خط الاستواء عبد الله الشيخ أسامة أحمد موسى.. كان طويلاً ومسافراً على الدوام.. توسّد قبل خمس سنوات قبراً في الدوحة،،و كانت كلماته الأخيرة لي وهو على فراش المرض، أنه مازال يذكر أيام زمان..!

وأنا كذلك، ما نسيت..تسللنا فى عام 1991 من هذه الخرابة، محطة الخرطوم، التي لا نعرف من صاحبها الآن..! كمساري أشْيَبْ، بنظارة سميكة أَفردَ لنا قمرة في القطار، ودسّ في جيبي الميدان السرية، ثم عاد في الليل وأدخلها في ورق النبطشية..! لا أدري كيف عرف أننا “زائغان” من كوابيس الجبهة..!

هذا قطار حلفا في العيد، لا مكان لك فيه إلا إذا رطنت.. اقتسمنا في أسوان زجاجة الميرندا.. كنا جائعين.. كنا نغني كسرب طيور على سطح الباخرة ساق النعام: ” الغروب يسألني منك، أُمسياتنا فى شوق اليك، والرمال الناعمة مشتاقة لمشيك”..كانت ساق النعام هي القنطرة الوحيدة بين نظامي البشير وحسني مبارك.. انها سفينة تتكدس بالتسالي والكركدي، وعيون بنات الجالية، ودخاخين المدخنين..!

 يتذكر الإنسان  فى هذه الدنيا ما يشتهي، ويموت على ما عاش عليه..!  كان أُسامة شديد الولاء لآخر سورة الحشر..كان يتقرفص ويقرأها بين هرج المازحين و نفثات المدخنين،، والبيوت القاهرة مثل علبة كبريت.. وجدنا شقة على شارع الروضة فى المَنْيَّل، جوار سينما فاتن حمامة.. وجدناعند بابها  حارس أسمر من بقايا الهجانة الذين شربوا رطوبة الريف.. هذا الرجل “من عِندِنا ” ، لكن لسانه إلتَوى كما تلتوي الاستراتيجيات الواعدة حين يقول بها السياسيون في الجلسات الافتتاحية..! هذا البواب الأسمر لا تسمع منه الآن إلا كلمة “حاضر يا بيه”، ومع ذلك فهو قليل الكلام رغم كونه معاشي، و ربما تحاشى الإتساق معنا، فالسودانيون في تلك القاهرة لا يعرفون إلا أمنيات التجمع الخائبة..!  قال لأسامة ذات يوم إن “الأهرام  ما تكدبش”..! ما معنى أن تقول  لصحفي مثل هذا الكلام..؟

زرنا مصطفى سيد أحمد في عين شمس حين عاد من موسكو..كان يومها طروباً لا يدخل اليأس إليه..في الطريق إلى ذلك الكروان، ومن أبواب مواربة رأيت لحى الجماعات السلفية  البشعة..يقال أنهم كرماء يفتحون ابوابهم هكذا للناس، ويستقبلون القبلة كي يأكلون الطعام..   لكنهم بعد ذلك يشعلون النار ويدسون فى المخابئ ذخيرة الكفار التى أرى وقع آثارها على الجدران..!

ويا لهول القاهرة علي غريبٍ هرب من لحية الترابي التي زحفت إلى نياشين ورُتب العسكر   يا للهول ، حين تجد أمامك ما ظننت النجاة منه..! رأيت دمعة في عينيه حين كان مصطفى سيد احمد يغلي بأغنية تقول: “أغني الناس المابتسمعني.. المني بعيد..والمبعد عني”..!  لقد شطر المغني قلوبنا..!

 في اليوم الأول في شوارع القاهرة كنت على موعد مع الموت..وقعت من أتوبيس لا يقف على محطات السفر إلا غمضة عين.. ربت على كتفي، واستعدل نظارتي، وخرجنا إلى محطة الملك الصالح وركبنا المترو.. كان يقرأ قصيدة للشاعر محمد نجيب محمد علي ارسلها معه  الى مصطفى.. تقول القصيدة : ” خيول الريد أبت تمشي، ووقع سرج الكلام من فوق.. وخانت وعدها وجنَّت ، وغنَّت وصوتها كان مخنوق..”.. أُغنيةُ لم يسمعها أحد، فقد مات مصطفى ومات أُسامة، في ذات المكان :الدوحة..!

افترقنا..لامست كفي كفه في الدوحة بعد سنوات ،، ثم افترقنا مرة أُخرى.. جاءني صوته فى العام 2008 متهدجاً جداً.. ودَّعني، لكني ما ودّعته، وانتهى الأمر.. “كفن من طرف السوق  وشبر بالمقابر”..!

 أيّها الناس، أقراؤا شيئاً من القرآن على روحه الطاهرة، وعلى روح المغني.. لقد رحل أسامة أحمد موسى و كادوقلي الخضراء تنتظر أن يعود إليها ، وشوارع أم درمان  لم تزل تنسج في الضحى شبالاً يكشح بسمته الصافية فى وجه تجار الحرب والدين..! يرحمه الله، فقد كان طويلاً جداً، و كنت أناديه بـ “أسامة الطويل”، ولم استدرك أنّ عمر كل رائع قصير.. يرحمه الله،، تلك روح طيبة  استحالت إلى زهرة في الهضاب..!