مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم أشرنا إلى أنّ الله هو المطلق في كلّ شيء، وأنّ الإنسان هو ذلك الطّرف المحدود. وأوّل علامات المحدوديّة عند الإنسان هي الجسد المادّي الغليظ. ولذا عندما يموت الإنسان يدخل وعيُه مرحلة جديدة ينال فيها قدراً لا يخطر في بال البشر من الحرّيّة والاستعداد للعروج نحو الله، أي نحو المطلق.

فالوعي في هذه المرحلة يتحرّر من ربقة الجسد، فيصبح زمنُه غير الزّمن المادّي ﴿وإنّ يوماً عند ربِّك كألف سنةٍ ممّا تعدّون﴾ [الحجّ: 47]؛ ﴿تعرجُ الملائكةُ والرّوحُ إليه في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألف سنة﴾ [المعارج: 4]؛ ﴿ثمّ يعرجُ إليه في يومٍ كان مقدارُه ألف سنةٍ ممّا تعدّون﴾ [السّجدة: 5]. ومكتوب لروح الإنسان أن تدخل في المطلق والشرّوع في مضماره بمجرّد موته. ويكون فوزُه العظيم بأن يصبح هو نفسُه جزءاً وكلاًّ من هذا المطلق. ولكن قبل حدوث هذا، على الإنسان أن يدفع فاتورة نقصه الإنساني. إذ ينكشف الغطاء عن واعية الإنسان، فإذا جميع خطاياه في حياته، حتّى تلك التي لم يدركها لعميق ركزانها في لاشعوره، تطفو في حيّز الوعي الواحد، حيث لا يكون هناك وعي مباشر وآخر غير مباشر. يصحب كشف الغطاء هذا استعادة الإنسان لضمير روحاني شفيف، عبره يدفع ثمن ما اقترف من خطايا بحقّ نفسه (أي بحقّ الآخرين)، فيدخل في تبكيت روحاني شفيف، به يصبح مثقال ذرّةٍ شرّاً بمقدار كلّ الشّرّ. هذه هي النّار التي تحرق الإنسان بعد مماته، فهي نارُ الضّمير الحيّ ﴿نار الله الموقدة (6) التي تطّلع على الأفئدة (7)﴾ [الهُمزة: 6-7]). وهذا قولٌ صدع به كثيرٌ من النّاس من قبل، بعد أن استشفّوا دلالاتِها العميقة في مراجعة مفهوم الجنّة والنّار.

في مضمار عروج الإنسان تحدّث الكثير من العلماء المسلمين الحداثويّين بطول الفكر الإسلامي عن أنّ الآخرة والنّار والجنّة لا تجري وفق ما يرد عنها من نصوص قاموسيّة. إذ لا مندوحة من تأويلها بطريقة نجرّدها بها من التّصوير الدّرامي الذي ترد به. من هؤلاء في الأزمنة الوسطى عبد الكريم الجيلي في قوله (الإنسان الكامل: 215): «اعلم أنّ للسّاعة الصّغرى علاماتٍ وأشراطاً مناسبة لعلامات السّاعة الكبرى وأشراطها. فكما إنّ من علامات السّاعة الكبرى أن تلد الأمَةُ ربّتَها، وأن ترى الحُفاةَ العُراةَ رعاءَ الشّاءِ يتطاولون في البنيان، فكذلك الإنسان، من علامة قيام ساعته الخاصّة به ظهور ربوبيّته سبحانه وتعالى في ذاته. فذات الإنسان هي الأمَةُ، والولادة هي ظهور الأمر الخفي من باطنه إلى ظاهره، لأنّ الولدَ محلُّه البطن، والولادةُ بروزٌ إلى ظاهر الحسّ. فكذلك الحقُّ سبحانه وتعالى موجود في الإنسان بغير حلول؛ وهذا الوجود باطن، فإذا ظهر بأحكامه وتحقّق العبد بحقيقة ’كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها‘، ظهر الحقُّ تعالى في وجود الإنسان، فتمكّن من التّصرّف في عالم الأكوان … «. كما ينظر إلى كلٍّ من النّار والجنّة بوصفهما تصوير رمزي لأحوال النّفس من حيث رشادها وضلالها؛ فبقدر رشادها يكون قربُها من النّعيم، ويقلّ عذابُها (النّفسي)؛ وبقدر ما كان بعدُها يكون عذابُها النّفسي أيضاً: (المرجع السّابق: 184-185): «ويناسبُها في الدّنيا الطّبيعيّة النّفسانيّة بمن تزكّى في جذبه إلى الحقِّ بالمجاهدات والرّياضات. فإن قلت: إنّ الطّبيعة النّفسانيّة قد فقدت مطلقاً، صدقت. وإن قلت: إنّها مستورة تحت أنوار التّزكية الإلهيّة، كنت صادقاً في ذلك. ثمّ نسبة المجاهدات والرياضات وما يقاسيه أهلُ الله تعالى من المشقّة في ذلك بمثابة عذاب أهل النّار وأهوالها يوم القيامة. ونسبة تنوّع عذابها وزيادته ونقصانه نسبة قوّة تمكّن المجاهدات والرّياضات والمخالفات فيمن تمكّنت الطّبيعة النّفسانيّة فيه حتّى أنّها لا تزول إلاّ بعد تعب كثير، بخلاف من لا تتمكّن من الطّبيعيّات كلّ التّمكّن، فهو كمن عُذّب أدنى عذاب وأُخرج من النّار». وهذا يتّفق مع ما قاله بعده بقرون المفكّر المعاصر محمّد إقبال (1954 :123): «الجحيم، حسب منطوق القرآن، هو ﴿نار الله الموقدة (6) التي تطّلع على الأفئدة (7)﴾ [الهُمزة: 6-7]ـ أي الإدراك المؤلم لفشل الإنسان. أمّا الجنّة فهي سعادة الانتصار على قوى التّفكّك. ففي الإسلام لا يوجد ما يسمّى بالإدانة السّرمديّة. وكلمة ’الأبديّة‘ التي ترد في بعض الآيات في معرض الإشارة إلى جهنّم، تُشرح في القرآن نفسه على أنّها تعني فقط فترة من الزّمن ﴿لابثين فيها أحقابا﴾ [النّبأ: 23]. … فجهنّم على هذا، وحسب ما يُفهم من القرآن، ليست شيئاً من التّعذيب اللانهائي يوقعه الله انتقاماً؛ فهي تجربة إصلاحيّة في مقدورها أن تجعل الذّات البشريّة المتصلّبة أكثر حساسيّةً لنسايم الرّحمة الإلهيّة. كما ليست الجنّة بإجازة أو عطلة ترفيهيّة». يقول عبد الكريم الجيلي (1997: 184) عن النّار وكيف أنّها غير خالدة، بل موقوتة بزمنٍ معيّن بعده تخمد ويذهب حريقها، كما تذهب ملائكتُها، ليستبدل كلُّ هذا بالجنّة والنّعيم وملائكته: «ثمّ اعلم أنّ النّار لمّا كان أمرُها عارضاً في الوجود، جاز زوالُها، وإلاّ لكان مستحيلاً. وليس زوالُها إلاّ ذهاب الإحراق عنها، وبذهاب الإحراق عنها تذهب ملائكتُها وبذهاب ملائكتها ترد ملائكة النّعيم …». بل أكثر من ذلك يتكلّم عن إبليس وكيف أنّ رحمة الله سوف تسعه هو أيضاً ويُغفر له (المرجع السّابق: 1999): «فإذا انقضى يوم الدّين فلا لعنة عليه، لارتفاع حكم الظّلمة الطّبيعيّة في يوم الدّين، … فلا يُلعن إبليس أي لا يطرده عن الحضرة إلاّ قبل يوم الدّين لأجل ما يقتضيه أصلُه، وهي الموانع الطّبيعيّة التي تمنع الرّوح عن التّحقّق بالحقائق الإلهيّة. وأمّا بعد ذلك فإنّ الطّبائع تكون لها من جملة الكمالات، فلا لعنة بل قرب محض، فحينئذٍ يرجع إبليس إلى ما كان عليه عند الله من القرب الإلهي وذلك بعد زوال جهنّم، لأنّ كلّ شيء خلقه الله لا بدّ يرجع إلى ما كان عليه.» وعن ما يعنيه «يوم الدّين» يمضي الجيلي شارحاً لقوله تعالى «مالك يوم الدّين»، فيقول (المرجع نفسه: 142): «الملك الحاكم الشّديد القوّة؛ واليوم هنا هو التّجلّي، أحد أيّام الله. والدّين من الإدانة؛ فيوم الدّين عبارة عن تجلّي ربّاني تدين له الموجودات فيتصرّف فيها كيف يشاء، فهو ملكها». ثمّ يردف معنىً آخر يرد لمعنى «يوم الدّين» في نفس السّياق قائلاً: «يعني صاحب العلم الباطني المعبّر عنه بالقيامة والسّاعة، وذلك يعني صورة المحسوسات ومحلّ روحانيّة الموجودات، فافهم». وهكذا يمضي الجيلي في تقديم تأويلات جديرة بالتّأمّل في قضايا يا طالما ركن النّاس فيها إلى فهمٍ تقليدي بعينه، غير مدركين لغيره وربّما غير قابلين له.

نحن لا نورد هذا للتّدليل على صحّته، وبخاصّةٍ ما يقوله عبد الكريم الجيلاني، فهذا كلام قد قيل من خلال منظومة فلسفيّة متكاملة هي التّصوّف، فليُراجع في مظانِّه. ولكنّا، بصرف النّظر عن الاتّفاق معه في بعضه والاختلاف معه في كلِّه، نورده لنوضّح الآفاق الرّحيبة للفكر الإسلامي غير السّلفي، والتّفاسير الحداثويّة التي لازمته عبر كلّ عصوره. ومع هذا لا يزال المسلمون يعيشون تحت رِبْقة الفهم الأصولي المتحجّر والمستغلق إذ رانت على عقولهم غفلة ماحقة نجمت عن الرّكون إلى ما يقوله لهم الفقهاء السّلفيّون، فانكفأوا عليه لا يريمون. وفي هذا لا تثريب عليهم إذا ركنوا إلى هذه التّفاسير لا يريدون عنها حولا، دون أن يحكموا على الآخرين أن يتّبعوها وإلاّ كفّروهم.

 

الوحي

عن الوحي، وماهيّة الوحي وطبيعته، يمكن أن يذهب النّاس في ذلك مذاهب شتّى، دون أن يكون هذا مطعناً من أحدها على الآخر. إلاّ أنّ الأرجح في حالة الوحي ــــ من وجهة نظرٍ علميّة وفق مفاهيم عصرنا الحالي ـــــ أنّه يتمّ في درجة بين بين من حيث الوعي المباشر والوعي غير المباشر. وهذا أدعى لتصديق النّبيّ، حتّى لو لم يؤمن المرء بما جاء به؛ فهو بهذا لا يمكن أن يُتّهم بالكذب وتأليف القرآن الكريم. جاء في موطّأ الإمام مالك عن الوحي (544): «وحدّثني عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة زوج النّبيّ (ص): أنّ الحارث بن هشام، سأل رسول اللَّه: ’كيف يأتيك الوحي؟‘، فقال رسول اللَّه (ص): «أحياناً يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجرس، وهو أشدّه عليّ، فيُفصِمُ عنّي وقد وعيت ما قال، وأحياناً يتمثّلُ لي الملك رجلاً، فيكلّمني، فأعي ما يقول». قالت عائشة: ’ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشّديد البرد، فيُفصم عنه، وإِنّ جبيَه ليتفصّدُ عرقاً‘ ». ويذهب علي الدّشتي إلى تفسير الوحي وفق العلم الطّبيعي المعاصر، ليخلص إلى أنّ المسألة ليس فيها «… أيّ شيء خارق للطّبيعة. وكلّ ما فيها يتوافق مع الاكتشافات العامّة في علم النّفس» (2006: 54). من ثمّ يخطو خطوة أخرى لإثبات طبيعيّة النّبوّة بوصفها ظاهرة بشريّة وغير ألوهيّة، نبعت أوّل ما نبعت من رغبات النّبيّ محمّد الدّفينة في أن يفعل شيئاً به يكون صلاح مجتمعه، ليخلص إلى التّحليل الافتراضي التّالي: «يمكن لرغبة شديدة أن تدفع موضوعها لأن يبدو واقعيّاً ملموسا. ورغبة محمّد، التي تشكّلت خلال ما يقارب الثّلاثين عاماً من التّأمّل، وتعزّزت بالاتّصال مع أهل الكتاب، وشّحذت بالاعتكاف الزّاهد في جبل حِراء، اتّخذت هيئة رؤيا أو إشراق، بلغة المتصوّفة. فثمّة دعوة للفعل تعلن عن نفسها بصورة مشخّصة، خارجة من أغوار عقله اللاواعي. لكنّ الخوف من القيام بالفعل يلقي عليه بثقله الشّديد محدثاً لديه ضعفاً وخواراً. فما من تفسير آخر يمكن تصوّره لعصر جبريل إيّاه عصراً شديداً حتّى ظنّ أنّه الموت. وجبريل الملاك هو تشخيص لذاك الطّموح الذي ظلّ كامناً لفترة طويلة في أغوار كينونته الباطنة» (المرجع السّابق). ويرينا هذا الإمكانيّة الكبيرة لتنزيل فهمٍ جديد من سُدّة عقولنا، بها نفهم الدّين وآي القرآن فهماّ جديداً لا قبل للفقهاء والأئمّة الذين سلفوا به.

على هذا، الوحي ليس سوى حالة من الوعي الشّفّاف ينفصل فيها الوعي المباشر عن الوعي غير المباشر، الأمر الذي يُتيح للوعي أن يتّصل بالمطلق، أي بالله. ويعني هذا أنّ الوحي ليس مجرّد شكل من أشكال الجلاء الصري أو التّخاطر. فهذه الظّواهر، على غير طبيعيّتها، ليست سوى طرائق للتّواصل فوق الواعي بين عقلين بشريّين. هذا بينما الوحي هو شطل من التّواصل مع المطلق، أي الله. فالله، أو بكلماتٍ أخرى «الذّات الإلهيّة» موجود في كلّ شيء، ولا يوجد حيّز وجودي يشهد غياباً للذّات الإلهيّة. هذا كلّه محض وجود. ولكن الذّات الإلهيّة، بإطلاقيّتها، تتجلّى عبر إدراك الإنسان بها كحالة وعي محدود. وهذا، كما سبقت إلى ذلك الإشارة، أشبه بأن يقف المرء عند شاطئ المحيط فيعصف بقدراته الإدراكيّة وعيُه بلا نهائيّته (النّسبيّة)، بنفس القدر الذي يعي بأنّه يُمسك بطرفه. ولهذا يُثير البحرُ (وكذلك الليل بنجومه وكواكبه وأفلاكه وشهبه ونيازكه) شجون الإنسان، كونه يستثير فيه وعيَه بالمطلق وحقيقة أنّه يقف عند الطّرف المحدود منه. هذا الوعي بالطلق يمثّل درجة من الاتّحاد بالمطلق من حيث قابليّته وإمكانه.

هنا يمكن أن ينفصل الوعي الإنساني المباشر ليسبح في سديم الوعي المطلق الذي يكون مدخله هو الوعي الباطني غير المباشر للإنسان. وهذه «غشية‏»‏‏‏  trance يعرفها أهل التّصوّف في درجة من درجاتها الدّنيا ويطلقون عليها «الجذب». وهذا وعي لا تحكمه معايير الفيزياء الكلاسيكيّة. فثانيات معدودات داخل هذا الوعي قد تساوي ساعاتٍ، بل أيّاماً، بل ربّما أعواماً بحسب حالة الشّفافيّة لدى صاحبها. فإذا عاد المرء من رحلته القصيرة في المطلق إلى عالمه المحدود وقال شيئاً تكشّف له في رحلته تلك، فهذه حالة وحي لا شكّ فيها. ويصبح الأمرُ وحياً إذا تنزّل عليه في تلك اللحظات كلام في حال غياب وعيه المباشر. وتتحدّد درجة صمدانيّة الوحي هذا بدرجة شفافيّة الحالة التي عليها صاحبها. ولكن إلى أيّ درجة يستصحب المرء كثافة محدوديّته وهو في رحلته الإطلاقيّة؟ هذا أيضاً يتحدّد بدرجة شفافيّة الحالة. وليلاحظ القرّاء أنّنا نقول «شفافيّة الحالة» وليس «شفافيّة صاحب الحالة»، ذلك لأنّ الشّفافيّة نفسها حالة غير ثابتة طالما كانت الرّوح معتقلة في سجن الجسد (أي في الحياة الدّنيا)، وطالما كانت الرّوح معتقلة في سجن الضّمير تدفع فاتورة عدم كمالها الدّنيوي (فيما بعد الموت). فهل يعني هذا أنّه لا يمكن أن تكون هناك حالة ثبات للشّفافيّة؟ بالطّبع يمكن (نظريّاً) أن تكون هناك حالة شفافيّة مطلقة، لكن ليست ثابتة؛ فالثّبات نفسه حالة غير إطلاقيّة. إلاّ أنّ المرء عندما يبلغ هذه الدّرجة يكون في المطلق كلّيّةً، ولا يعود بشراً محدوداً. أي أن يكون الله، ولكن هيهات، هيهات طالما كان أسير الجسد. إذن، هذه مرحلة روحيّة بحتة لا قبل للإنسان المعتقل بالجسد أن يعيشها مهما بلغت درجة شفافيّته.

هذا يعني شيئاً جدّ خطير، ألا وهو إمكانيّة استصحاب درجة من المحدود في رحلة الوعي الإطلاقيّة. لتقريب الصّورة دعونا نتصوّر أنّ الشّحنة الكهربيّة التي تتولّد من الزّوابع الرّعديّة هي المطلق. هنا يكون اتّصالها بالمحدود بمثابة السّلك الرّفيع الذي يصلها بالأرض لتحقيق درجة من الإنارة داخل الحجرات المظلمة (نفوس البشر). وما السّلك الرّفيع الموصل لتيّار الإنارة (الاستنارة الرّوحيّة والعقليّة) إلاّ الأساطير من حيث هي تصوير رمزي للمطلق عبر اللغة التي هي نفسها تقع داخل المحدود. لهذا لا يمكن للنّبيّ أن يبلّغ رسالته التي يتنازعها المطلق والمحدود في آنٍ إلاّ عبر الذّاكرة الجمعيّة لشعبه. هنا تخدم الأساطير التي تُتيحها الثّقافة التي يظهر فيها الدّين المعني مصدراً ثرّاً لابتناء العبر. ولا يعني هذا الأخذ والغرف من معين تلك الأساطير كما نفعل عندما نغترف من ماء النّهر أو البحر. فالمسألة تحكمها إعادة إنتاج لتلك الأساطير بحيث تبدو في شكلٍ جديد. إذا لا يمكن للرّسالة الجديدة أن تكون أصيلة إلاّ بتحقيق درجة من الاستقلاليّة لتلك الأساطير، بها لا تصبح هي نفسها تلك الأساطير، بل أخرى جديدة وما هي بجدية. فالرّسالة الجديدة تكون أشبه بالمركب تطفو فوق نهر الأساطير لتعبر بالإنسان إلى المطلق ما أمكن. فالأسطورة نفسها لا يمكن أن تصبح أسطورة إذا لم تحقّق استقلاليّتها من تاريخيّتها لتصبح حرّةً لتسافر في أزمنة غير زمانها وأمكنة غير مكانها؛ وما اللغة التي تغلّفها إلاّ خطاباً يقوم على الرّمزيّة.

وردت جملة «أساطير الأوّلين» في القرآن في ثمانية مواضع بثماني سور جاءت على النّحو التّالي (بدون ترتيب):

1.  ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ * إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾) [القلم: 14-15ٍٍٍ]؛

2.  ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [الفرقان: 4-6]؛

3.  ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ﴾ [سورة الأحقاف: 17]؛

4. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾ [الأنعام: 25]؛

5. ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنْ السَّمَاءِ أَوْ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴿ [الأنفال: 31-32]؛

6.  ﴿بَلْ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾ [النمل: 66-68]؛

7. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين﴾ [النحل: 24]؛

8. ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: 81-83]؛

في معنى هذه الجملة، جاء في تفسير الطبري (2002، الجزء التّاسع عشر) : «… ’أساطير الأولين‘ أشعارهم وكهانتهم». وكذلك جاء في ابن كثير (1997، الجزء السّادس): «كتب الأوائل استنسخها». وجاء في الشّنقيطي (1995): «الكفار قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، أي: مما كتبه وسطره الأولون كأحاديث رستم وأسفنديار، وأن النبي (ص) جمعه، وأخذه من تلك الأساطير، وأنه اكتتب تلك الأساطير». وهذا لا يختلف عمّا ذهبنا إليه أعلاه من حيث دلالة الجملة. فقد أراد أهل مكّة أن يجرّدوا نبوّة محمّد من استقلاليّتها، وبالتّالي تحويله إلى مجرّد قاصّ ومحكّاي لتلك الأساطير. فقد جاء في الطّبري (مرجع سابق): «كان النّضِر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدّار بن قُصيّ من شياطين قريش، وكان يؤذي رسول الله (ص)، وينصب له العداوة. وكان قد قدم الحيرة، تعلّم بها أحاديث ملوك فارس، وأحاديث رستم وأسفنديار. فكان رسول الله (ص) إذا جلس مجلساً، فذكّر بالله وحدّث قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله، خلَفَه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه. فهلمّوا فأنا أحدّثكم أحسن من حديثه. ثم يحدّثهم عن ملوك فارس ورستم وأسفنديار، ثم يقول: ما محمّدٌ أحسنُ حديثاً منَي». ومن قبيل هذا ما فعله أيضاً بعض المستشرقين والباحثين الشّرقيّين في علم الإسلاميّات Islamology عندما أحالوا معرفة محمّد بالقصص الوارد في التّوراة والإنجيل إلى احتكاكه وتواصله بهذا الشّخص أو ذاك. هذا بينما هم جميعاً يُقرّون بأنّ هذه الأساطير كانت منتشرة في الجزيرة العربيّة. فهم هنا كما لو كانوا يقومون بدور السِّدانة المضادّة، ذلك باعتمادهم وتسليمهم بالرّأي اليهودي القائل بإنّ مصدر تلك الأساطير هو التّوراة فقط وبعدها الإنجيل لمجرّد أنّ التّوارة هو الوثيقة الوحيدة التي لدينا عن تلك العصور السّابقة لليهوديّة والمسيحيّة معاً. وهذا شيء يناقض علم الفولكلور الذي يرينا أنّ وجود أسطورة بعينها في عدّة أماكن يمكن أن يكون بسبب الانتشار الشّفاهي أو بسبب وحدة النّفس البشريّة. فأسطورة الخلق وكذلك أسطورة طوفان نوح لها صيغ أخرى بابليّة ومصريّة إلخ.

إذن، أغلب تلك الأساطير كان منتشراً في الجزيرة العربيّة بوصفها حكايات وأساطير غير مرتبطة بدين بعينه، ثمّ لاحقاً قامت اليهوديّة بتوظيفها، كما قامت بإنتاج قصص وأساطير جديدة انضافت إلى الحصيلة الثّقافيّة الأسطوريّة بالمنطقة. وليس أدلّ على ذلك من أنّ الصّيغ التي كان النّضِر بن الحارث يعمد إلى حكيها مقابل ما كان محمّد يحكيه تعود إلى بلاد فارس، وليس فلسطين، ولها أسماء فارسيّة. بهذا كان لزاماً على النّبي محمد ــــ شأنه في ذلك شأن أيّ نبي منذ عهد إبراهيم ــــ أن يعمد إلى الأساطير المتوافرة في ثقافته ليضرب بها الأمثال، لكن ليس قبل أن يستقلّ بها في خطاب جديد. وفي هذا المعنى جاء في القرآن: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [يوسف: 3]. فالمرء لا يمكن أن يتّهم في ثقافته، بينما يمكن أن يُتّهم في مصداقيّته في حال إيراده لأفكار بعينها بما يجعله منتهكاً للملكيّة الفكريّة لجهة بعينها. وأصل ضلالة المستشرقين ومن تبعهم، التّسليم بأنّ تلك الأساطير الخاصّة بأنبياء التّوارة وقصصهم عن الخلق والطّوفان إلخ إنّما هي ملكيّة عامّة تشترك فيها الدّيانات الثّلاث، اليهوديّة والمسيحيّة ثمّ بعدهما الإسلام، بجانب العديد من الثّقافات بالمنطقة التي وردت فيها تلك الأساطير دونما ربطها بمنظومة دينيّة كاملة التّأطير.

بهذا لا يكون محمّد قد لفّق تلك الأقاصيص والأساطير عندما وردت على لسانه. فجريانُها على لسانه عبر خطاب جديد هو الإسلام لا يطعن في أصالة وحيه ونبوّته. إذ كان لزاماً على الدّين الجديد ــــ كما هو لزام على أيّ دين جديد ــــ أن يعمد إلى المخزون الثّقافي لإنتاج أساطيره ثمّ لإعادة إنتاج الأساطير المتوافرة في الثّقافة والتي غالباً ما تكون الأديان السّابقة قد أعادت إنتاجها. وهنا قد ينهض سؤال: ما هو المعيار؟ بالطّبع المعيار ذاتي وليس موضوعيّاً. بمعنى أنّ محمّداً في دخيلة نفسه لم يكن ينظر إلى الأمر باعتباره تلفيقاً، بل كلام أوحاه الله إليه في حالة من الوعي تختلف عن حالات وعيه العاديّة، أي في وعيه غير المباشر. ففي مجال العقيدة لا يوجد معيار خارجي وإلاّ كانت هناك لجان لإجازة النّصوص المستوحاة. وفي الحقيقة، تقوم الأديان والعقائد الأرسخ قدماً بحكم قدمها الزّماني بإجراء احترازي الغرض منه تحجيم انتشار الدّين الجديد، وهذا أشبه بتشكيل لجان نصوص، عبرها تقوم بمحاكمة نصوص الدّين الجديد انطلاقاً من مسلّمة أنّها هي الإطار المرجعي لمحاكمة الدّين الجديد. عندها لا يصبح الأمرُ ديناً، بل مجرّد عمل بشري إبداعي.

من بين الشّبهات التي يا طالما أثارها الرّافضون لمصداقيّة الوحي، ما تُعورف عليه باسم «الآيات التي ألقى بها الشّيطان في لسان النّبيّ». وأصل الحكاية أنّ النّبيّ محمّد قرأ، وهو إذّاك بمكّة، سورة (النّجم)، حتّى إذا وصل إلى الموضع: ﴿أفرأيتم اللاّت والعُزّى (19) ومناةَ الثّالثةَ الأخرى (20)﴾، ألقى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيقُ العُلَى * وإنّ شفاعتهنّ تُرتَجَى»، فما كان من مشركي مكّة إلاّ أن سجدوا خلفه لمجرّد ذكره آلهتَهم بخيرٍ. فأنزل الله الآية التّالية تصحيحاً منه للأمر وضبطاً منه لآياته: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ٌ [الحجّ: 52]. وعلى هذا تمّ نسخ آيات الغرانيق قراءةً ومعنىً من القرآن، أي لم تعد فيه، فما كان من مشركي قريش إلاّ أن عادوا إلى كفرهم القديم بنبوّة محمّد. كثيراً ما تستخدم هذه الملابسات في الزّعم بأنّ النّبيّ محمّد انتحل هذه الأبيات في سبيل فكّ حصار قريش للمؤمنين إذ حصروهم في شِعب أبي طالب أو ما إلى ذلك من أسباب دنيويّة. أيّ أنّ النّبي قد قام بتأليف هذه الأبيات مثلما ألّف باقي القرآن وهو يتدبّر سبيل نشر دينه على العرب. ويأتي كلّ هذا من باب الطّعن في مصداقيّة الوحي باعتباره كلاماً محسوباً أرسله الله عبر ملكٍ لا يخالف له أمرٌ. فلو كان في مقدور الشّيطان أن يندسّ في عمليّة إلهيّة دقيقة مثل هذي، فما الذي يمنع اندساسه في مجمل الكلام الذي يُزعم بأنّه جاء بنفس الطّريق؟ وبالطّبع لا يخفى أنّ مثل هذا الاستنكار إنّما يقوم في أساسه على أصوليّة دينيّة مفادُها تسليم داخلي بإله يُرسل ملكاً برسالةٍ لا يأتيها الباطل من بين يديها.

ولكن، إذا ما تدبّرنا مسألة الوحي باعتبارها حالة عالية الشّفافيّة من الوعي غير المباشر، أو «غشية» trance، أمكننا أن نتصوّر مشقّة فرز تهويمات النّفس البشريّة الملتبسة بالوعي المباشر. فالأفكار، مجمل أفكار، في غرفتها الدّماغيّة المظلمة أشبه بخيوط غازيّة متحرّكة ومتداخلة في بعضها البعض باستمرار. وما التّفكير بأمرٍ ما إلاّ الإمساك بخيط من خيوط هذه الغازات المتحرّكة، المتداخلة، وبالتّالي فرزه لفترةً من الوقت هي جماع تركيز الدّماغ على تلك الفكرة. ولهذا يصعب، بل يقرب من الاستحالة، التّركيز في الحالات التي يتعمّد فيها الإنسان التّركيز، مثل استذكار الدّروس، أو، بوجهٍ أخصّ، أثناء الصّلاة. ذلك لأنّ فرز خيوط الأفكار الأشبه بالغازات دائمة الحركة شيء يصعب تصوّره، وهو ما عليه دماغ الإنسان في حال وعيه المباشر (وغير المباشر) طيلة حياته. ففي عدسة الوعي المباشر تظلّ هذه الخيوط الغازيّة تتراقص مثل السّمادير، فتنداح وتقلص دوائرها، وتفترق لتجتمع مرّة أخرى بصورة مستمرّة.

تتعقّد المسألة أكثر ممّا يمكن تصوّرها عندما يدخل الإنسان في حالة من الشّفافيّة بها ينفصل وعيه المباشر عن وعيه غير المباشر. ولهذا استخدمنا كلمة «سديم» في توصيفنا لهذه الحالة، وهي سحب الغبار الكوني في الفضاء الخارجي؛ وكذلك استخدامنا لكلمة «سمادير»، وهي الدّوائر والأشكال التي لا تني تظهر في شبكيّة العين جرّاء الإفراط في التّعب أو ضعف النّظر أو عدم التّركيز. إذ يصعب، بل يستحيل، الإمساك بواحدة منها كونها غير مستقرّة، فضلاً عن كونها غير مادّيّة، بل هي حالة من حالات رجرجة الوعي.

عندما يدخل النّبيّ في حالة الوحي، أي تغشاه تلك الحالة، تتحدّد درجة عمق الحالة بمدى انفصال وعيه غير المباشر عن وعيه المباشر. ولنا أن نتخيّل شحنة الطّاقة الدّماغيّة الهائلة التي يتطلّبها موقف كهذا لفرز جميع خيوط الوعي غير المباشر (بما في ذلك جميع ما دخل غرفة الوعي المظلمة في حالات الوعي المباشر ثمّ نسيها الإنسان) بجانب اندياح المطلق الذي تمثّله اللحظةُ نفسُها. فماذا إذا انسرب خيط رفيع من خيوط الوعي المباشر كان قد دخل إلى الغرفة المظلمة ومكث بها بعد أن تمكّن واستقوى على النّفس (كأمنية طاغية)؟ هذا الخيط، غازيّ الطّبيعة، متحرّكها ومتراقصها، لا بدّ أن يُحدث قدراً ضخماً من التّشويش على شفافيّة الحالة. إلاّ أنّ هذه حالة استثنائيّة قد لا تتكرّر إلاّ مرات معدودة في حياة الأنبياء الأصلاء، ذلك أنّهم لا يظهرون على دينهم إلاّ بعد أن يأخذوا أنفسهم بالرّياضات الرّوحيّة التي من شأنها أن تجعل حالات الغشية عندهم بدرجة من الصّمدانيّة الإطلاقيّة، أي الإلهيّة. انظر إلى الآيات: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَىٰ (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ (9) فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ (17) لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ (18)﴾. فقوله: «إذ يغشى السّدرةَ ما يغشى * ما زاغ البصرُ وما طغى * لقد رأى من آيات ربٍّ الكبرى» إنّما تُشير إلى حالة الشّفافيّة والتّركيز المطلق. والسّؤال هو: ما الذي يعصم النّبيّ وهو في تلك الحالة من أن يتشتّت تركيزه فينتكس من حالة الإطلاق إلى حالة المحدود، أي من الكلّيّة إلى التّجزيئيّة؟ إنّه جبريل الذي يمكن بدوره أن نتأوّله على أنّه درجة إطلاقيّة عالية من صمدانيّة الوعي.

هذا ما يمكن تأوّله على أنّه قد جرى للنّبيّ محمّد إذ سيطرت على واعيته أمنية أن تجتمع قريش (أي عشريته الأقربين) على الدّين الذي ظهر به بينهم. فكان أن انسربت هذه الأمنية إلى حالة الشّفافيّة التي التي كانت تعيش درجة عالية من الإطلاقيّة، لكنها ليست المطلق وإلاّ لكان الله. ولنلاحظ أنّ هذا الأمر قد حدث والنّبيّ في تلك الحالة؛ هذا بدالّة أنّ آيتي الغرانيق إنّما ألقى بهما الشّيطان والنّبيّ تتنزّل عليه سورة النّجم. وهذا ما عنيناه بقولنا أعلاه عن الحالة الإطلاقيّة وإمساكها بطرفٍ من المحدود في انطلاقها نحو المطلق.

ليس فيما نقول مأخذ على صدقيّة الوحي. إذ ليس هناك وحي صمداني كامل، وإلاّ كان وحياً في المطلق للمطلق؛ هذا بينما الوحي هو الأخذ بأسباب المطلق من طرف المحدود لغاية تحقيق الرّسالة في المحدود. وقد ورد في التّراث الإسلامي بعض حكايات نظر فيها الصّحابةُ إلى الوحي ممّا يليهيم من طرفٍ محدود صادر من الذّات الإلهيّة. من ذلك ما جاء في البخاري: [1464] حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ‘كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهنّ لرسول الله (ص) وأقول وتهب المرأة نفسها. فلمّا أنزل الله عز وجلّ