خالد فضل رحم الله عمي أحمد مصطفى , فقد كان الرجل من الناقمين على انتفاضة ابريل 1985م لأنها قوضت النظام المايوي وقد كان أحد سدنته المحليين عبر رئاسته لفرعية الإتحاد الإشتراكي فى قريتنا بالجزيرة , ولذلك كان من أوائل المؤيدين لإنقلاب يونيو1989م ,

وعندما كنت أناقشه على أيام الإنقلاب الأولى بأن هذا الإنقلاب جبهة (ولم يكن على وفاق معها رغم مايويته) كان يزجرني ويصفني بالإستعجال , بزعم أنني أرجم بالغيب فيما لا أعرفه , يومذاك كنت أعتمد على قراءة تحليلية واضحة مؤداها الا جهة فى السودان يمكن أن تكون لها مصلحة فى تغيير إتجاه البلد من وجهة السلام وحل مشكلة الحرب الأهلية فى الجنوب وتثبيت ركائز النظام الديمقراطي التعددي وما يكفله من حقوق الانسان , غير الجبهة الإسلامية , ففكرتها  أساسا مبنية على الإستعلاء , وأفقها الفكري مرتبط بالهيمنة , والإعتقاد الجازم بصحة دعواها , دون ترك مساحة ولو ضئيلة لفرضية الخطأ فيما تزعم , كما أن حماسة مؤيديها ممن يتذرعون بالسند الرباني لفعلهم باعتبارهم ظلالا لله على الأرض, وسدنة شريعة الإسلام وحماة بيضة الدين إلخ إلخ…., هذه الأوضاع تجعل من فرضيتي بجبهجية الإنقلاب  في حكم المعقولية , كما أنني كنت أعرف بعض الأسماء التي ظهرت في الإنقلاب مثل أستاذنا عبدالله دينق نيال الذي كنت أعرف عنه انتماءه للجبهة , وكذلك الضابط محمد الأمين خليفة الذي عرفته بطريقة غير مباشرة وعلمت من أمر (إسلاميته السياسية) والضابط يونس محمود الذي كان يؤم المنتديات الثقافية لجماعة الدعوة الإسلامية بجامعة جوبا وكان حينها هناك يقرض الشعر في تلك المنتديات , وقد بدأ يونس يبث أحاديثه السياسية الساذجة تلك ويتم إعادتها مرتين في اليوم عبر راديو أم درمان الحكومي. ومع كل ذلك كنت أجد من عمي أحمد المناقرة , وهو يشجع الإنقلاب كيدا في الانتفاضة التي أزاحت سلطة مايو , وقد بدا لي الأمر كحالة نفسية أكثر منها موقف سياسي , ويعلم الله وعمي الآن في رحابه , أنه لم يكن يتكسب من مايويته تلك ولم يكن يستغلها للثراء الحرام , فقد بدت لي أن جل همته المايوية تلك إنما كانت بدافع الحرص على تحقيق مكاسب للقرية وفضائها العام , وتيسيرا لأمور الخدمات المشكلات كالمياه والكهرباء والتخطيط العمراني وغيرها من أوجه الخدمات التي يتوسم الناس في نيلها إن هم والوا حكومة الوقت , والى شئ من هذا وجدت معظم أهلي وقد قيل لي أنهم بايعوا المؤتمر الوطني وتحفزوا للتصويت لمرشحيه على مختلف المستويات فى انتخابات العام2010 الماضية.

فإذا كان مواطن حسن الظن وبرئ من الفساد حتى وافاه الأجل قبل سنوات , مثل عمي المار ذكره , قد ظل يشعر بالمرارة لمجرد حل وحدته الأساسية فى صقع غير ذى بال من أرياف السودان , وفي نزع سلطة اسمية من يديه لا يتجاوز مداها القرية . فكيف بحالة من يتم إزاحته من سلطة بحجم الوطن (رغم انشطاره)؟ فليس غريبا أن يجهش بالبكاء من بكى !! ويتململ من يتململ, فمن الواضح أن التربية الفكرية والسياسية  القائمة على وهم الإستعلاء والتفوق وتضخيم الذات مع شوية طلاء روحي قوامه أداء الشعائر الإسلامية كمظهر للتقوى , وبضاعة للمزايدة على الآخرين , هذه التربية لم تقم على أسس النقد وقبول الآخر ونسبية الحقيقة , فالفرد من خريجي مدرسة الإستعلاء هذه يتوسم في نفسه القدرات المعجزة , ولأن ما يؤديه يندرج تحت بند العبادة والجهاد وهما أمران لا يمكن بل لا يجوز أن يكون فيهما تقاعد بالمعاش حسب لوائح وقوانين الخدمة المدنية المادية , فنجد مثلا أن د. الترابي عند إزاحته في انقلاب البشير الثاني (ديسمبر1999) قد تحدث عن غروب وجه الإسلام من الحكم , وفهم من عبارته تلك أن الإسلام أمر متعلق بوجوده فى السلطة فمتى ما أزيح عنها أنزاح ذلك الوجه الاسلامي للسلطة , وقريبا من ذاك تحدث عوض الجاز مؤخرا قبيل إزاحته من وزارة النفط  بأيام معلنا عن نضوب النفط , وليس بعيدا كذلك ما تردد عن علي عثمان الذي استقال حتى لا يقال, بعد أن دفع برؤية اصلاحية شاملة حسبما قيل, أي أنه وهو يغادر قد أدرك حجم الخلل الذي يحتاج لاصلاح فقدمه , وقبلها , لم يكن للخلل وجود يعني , وبطبيعة التكوين الذي اشرنا اليه سلفا فإن الفرد من هؤلاء الناس , يستطيع أن يكابر ويغالط في أي ناموس طبيعي أو اجتماعي طالما ظل هو من يتولى ملف الحكم , فغروب وجه الاسلام قد حدث فجأة على رأي د. الترابي , ونضوب الجاز استحق الإعلان طالما عوضه مفارقه , والحاجة للاصلاح باتت ملحة وعلي عثمان يتأهب للمغادرة , بينما نافع علي نافع يجدد عزمه على المنافحة عن الإنقاذ والتصدي لأعدائها ولكن هذه المرة كلاعب حر ليس متقيدا بموقع رئاسة الحزب . وصراحة كنت أتوق لسماع رأي أسامة عبدالله وما إذا كانت الدنيا السودانية ستظلم جراء انقطاع الكهرباء فقد فارقها هو , وهل يا ترى ستحقق السدود جدواها ومنجزها وهو عنها بعيد؟؟؟؟.

عمر البشير بانقلابه الثالث لم يحد عن الخط التربوي الذي درج عليه صراحة , فهو ابن مدرسة يا فيها يا اطفيها بامتياز , وأي تهديد ( له فيها ) لابد أن يقاومه , ومشكلة فيهوهته (أي هو فيها) معقدة مع تلويحات المحكمة الجنائية الدولية المتلاحقة , وابن الكار السياسي والفكري المربى على وهم الاستعلاء لا يجيد سوى ممارسة ما نشأ عليه  فمسألة مسؤول سابق هذه مسألة لا تستسيغها نفس درجت على أن يكون لها الصدر أو القبر . وما تقوله ألسنة سدنة الإنقاذ في هذا المجال متوفر , فبديلهم (ناس الجبهة الثورية؟؟؟) هكذا يتوعدون ناس الوسط النيلي  وفي معظمهم ميل لإستهجان أن يتولى أمر الحكم غير ذوي قرباهم الإثنية , هذا وتر حساس يطرقه الانقاذيون كلما صعد للثوار في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق نجم . وهو اشارة واضحة كذلك الى صعوبة استساغة البعد عن السلطة , وقديما استشهد علي حسن تاج الدين بمثل دارفوري عندما سئل عن تخليه عن الصادق المهدي ولحاقه بزمرة مبارك الفاضل المهرولة نحو القصر فقال (سلطة للساق ولا مال للخناق) فكيف هي حالة الجماعة الاساسيين فى قيام السلطة ذاتها وهم بعد 25سنة تقريبا من الدوام المنتظم في دستها يجدون أنفسهم (سابقين) فهل تسعهم سابقين هذه يا ترى ؟؟ هل يعود نافع استاذا بالجامعة يحاضر الطلبة الزراعيين عن أفضل الموسومات الجينية التى لا تجعل تيراب القمح يفسد مثلا فيكون عطاؤه في محله بالفعل بعد 25 سنة فيما هو في غير موضعه؟ وهل يحتقب علي عثمان وابراهيم الطاهر ملفات موكليهم بين اضابير المحاكم فيقدمون مرافعات جزلة عن حق الانسان فى أن يكون آخرا طالما لم يرتكب جرما يعاقب عليه القانون؟؟؟ وهى الحقوق التي طالما أهدرت لربع قرن على الأقل من زمن سيادتهم على السلطة والتشريع, وهل نرى أسامة عبدالله مهندسا في هيئة الكهرباء ؟؟؟ هل هو مهندس؟؟؟؟؟ هل نرى ونرى ما يشير الى أن عمر البشير وقد صار وحده مع صاحبيه بكري وعبدالرحيم من إرث ماض التربية الفكرية والسياسية القاصرة التي تؤمن بالدوام والدوام لله ولم ولن يكون للسلطة وإن زعق زاعقها بـ (هي لله).