(لم يؤذه نقيق رقشة، ومكبرات صوت باعة الخضار، والهوس الديني، ودماء أطفال تلطخ قناة الجزيرة). من أي نبع يغرف سره وسحره بقلم: عبدالغني كرم الله (الجزء الأول)             يقال، بان الجهاز العصبي، والنفسي، لا ينسيان، أبدا، خاصة الجهاز العصبي، فإنه يطوي في دولابه، كل ما يحس به، أي تلكم الأحاسيس التي تدلف له، من أبواب الحواس، كلها،

أي ما يراه، ويلمسه، ويتذوقه، ويحسه، ويسمعه، بل حتى ما يفكر فيه، ويتخيله، يستودعه، الذي لاتضيع ودائعه، أي القلب.

             يطويها برفق وتأني، كل تلكم الإحاسيس، مثل أم حنون ترتب هدوم (ملابس)، أطفالها، تطويها بمهلة، ومحبة، وتعطرها، ثم تضعها برفق، كأنها كائن حي، كأنها جلد آخر، يحرس ويقي بدن طفلها، في رف من رفوف الدولاب، بانتظام، وأسلوب،  لحين الحوجة لها في عرس، أو مناسبة، او مجرد (غيار يومي له)، من عرق لعب، أو عراك، وشمس، أو غبار نسيم، وطين وحل، كشأن الحياة.

            كذلك الجهاز العصبي، يطوي كل ما جرى لنا، في دولابه الأوسع، القلب، والعقل، بل الجسم كله، فمنذ أن أحس جسم الجنين، بهمس النسيم، وبريق الضوء، ولغط الأهل، حين استلته القابلة “الداية”، ظل أمينا لذاكرته، ولم ينسى في ةفسه، صوتا، أو رائحة، او ضوءا، على الإطلاق، فلنحترم صمت الجنين، ولا نؤذيه، بضجيج القول، وسوء المنظر، وفاحش الفعل، قبيل ميلاده الميمون، فإن كل ذلك يؤثر فيه، ويترك أثارا باقية، جروحاً على براءة طفولته، وعنفوان شبابه، وحنكة وأحزان كهولته، وسكينة ضريح قبره.

            لكنه، أي الجسم، توقيرا لها، من آفة النسيان، وسلطان الخرف، وتطفل العقل الحادث، وهي أسرار جليلة، يخبئ الكثير منها، لشئ في نفس يعقوب، وحينا يمنح البعض منا، بعض المنح، منها، أحسه يقول لنا: “لو علمها العقل قبيل نضوجه، لجن، أو افتخر، واختال زهوا”، فادخرها، وخزنها في سويداء قلبه الباطني، عقله الباطني، لا تلقى الدرر، تحت أقدام العقول الحادثة، فمن جهل العزيز، لا يعزه،  كي يسترجعها، يجترها في زمان آت، لتحدي فكري ما، يقارعه، أو مدد إبداعي، أو إنفعال حياتي يباغته، فتندلق شلالات الذكرى عاصفة، أمام النفس، فتحتار النفس، من نفسها، وعلى نفسها جنت براقش، فلو أندلقت تلكم الطاقات في غير زمانها ومكانها، لدك الجسد، دكا، وجن الفؤاد، من دون القدرة على تحملها، والهيمنة عليها، وسوقها للخير، والنفع، وتخصيب الفؤاد البشري، المترع بالأحزان، لقضى على بني آدم، في رحلته الطويلة، تلكم الرحلة القسرية، ضربة لازب، وهو يحث السير في بيداء الأزل، بل السرمد، فيكون حداء اللحن، مسكنا لأوجاعه الغائرة، وجروحه الكثيرة، ومذكرة له، بوطنه الأم، الذي يشد له الرحل، منذ أزل، في أطول رحلة، استأنس فيها، من وحشة الطريق الطويل، بالأدب، والفكر، والغناء، والزواج، حتى يحط الرحال، في قلب نفسه، ويعثر على مافي رحله، من مواهب، ودرر، فبارك الله في الألحان.

            للحق الجسم البشري، أقدم من ذلك، بكثير،  تعجز قافلة الخيال في إدراك موطن الختام، وكذا خيول الذاكرة، تفتر من الوصول لموضع البدء، وسبر  أول خطوه، الخطوة الأولى، وحمل عصى الترحال، (جسد الترحال)، ولكنه المجاز، يحتم أن نقول باستحياء بنات شعيب، أنه خلق منذ أن أنفتق عن الشمس (والجسم مشع كما لمحت مدام كوري، مثل الفحم، وكل العناصر)، وظل الجسم يتقلب في الأصلاب، من صلب الصلصال، ثم التراب والعشب، حتى استقام امره (ولا يزال)، بشرا سويا (وليس إنسانا سويا، فتلك مرحلة في الغد)، وهو، أي الجسم، طوال هذه الرحلة، في قافلة الزمان والمكان، ينضج، بمهل، ويخزن في ذاكرته (غرائزه)، كل تلكم التجارب العظيمة، فما اوسع نهر ذاكرته، وما اطيب نبع خياله، وفي كل تحدي يضيف حاسة، وتجربة، ويرتقى شعوره، وملكاته حيله (فكر، وعقل، واستنباط، وتحليل)، في تحدي وقائع أغرب من الخيال (الكون المحيط به، والقابع في سويدائه)…

            فحين فر، المرء  (وكلنا فررنا، هل تذكرون؟ حين تشظينا كشهب؟)، من الشمس، ضوءاً، ملتهبا، نارا، ونورا، في فجاج الكون، هنا (قبيل مليار مليار عام، وأكثر، وأجل، إنها الإشارة)، بدأت الحياة الكامنة تشتعل رويدا، تعتني بنفسها، ذكاء طبيعياً ماهراً، قد في الجسد، وبمهل، كفنان عظيم، تستغرقه اللحظة الحاضرة، ولا يعرف هل خلق الغد؟ والأمس، فالإبداع العظيم كائن آني، (الآن)، (لا امس من عمر الزمان، ولا غد، جمع الزمان فكان يوم لقاك) تلكم هي الصيرورة المتدفقة، التي تغير فساتينها، لعرس الحاضر المتجدد، في كل آن، وآن، ومن عجب يضمر (الآن)، رغم ضآلته، التي تكاد تخرجه من الزمن، الأبد كله، الحاضر الأبدي (كما يسميه بوذا)، أي في قلب الحاضر (كل ما كان، وما سيكون)، ولكن أنى لنا صعود قمة الآن، كي ترى (خلفك وأمامك)، تلك هي قضية العيش في الحاضر الأبدي، والإمتحان القسري لنا، ولكنا نمكر، في إدراك سره (بالخيال، للأمام، وبالذاكرة للخلف)، لكنها صور باهته في الذهن، رغم الملكات التي تختلف من فرد لآخر، أن التوقف في الآن، عصي، من شد العقل، للأمس، للغد، كشأنه.

            ومن عجب، رغم غضب الشمس منا، وفرارنا الجماعي، منها، أحسبه (حنين الفرد لنفسه، وحنينه للقطيع)، ضمتنا بجاذبية حانية، لطيفة، ليوم الناس هذا، وصارت أجسادنا (كعباد شمس أسمر وأحمر وأسود وبني)، تفتح بتلات غدنا عليها، ونشرب ضوءها في كل فجر، وظللنا نحوم حولها، مع أمنا الأرض (وشقيقات كواكب)، كجرو حول أمه الكلبة، منذ أمد بعيد، وينمو العجب في النفس، حين شدت الأرض أيضا، حجر جاذبيتها، وضمتنا لحضنها الترابي، فصار الفضاء الوسيع، صارعا طيباً، بين جاذبيات كثر، مترعة بالغموض الفيزيائي، والكيميائي، والنفسي، حتى خلقت أوتاراً من وهم، تخيط فتوق الكون، وتلم شمل الكون لنفسه، حتى لا ينفرط عقده الثمين، العجيب، الأعجب.

            في مكر جميل، ظل بني آدم، متنازعاً في ثلاث جاذبيات غامضة، يحسها الجسم، ولا يحسها، هي جاذبية الأم الأولى الشمس، ثم الأرض، ثم القمر، ولعجب ما، ربط الأطفال الأوائل، جدودنا الحالمون العظام، حياتنا بهذا الثالوث، حتى صنعت مادة الفلك، والسحر، والتنجيم، تسعد كل قارئ، وكاتب ومغامر، بل ومفكر، ومع هذا ظل للجسم، أثر من تلكم النجوم، والكواكب، فظل الجسد أرضا خصبة، والقمر عقلا مضيئا فيه، ببوارق الفكر، والشمس قلبا منيرا، تشرق عليه، ليل نهار (نوم ويقظة)، بلطائف الشعور الطبيعي، القوي.

            في مكر جميل، ولأننا، قبضة من الشمس فرت، أي نورا، ونارت، يطفئ اللحن فينا حرارة النار، ويذكو النور، ويضاعفه، أضعافا، في كل آن، فيضئ المعتم من قارتنا المجهولة، فنتبين، في ضوئه القوي الحنون، صلة الرحم بيينا، وبين كل ما كان، وما سيكون، رؤية بصر، وبصيرة، فللحن شأن عظيم، في كشف النبأ العظيم، الإنسان الكامل فينا، أي الكون حولنا، الكون اللبق، رغم أحزان جهلنا به.

            أعتذر لهذه الإطالة، ولكنها كانت ضربة لازب، فحين استمع للكاشف، أشعر بأنه، صوته، وألحانه، هي براق، يحلق بي في عالم وماض بعيد، يخصني، وكنته، وفي علاقات حميمية مع كل شئ، فيشعرني في حال سماعه، بواجب عاطفي، ونفسي، أن أحب الأشياء والأحياء كلها، حتى إذا اشتكت (تداعى سائر جسدي بالسهر، والحمى)، أهناك قانون أخلاقي صارم (مثل قانون الطبيعة الذي يهمين على الكون ولا تفلت منه أحط ذرة لا ترى بأعتي المجاهر)، هذا القانون الأخلاقي رابض بالقلوب، ويحن للصحو، ويعاتب الجسم، همزا، وهمسا، بأنك أوسع من ذلك، وأطيب وارق.

            يظل هذا القانون، كامنا، توقظه من سباته بعض همسات الإبداع الإنساني، والصلوات، والإشراقات الذاتية، وإلا يظل حزينا، سجينا في النفس، غامض الحزن، لعدم اشباع رغباته الأصيلة، كما نحس بالحزن والتقصير، دونما نعلم السبب؟.

 

            تلكم الومضة من الشعور، التي تنتاب النفس، في حال السماع، والصفاء، تشعرك بأنك “لحظة”، من زمان مطلق، (نحن لحظة من أبد بعيد)، سلكته قوافلنا، ونمضي لأبد أوسع، حتى هويتنا، (هوياتنا)،  التي نتقاتل بسببها، ونخاصم، ونفتخر، ستكون مزحة صغيرة، وغلطة طفل (مغفورة)، نحو الهوية الأم (أنا إنسان)، والتي لها طرف في الحلم، والخيال البشري المعاصر، فهو يحن لها (أي تلكم الهوية الأم)، ويحتاج لها غصبا (كالجوع، والجنس)، أي هناك جاذبية فطرية، تشده نحوها، بلا حول منه، أو قوة، ومن عجب تلكم الهوية تلوح حين تشرق الفنون على دنيا الجسد، في بوارق لطيفة، سريعة، كالبرق لا تقبض، ولكنها تضئ مثله احشاءنا على عالم رحب، ورحم كوني، ودفء أسرة كبيرة، وحين يلوح ذلك البرق، تشعر بأنك مواطن كوني، لك علاقة مع كل شئ في الوجود، حسا ومعنى.

 

            إن الجهاز العصبي، للسيد، والمواطن السوداني الصالح، الفنان إبراهيم الكاشف، لم يؤذه نقيق رقشة، وضجيج آلات ومصانع في قلب الحي، واكتظاظ سوق وباعة، بمكبرات صوت متعبة، ذاته حجار البطارية، جشة الصوت “طماطم، عجور، بصل، تمااااتم” طوال اليوم، وجوامع مهووسة، متقاربة، كل يرعد ويزبد معا، فتصل الأصوات متداخلة، غريبة، مثيرة للرثاء، للمستمع، في قلب داره، وغرفته، مهما أغلق النوافذ، شر الحر،  كل ذلك لم يكن في حي هادئ في ود مدني، أو الخرطوم، فكيف لا يغرف أرق الألحان، من ثروة صوتيه، موروثة ومكتسبه، قدت في فؤاده الكريم، الأسمر، البشوش.

 

            أن لحنه، يبدو نقيا، بلورا، مهذبا، حتى رعود النفس الأمارة (كتلوث ذاتي)، لا تبدو عليه، أي اللحن، ولكن لحن نفس رائقة، بهجة، تعاني بفكر، وليس إلتواء غرائز، ولا يتعكر داخلها، بطموح مجان، أو غي طمع، ولكنه السعي الحميم، للإحسان..