثة عن نظام الفصل العنصري. ولأن اللامساواة السياسية لا تنفصل عن اللامساواة الاقتصادية فإن هذا هو التحدي الكبير والتركة الثقيلة الأخرى التي تواجه مسيرة الديمقراطية والمسيرة الطويلة للحرية في جنوب إفريقيا.

محمد محمود أستاذ سابق في كلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.

mohamed.mahmoud@criticalcentre.org