أمل هباني *رحل مانديلا  بعد رحلة حياة طويلة ،شائكة وشاقة ، قاسية وجميلة ومنتصرة .... *لم يكن نلسون مانديلا بطلا فقط ..ولا مناضلا عظيما ....بل كان معلما وزعيما حتى في تعامله مع اعدائه ...

فقد كان يصر في كل لحظة ألم ومعاناة أن يثبت لسجانيه وجلاديه واعدائه أنه صاحب قضية وحلم بالحرية وتحرير شعب جنوب افريقيا باكمله من نظام عنصري ظل يرزح تحت حكمه مئات السنين …

*لذلك كان حريصا على أن يتعامل معهم بنفس كبيرة وروح سامية  ..تسمو على الحقد والكره ..والرغبة في الانتقام …

*كان يتعامل مع كل الأذى والتعذيب الذي لاقاه في معتقله الطويل والذي امتد عمرا باكمله (27 ) سنة …بروح الزعيم ..لم يكره أو يسيئ أو ينفعل ..كان يقدم دروسا لزملائه وتلاميذه عن كيف يكون المناضل في سلوكه ….غفورا ….رحيما …

*لذلك جاءت لجان الحقيقة والمصالحة التي كانت آلية الاعتراف والعقاب في الانتهاكات الفظيعة التي مارسها نظام الفصل العنصري ضد المناضلين وغيرهم من ابناء الشعب الافريقي ،بل وطالت حتى حملة السلاح من المناضلين الذين مارسوا اعمال عنف ضد سكان بيض مدنيين لا علاقة لهم بسياسات النظام …

*كانت الحقيقة والمصالحة جزء من نفث مانديلا المتسامي المتصالح …….لانه ادرك بسموه أن الحقد والكره سيقود شعبه الى مزيد من الوحل والانحدار فوق ما يعانونه من تمييز بغيض وفقر وسوء تعليم وتنمية وصحة وغيرها من المشقة والعنت المحيط بهم …

*وكانت اعظم لحظاته هي تلك التي اعلن بها انفصاله عن زوجته التي احبها وخاضا معا طريقا طويلا من النضال الشائك …وتورطت بعد دخوله السجن بسنوات في قضايا علاقات جنسية وتجنيد عصابة للدفاع عنها قامت هذه العصابة بقتل عدد من الصبيان الافارقة وتعذيبهم …

*لم يصب عليها جام حقده وكرهه متوعدا اياها بالويل والثبور لأنها خانت زعيما عظيما مثله على مستوى شخصي وعلى مستوى مبادئ النضال أذ لم تحترم حتى وجوده في السجن كثمن لتلك المبادئ

*حين انفصاله عنها حيا نضالها ودورها الذي قامت به في دعم حركة التحرر خلال حزبهما المؤتمر الوطني الافريقي …قال عن اخطائها أننا يجب الا ننسى انه ارتبط بها وتزوجها وهو رجل اربعيني وهي فتاة جذابة عشرينية ..وانها يمكن أن تتعرض للضغوط والغواية …وكانت هذه من اللحظات النادرة التي اعترف فيها مانديلا بألمه وضعفه الانساني كزوج محب لزوجته ..

*وقدم الزعيم درسا آخر في كيف أن المشقة تمنع كثيرين من أن يسودوا كما قال المتنبئ (لولا المشقة ساد الناس كلهم ) …والمشقة هنا أن تصبح نفسك كبيرة وعظيمة طيبة ومتسامحة ……تغفر لأن الخطأ فعل انساني …ولأنها قادرة على أن تضع أي فعل بشري في ظروفه الحقيقية ….

*كثير ممن يخوضون حروب التغيير في بلادنا ..وفي بلاد أخرى ..يتحولون الى طاقات من الكره والأحقاد وشخصنة القضايا الكبيرة …لم يستطيعوا ان يكونوا هامات عالية بأرواحهم ونفوسهم الكبيرة …تختلط عندهم الألوان والاتجاهات بين أن يحاربوا من أجل قضاياهم الكبيرة والتي تشبه في اغلبها نضال مانديلا ورفاقه وبين شخصنة تلك القضايا حتى تطال اقرب الناس اليهم ..حينها يفسد المناضل ويسرق ويقتل ويؤذي لأن النضال صغر نفسه وضيق همومها ولم يكبرها ويوسع رحابها ..

*مانديلا كم كان هذا العالم محظوظا لأنك عشت 95 عاما وأنت تعلمه في معظمها كيف أن رؤيتك واحلامك تتحق عبر طريقك الذي اخترته ….أن تكون كبيرا في كل موقف ..

*جون قرنق دي مبيور أبكيك  في هذا اليوم لأنك رحلت باكرا ..باكرا قبل أن يتحول حلمك الى سودان جديد …فأنت من قلائل كانوا يمشون على درب الزعيم الراحل نلسون مانديلا …درب النفوس الكبيرة والارواح العظيمة …