د. زهير السراج * مهما حاولت الآلة الاعلامية التابعة للمؤتمر الوطنى تجميل صورة التغيير الحكومي الجديد ومحاولة ايهام الرأى العام بانه جاء من باب اتاحة الفرصة للشاب للعب دور فى قيادة البلاد او أى من هذه التبريرات المحفوظة

إلا ان خروج قيادات تاريخية ومهمة مثل على عثمان محمد طه ونافع على نافع رغم التراجع  الكبير لنفوذهما فى السنوات الاخيرة، بالاضافة الى خروج اشخاص نافذين ذوى كلمة مسموعة داخل الحكومة والحزب بحكم الملفات المهمة التى كانوا يتولونها مثل دكتور عوض الجاز وزير الطاقة .. لا يمكن اطلاقا تفسيره من باب اتاحة الفرصة للشباب.

* لو نظرنا الى السيرة الذاتية لعدد من المسؤولين والوزراء الجدد لاكتشفنا من الوهلة الاولى وبدون عناء خلفياتهم العسكرية والامنية بدءا من نائبى الرئيس مرورا بوزيرى القصر والداخلية وانتهاء بوزيرى الكهرباء والزراعة، كما انهم لصيقوا الصلة بالرئيس البشير فبعضهم زامله فى القوات المسلحة مثل نائبه الاول الفريق بكرى حسن صالح ووزير الدفاع  الفريق عبدالرحيم محمد حسين وهما كما يعرف الجميع من من اقرب اصدقائه ومحل ثقته فى الوقت الحالى ومن النادر جدا ان يتواجد الرئيس فى مكان ولا يكونا فيه سواء داخل او خارج السودان خاصة الفريق بكرى الذى حل محل الاستاذ على عثمان محمد طه فى منصب النائب الاول لرئيس الجمهورية..!!

* وبعضهم عمل مع الرئيس عن قرب سواء فى الحزب او الحكومة مثل وزير شؤون القصر الجديد وصاحب الخلفية الامنية صلاح ونسى الذى كان مديرا لمكتب البشير فى المؤتمر الوطنى بعض الوقت، وكان قد سانده فى وقت سابق ابان المفاصلة التاريخية مع الترابى فى عام 1998 حينما كان نائب رئيس قطاع الطلاب فى الحزب ثم تولى فيما بعد ملف الحركات الارهابية داخل جهاز الامن وهو من الشخصيات المقربة جدا من الرئيس البشير .

* وبعضهم مثل وزير الكهرباء الجديد معتز يوسف كان اليد اليمنى لاحد أكثر المقربين من الرئيس البشير فى الحكومة السابقة وعديله  الوزير السابق للكهرباء والسدود اسامة عبدالله الذى وان خرج من التشكيل الحكومى الحديد فهو موجود بشكل او بآخر سواء من حيث صلة الصداقة والنسب التى تربطه بالرئيس البشير او صلة الصداقة التى تربطه بخلفه الوزير الجديد. 

* قد لا يعرف الكثيرون ان الرئيس البشير وان وصل الى السلطة على حصان الحركة الاسلامية ثم ارغمته الظروف او قلة الحيلة على الاعتماد على الحركة الاسلامية او لنقل بعض قياداتها، فى ترسيخ سلطته، ولكنه لا يثق فىها ولا فى قادتها خاصة بعد الملابسات التى قادت الى المفاصلة الشهيرة مع الترابى فى 1998، لذا ظل محتفظا برتبته وهيئته العسكرية وقرب اليه عددا من زملائه واقرانه فى الجيش والاجهزة العسكرية الاخرى واعتمد عليهم فى ادارة الاجهزة الحساسة فى الدولة تحت مسؤوليته المباشرة بعيدا عن اجهزة الحزب.

*  كما احتفظ بمسافة بينه وبين قيادات الحركة كل من حاول الاقتراب منها احترق، كما حدث للترابى ثم غازى صلاح الدين عتبانى وعلى عثمان محمد طه  اللذين كانا رأس الرمح فى التخلص من الترابى، واخيرا نافع على نافع وغيره من قيادات الحركة الاسلامية، ولقد زادت هذه المسافة اتساعا كما زادت قبضة البشير على السلطة بعد احداث دارفور وما جرته من تبعات دولية على السودان ومن بينها المحكمة الجنائية الدولية التى شكلت قراراتها تهديدا مباشرا للبشير واثارت مخاوفه وجعلته يزداد تمسكا بالسلطة ويحيط نفسه بشخصيات معظمها ذات خلفية عسكرية او امنية وبعضها ذات خلفية دينية اصولية متشددة، يثق فيها وفى اخلاصها له، كما سعى للتقارب مع زعيمى حزبى الامة والاتحادى من اجل اسباغ المزيد من الحماية له فى حالة حدوث اى عارض داخلى او خارجى، وقد كان لهذا التقارب دور واضح فى اجهاض انتفاضة سبتمبر التى لو اعلن اى من زعيمى الحزبين عن تأييده لها لتغيرت طبيعتها ونتيجتها بكل تأكيد.

 * ولقد زادت مخاوف البشير بعد انتفاضة سبتمبر خاصة مع التغييرات التى شهدتها المنطقة من رفض لحكم الاخوان المسلمين وتأييد دول ذات وزن مثل السعودية والامارات لهذا الرفض .. فكان لا بد للبشير ان يتجه اتجاها مماثلا يضرب به عدة عصافير فى وقت واحد، اولها التخلص من قيادات لا يثق فيها، ثانيا احكام قبضته على السلطة، ثالثا توجيه رسالة الى العالم الخارجى بأنه مستعد لتغيير سياساته وتحالفاته الداخلية والخارجية، ورابعا اعطاء احساس للناس بامكانية حدوث التغيير الذى ربما يقود الى نتائج ايجابية فى المشهد السياسى والاقتصادى فى البلاد، فجاء التشكيل الوزارى بلونيته العسكرية وخلوه من رموز الحركة الاسلامية الذين بارت تجارتهم فى الاسواق المحلية والعالمية معبرا عن مخاوف البشير وعن آماله بامكانية تحقيق اهدافه .. وهو ما يجعلنى اقول بالفم المليان انه انقلاب عسكرى كامل الدسم ضد رموز الحركة الاسلامية هدفه الرئيسى هو احكام قبضة البشير على السلطة، وستثبت لنا الشهور القادمة صحة هذا الكلام .. !!

* ولكن يبقى سؤال: هل ستتحقق اهداف البشير من انقلابه الثانى، ام تتبدد فى الهواء كما تبددت اهداف انقلابه الاول فى 30 يونيو 89 ؟!

* المستقبل وحده هو القادر على اجابة هذا السؤال ..فلننتظر ونر ماذا سيحدث ..!!