بقلم : برنستون ليمان*  و جون تيمين**  ترجمة : بابكر فيصل بابكر ما يزال السودان بعد إنقضاء عامين على فقدان ربع سكانه يعاني من الإضطرابات. لم يساعد إنفصال جنوب السودان في 2011 على إيجاد حل للصراعات الداخلية المستمرة  لفترة طويلة.

منذ ذلك الحين واجه نظام الرئيس عمر البشير تحدى تمرُّد مسلح يزداد قوة يوماً بعد يوم ويُعمُّق الإنقسامات الداخلية مصحوباً بمحاولات عسكرية للإنقلاب عليه من قبل عناصر في الجيش.

لقد آن أوان دخول السودان في حوار داخلي وعملية إصلاح حقيقي تفضي إلى قيام حكومة ديموقراطية عريضة تسعى لتحقيق مصالحة وطنية ذات مغزى بين كافة السودانيين. ولكن الكيفية التي يتم بها إبتدار تلك العملية تبدو في غاية الصعوبة كما كانت دوماً.

يوجد إجماع دولي متنامي بأنَّ جهود التوصل لحلول جزئية لنزاعات السودان العديدة و التي تشمل الحرب المستمرة في دارفور منذ أكثر من عشر سنوات, و العنف المتجدد في جنوب كردفان والنيل الأزرق قد فشلت, وبدلاً عن ذلك هناك إدراك متعاظم – على الأقل في اوساط المعارضين للنظام وبعض قوى المجتمع الدولي بضرورة إيجاد نهج شامل لحل تلك النزاعات, ولعلاج القضايا المهمة المتعلقة بالحكم وإدارة التنوع والمصالحة.

وبينما تجري نقاشات جادة في العديد من الدوائر داخل نظام البشير حول الحاجة للتغيير إلا أنَّ تلك المناقشات لم تمتد لتشمل أحزاب المعارضة والحركات المسلحة التي تحارب الحكومة. إضافة لذلك فإنَّ الرئيس ودائرته الضيقة ينفرون من الدخول في حوار شامل  يمكن ان يؤدي إلى زوال حكمهم, آخذين في الإعتبار إدانة المحكمة الجنائية الدولية للرئيس البشير وبعض كبار معاونيه الذين يواجهون إحتمال المحاكمة في لاهاي إذا تركوا مناصبهم في الحكم.

العقدة التي تنتظر الحل تتمثل في كيفية إقناع النظام بالدخول في حوار ذو مغزى وفي عملية إصلاح و في نفس الوقت مخاطبة قلقهم ومخاوفهم و تحفظاتهم  الشخصية.

كيفية الوصول للحوار الوطني والإصلاح :

أحد الوسائل التي يمكن البدء بها يتمثل في التركيز على المبادىء التي يقوم عليها أى حوار وعملية إصلاح. على رأس هذه المبادىء هو أن يتسم الحوار بمشاركة عريضة تستند إلى إدراك أنَّ كافة قطاعات الشعب السوداني تمتلك الحق في المشاركة في تلك العملية  بما في ذلك “الإسلاميين” الذين هم جزء لا يتجزأ من نسيج السودان السياسي وأصحاب حق مشروع في المشاركة في الحوار.

الحوار كذلك يشمل عناصر النظام الحالي الذي يحتفظ بمساندة قطاع من الشعب السوداني خصوصاً أؤلئك الذين إستفادوا إقتصادياً خلال فترة حكمه. المشاركون أيضاً يجب أن يشنملوا المعارضة المسلحة التي تقودها حالياً الجبهة الثورية السودانية, وهى تحالف يضم الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال, إضافة لثلاث حركات دارفورية رئيسية.

خطاب الجبهة الثورية يستصحب ضرورة التوصل لحل سلمي للأزمة السودانية, ولكن أفعالهم تدعو للتشكيك في إلتزامهم بالحل السلمي, ومثال ذلك هجومهم على شمال كردفان بعد ساعات قليلة من إنتهاء المباحثات الأولية مع الحكومة في أبريل الماضي.

 لقد مثَّل إنهيار المفاوضات في أعقاب ذلك الهجوم تراجعاً في العملية السلمية, كما أنَّ هذا النوع من المناورات يؤدي عادة لتقوية مواقف المتشددين داخل معسكر الحكومة الذي يرفضون الحوار. إذا أرادت الجبهة الثورية المشاركة في العملية السياسية فعليها تعظيم الدور السياسي في عملياتها وهو الدور الذي مازال حتى الآن مسخراً بالكامل لخدمة الاهداف العسكرية , كما أن عليها كذلك التقييم الصادق للإلتزام الموحَّد لمكوناتها بالتغيير السلمي.

إذا كان إلتزام الجبهة الثورية بالحوار حقيقياً فإنه يتوجب على المجتمع الدولي أن يقدِّم لها العون في مجال التدريب وبناء القدرات لمساعدتها في الإنتقال لشريك سياسي في مستقبل السودان. بالطبع ستمتعض الخرطوم من تقديم مثل هكذا مساعدة لمعارضيها المسلحين, ولكنها على اى حال مساعدة ضرورية لإنجاح أى عملية حوار سلمي.

أحد أسباب الفشل الرئيسية للمفاوضات السابقة في السودان أنها إقتصرت على الطرفين المتحاربين فقط : الحكومة والمتمردين. لضمان نجاح أى عملية حوار قومي لا بد من إشراك الأحزاب السياسية المعارضة و المجتمع المدني بصورة حقيقية في الحوار. ربما يؤدي ذلك إلى بطء العملية وتعقيدها ولكنها ستؤدي إلى إستدامة أى إتفاقات يتم التوصل إليها.

من الأمور التي تعقُّد إشراك أحزاب المعارضة في الحوار هو أنها تعاني من تباين الرؤى كما تعاني الجبهة الثورية ,و هذا مجال آخر يمكن للمجتمع الدولي ان يقدُّم فيه مساعدة من أجل تمهيد الطريق لحوار قومي.

للبدء في أى عملية حوار لابد من توفر حد أدنى من معايير بناء الثقة بين الاطراف المتحاورة خصوصاً بين الحكومة والجبهة الثورية. أحد خطوات بناء الثقة يمكن أن يكون وقف للعدائيات في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق ( وهو هدف عمل علي إنجازه دبلوماسيون عديدون في العامين الأخيرين دون تحقيق نتائج ذات جدوى ).

التنازلات المتبادلة في إطار وقف العدائيات يمكن أن تتمثل في إعلان فصائل الجبهة الثورية تعليق أعمالهم العسكرية و عدم إستخدام سلاحهم ( كما فعل حزب المؤتمر الأفريقي خلال المفاوضات في جنوب أفريقيا) في مقابل السماح لهم بالعمل بحرية كحزب أو مجموعة احزاب.

فرص نجاح هذه التنازلات المتبادلة أكبر من مجرَّد مطالبة الجبهة الثورية بالتخلي عن سلاحها كشرط أولي. يمكن لمثل هذا التوافق أن يؤدي إلى نتائج مهمة في المناطق التي لم تستطع المنظمات الإنسانية الوصول إليها لإنقاذ حياة مجموعات كبيرة من البشر في جنوب كردفان والنيل الأزرق إضافة لتشجيع الجبهة الثورية على التركيز على العمل السياسي بصورة أساسية.

كذلك سيسمح هذا التنازل المتبادل في إتاحة الفرصة للإعداد المفصًّل و الجيُّد لعملية الحوار والتوصول لتوافق عام حول أجندة الحوار و نطاقه و السلطة التي تتمتع بها عملية الحوار قبل بدئها. هذا المجهود سيستغرق وقتا, ربما يزيد عن سنة ولكنه جهد ضروري.

ستتمكن الدبلوماسية المكوكية الهادئة من تقريب الشقة بين الأطراف المتحاورة, كما يمكن لحوارات “المسار الثاني” ( أى الحوار غير الرسمي ) التي تقودها منظمات المجتمع المدني, والتي بدأ بعضها بالفعل, أن تمهد الطريق للإنتقال لعملية التفاوض الرسمي “المسار الاول”.

خلال فترة هذا الحوار هناك أسئلة مركزية لا بد من الإجابة عليها : هل يؤسس الحوار لمبادىء يتم على اساسها قيام عملية سياسية ؟ أم هل ستتم صياغة دستور جديد عبر عملية الحوار نفسها ؟ هل هناك حاجة لقيام سلطة إنتقالية للحكم والإدارة في مرحلة معينة من مراحل عملية الحوار ام خلال كامل فترة الحوار ؟ كيف يمكن تحويل نتائج الحوار إلى قانون أو سياسات قابلة للتطبيق في المحصلة النهائية ؟ ما هى الآليات التي يمكن وضعها لضمان الشفافية وبناء الثقة لضمان أن القادة المتحاورون يعملون على الخروج بقرارات تخدم السودان وليس مصالحهم الخاصة ؟ كيف يمكن إبلاغ المواطنين ومشاورتهم حول موضوعات الحوار و القرارات التي تصدر عنه ؟

يمكن للأطراف الخارجية أن توفر مقترحات للإجابة على هذه الأسئلة, كما ان هناك العديد من نماذج عمليات الحوار التي تمَّت في مناطق اخرى يمكن أن يتم الإسترشاد بها, ولكن الإجابة النهائية على هذه الاسئلة يجب أن تأتي من قبل السودانيين أنفسهم. 

إذا شاركت كل المجموعات المعنية في عملية الحوار فإنهُ من المستبعد أن يتوصلوا إلى إجماع كامل آخذين في الإعتبار التاريخ الطويل والإنقسامات العميقة بينها. وإذا كان ذلك كذلك فإنَّ على السودان أن يستلف مفهوم “الإجماع الكافي” الذي تولد عن عملية التفاوض الطويل لإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. لقد شارك في تلك المفاوضات مجموعات عديدة بجانب جماعات المصالح الذين لم يكن متوقعاً أن يتوصلوا لإتفاق عريض, ولكن كان مفهوماً أنه يمكن التوصل ل “الإجماع الكافي” إذا توصل طرفا المفاوضات الرئيسيين – المؤتمر الوطني الإفريقي والحزب الوطني لإتفاق. ولذا يتوجب على السودانيين أن يقرروا ما هي التركيبة الملائمة للأطراف التي يمكن ان تشكل “الإجماع الكافي” في سياق أوضاع بلدهم.

المشهد السياسي السوداني يتضمن تعقيداً إضافياً حيث ستجري إنتخابات عامة في 2015, وبما ان ذلك يتطلب أن تنتهي عملية التفاوض خلال عامين فإن هذا الامر يبدو غير وارد في ظل العقبات العديدة التي تقف في طريق العملية التفاوضية إضافة لإتساع نطاق القضايا التي تجب مناقشتها, مع الوضع في الإعتبار حقيقة أن عمليات التفاوض الناجحة في أماكن أخرى إستغرقت عدة سنوات أو أكثر حتى تتوصل لنتائج ملموسة و ذات مغزى.

لذا يتوجب أن لا ينظر لإنتخابات 2015 وكأنها غير قابلة للتغيير, كما أنه يتوجب كذلك أن لا يسمح للنظام بشرعنة حكمه عبر إنتخابات غير نزيهة كما حدث في 2010. بدلاً عن ذلك فإنه إذا كانت هناك مفاوضات تجري بمشاركة كل الاطراف وتحقق نجاحاً فمن الأجدى النظر في إمكانية تاجيل الإنتخابات لمدة أقصاها عامين.

المساعدة الخارجية من أجل تحقيق التغيير الداخلي :

من غير الوارد أن تبادر الأطراف السودانية بالشروع والإستمرار في عملية حوار من تلقاء نفسها. المراقبة الخارجية والدعم يجب أن تأتي بصورة أساسية من  الآلية الأفريقية رفيعة المستوى التي يرأسها ثامبو أمبيكي والتي تم تأسيسها في العام 2010.

لقد ركزت الآلية الإفريقية معظم جهودها للوساطة في المفاوضات بين السودان وجنوب السودان في قضايا ما بعد الإنفصال الصعبة وقد حققت نجاحات ملموسة. لقد تم مؤخراً تمديد تفويض الآلية حتى يناير 2014 ولكن من المفترض أن تعيد تركيز إهتمامها على إنقسامات السودان الداخلية التي أبدى الرئيس أمبيكي إهتماماً بالعمل على علاجها.

لقد كتب أمبيكي في تقريره المرحلي الأخير ( تقترح الآلية الدخول مع كل من حكومتي السودان وجنوب السودان في حوار حول أجندة كل منهما لعمليتي الإصلاح الديموقراطي والدستوري ).

يجب أن تلعب الوساطة دور المرشد والمناصر لعملية حوار بمساندة كاملة من مجلس الأمن والسلم الإفريقي الذي سيكون أعضاؤه حريصون على وقف التواجد المستمر لأزمات السودان التي لا تنتهي في أجندة اعمالهم. سيكون الرئيس أمبيكي و الوساطة الإفريقية مفيدين على مجه الخصوص في التحضيرات المفصلة لمرحلة ما قبل الحوار نسبة لخبرته السابقة في عملية الحوار والإصلاح بجنوب إفريقيا في عام 1990.

يجب توسيع فريق الوساطة الأفريقية  وتأسيس آلية مساعدة لمراقبة تنفيذ الإتفاقيات التي سيتم التوصل إليها بين السودان وجنوب السودان والتي لا يجب ان تخضع لعمليات إعادة تفاوض مستمرة. ومع ذلك فإن هناك حدوداً للدور الذي يمكن أن تلعبه الأطراف الخارجية في عملية الحوار الداخلي.

تاريخ الإتحاد الإفريقي ليس طويلاً في مساندة التغيير السياسي الداخلي بالحجم المطلوب في السودان. يمكن أن يلعب الإتحاد دور الميسِّر والمحرِّض و المقدم للخبرة الفنية المطلوبة, ولكن في النهاية سيقتصر دور الاطراف الخارجية على خلق الظروف المواتية للسودانيين حتى يقودوا العملية بأنفسهم والمساعدة في توسيع أفق صناع القرار متى ما كان ذلك ممكناً. إذا لم يقود السودانيون عملية الحوار فإنها سريعاً ما ستفقد مصداقيتها وستصبح مجالاً للإتهامات المفتوحة بالتدخلات الخارجي – وهى التهمة المفضلة للنظام.

ستحتاج أى عملية حوار كذلك لمخاطبة “الفيل الذي بداخل الغرفة” والذي يتمثل في هذه الحالة في إدانة محكمة الجنايات الدولية للرئيس البشير وبعض كبار معاونيه حتى يتمكن السودان من تطبيع علاقاته بصورة نهائية مع المجتمع الدولي.

إذا أنتجت عملية الحوار والإصلاح حكومة ديموقراطية ذات قاعدة عريضة فإنها ستكون في وضع يسمح لها بالتفاوض مع المحكمة الجنائية لمحاكمة المتهمين داخل السودان أو عبر عملية مشتركة مع المحكمة نفسها. إذا بدأت عملية حوار ذات مصداقية فإن بإمكان مجلس الأمن الدولي النظر في إحالة مؤقتة للإدانات على أساس المادة 16 من نظام روما الأساسي. ولكن في النهاية لا يمكن التضحية بإعتبارات تطبيق العدالة.

إذا إنطلقت عملية حوار حقيقي فإنَّ على المشاركين فيها مباشرة أو الذين يتابعونها ان يظهروا قدراً من الصبر والإحتمال لعمليات المد والجزر التي تتسم بها العملية. أكبر المخاطر يتمثل في محاولة النظام التلاعب بعملية الحوار من أجل أهدافه الخاصة أو إجهاضها بصورة كاملة إذا بدأت في السير نحو الوجهة التي لا يرغب فيها. لذا يتوجب تجهيز إستراتيجيات التعامل مع كلا التهديدين.

على الرغم من أن فرص نجاح حوار وطني واصلاح  شامل ليست كبيرة, إلا انها تعتبر الطريق الأمثل لبلد ليس أمامه الكثير من الخيارات. بدون عملية كهذه فإنَّ حظوظ السودان تبدو ضئيلة في كسر دائرة عدم الإستقرار المدمرَّة.

 

 

 

 

*المبعوث الخاص السابق للرئيس الامريكي في السودان.

**مدير برنامج السودان بمعهد السلام الأمريكي.