خط الاستواء  عبد الله الشيخ هرباً من من قدر الله الى قدر الله،، من سودان الترابي الى ليبيا أبو منيار..هكذا يفر سيئ الحظ  من "كشة الجهاد" الى أرض الاجابات القطعية والحقيقة الكاملة،  حيث لكل سؤال جواب..!

هذه الليلة تحاصرني أقواس الحنين و أتجشم وعثاء سفري مع أطياف ظننت أني قبرتها، لكنها أطياف عنيدة، تصحو فى غير ما مكان..أهي عتمة الليل، أم أمنيات الأوبة إلى الدفء..!؟

 ذات صباحٍ شاتٍ ،عند حافة المتوسط، وأنا فى “مقر عملي”..! داخل الفرن، جاءني الحاج معتوق صاحب “القيطون”، الذي أكل وشرب الدهر من وجهه..! هذه تجاعيد الزمان على وجه  عجوز يتوهم الحياة فى “عصر الجماهير” بعد أن رمى وراء ظهره حقبة كاملة من خيبة العرب الكبرى..! هذا هو الجزء الباقي من غزوات الطليان الليلية على ذوات الخدور فى تلك الخيام.. أرى فى عيناه الخضراوان مقتبسات طويلة من خُطب القذافي التي يسُب فيها الدين،لأمريكا وللكلاب الضالة على حدٍ سواء..!

 يا أيها الغريب، هذا لحمٌ أبيضٌ متوسطٌ  لا شأن لك به..لا شأن لك به وإن تمدد فى مخيلتك كأرداف الخراف الرابضة أمام جبل البركل..!

تَصفحتُ وجه العجوز، وأنا بين نار الفرن ، ووهج الذكريات.. تلك فورة من زمان مضى.. تلك خطوط رسمتها الريح فوق رمال الأيام ، و هذا عجوز موبوء بالضجر..! على لماذا يتأسى عجوز مثله عاش عهد عبد الناصر، وصفق لتأميم القنال كأن الثورة ملكٌ حرٌ يخصه هو وحده من دون العالمين..!؟

 داهمتنى خواطر شتى وأنا اكنس الفرن.. وأنا اشعل النار ريثما يفور العجين..ذلك المروكي اللعين إختفى عن عيناي..! أعرف هذا الصنف من البشر،، إنه يحمل فى جوفه سيماءَ “كوزٍ” مَقيت.. !! أين اختفى، لابد أنه يدبر  أمراً..!

 أووه ،، ما أكثر هواجس الغريب..! قال القذافي أن اسرائيل أغرقت شعبه الأخضر بالمخدرات..!

 كل شيء هنا بات أخضراً،فالشعب مثل العشب، وكذا الدخان كما الأحلام..!

 أين المروكي..؟! هل ذهب ليكرف من ذلك السم ..؟! وما شأني به إن فعل..؟! لماذا يختبئ، و من أوحى اليه بأنني رقيب عليه..؟!

لا لا ، فالأمر أعقد من ذلك بكثير.. ليست هناك صيغ منطقية لحوادث الزمان داخل حدود أول جماهيرية فى التاريخ..! فقد لا يأتيك العسس، وقد يأتون ، ويحمكون عليك بتعاطيها ، أو باخفائها وحملها وبيعها..!

كانت عيني على قيطون الحاج معتوق، وأنا أتلصص على المروكي..رأيته يُخرج من سترته كيساً أبيضاً أذاب منه شيئاً فى إناء..! داهمته، حتى اضطر أن يبتسم فى وجهي، لأول مرة منذ إلتقينا..إنه رئيسي المباشر ، يعاملني كأن بينى وبينه عراك على ميراث..!

 الآن جاءت سانحتي لأخنقه حنقةً واحدة أكون بعدها طليقاً.. إن أُمي لم تلدني كي أدخل فى زمرة الحشاشين..!

ـ  شين بتدير يا مروكي..؟

 قال كمن يعتذر.. “أيش فيك يا سودانى، هادي مو مخدرات، هادي برومات بوتاسيوم”..!  

 … هنا ، طاب  لي استجوابه بالفصحى، فقد كان يقول لي على سبيل الاستصغار، أننى أتحدث كما يتحدث “الراديو”..!

 ـ  وماذا تفعل بها هنا..!؟

ـ “أيش فيك يا سوداني، تحسبني تاجر كوكايين..!؟ هادي نديروها فى الخبز، بيش يطلع باهي يا راجل،،ريت واللَّا..!؟

  كان المروكي يعتقد أننى أخاف الله ، بعد أن أكدت له في مداخلات كثيرة أننى أحتقر كافة  الحكام العرب..!

 “وراس معمر، هاي برومات بوتاسيوم، نديروها بيش يطيب الخبز، الناس ما يشترون إلا شيئ فيه حرام..!! شين بندير..؟! الله غالب..!؟

كان الحاج معتوق لحظتها يناديني بلهف،كأننى نديمه فى الليالي:ـ “هيا يا سوداني هيا، سقِّد روحك ، يا……”..!

 ذهبت الى الحاج معتوق لـ “تسقيد روحي”، و قد كان لمثلي ألف حق أن “يُسقِّد” روحه بأفيون الشعوب، لعل فيه ما يجعلنى أنسى..!  مسكين هذا المروكي، إنه مثل جماعة أنصار السنة الذين يطلقون اللِحي لإستعادة نصاب دين الأسلاف..!

فى لحظة ضعفه تلك رأيت أن استعرض عليه بعضاً من مأثورات كنت احفظها لليوم الأسود،،وهل هناك يومٌ أكثر إغبراراً من يوم الليلة..؟!

قلت له : ” يا مروكي، إن أوصاعنا الراهنة أكثر فداحة علينا من سموم البروميد، فتلك  جماعات السلف، تنفث سمومها فى مساجد الله ولا يغالبها فى ذلك سلطان..؟!

 ثم قلت تزكية لغربة روحي :ــ “هل سمعت أن تشي جيفارا قد شغل روحه يوماً بمحاربة بوتاسيوم استوردته السلطات، ومنعته السلطات “..؟!

.. وبينما كان الحاج معتوق يصرخ فى طلبي، أسمعته المروكي اشتقاقاً من شاعر لبنان البديع ،محمد مهدي شمس الدين.. قلت له:ــ “هل خلق الله الخمرة كي لا نشريها..؟ هل خلق الله البوتاسيوم كي لا نأكله”..!

هنا انفرجت أسارير المروكي، وسمعته يقول:ــ ” والله باهي يا سوداني، إنت تعرف “البوخة”؟!    

تركته “يدير بروميد البوتاسيوم ، هِكي وهِكي”، ووقفت أمام صاحب القيطون..ماذا يريد إعرابي عتيق الخيال، من سوداني “أكحل و باهت الحشا”، فى هذا البرد البارد..!؟