محمّد جلال أحمد هاشم القرآنُ هو كلامُ الله ما في ذلك شكّ، ولكنّه ليس كلام الله في عين ألفاظه ذلك كونها مادّيّة، أي محدودة. ولهذا جاء قولُ الله: ﴿قل لو كان البحرُ مداداً لكلمات ربّي لنفد البحرُ قبل أن تنفد كلماتُ ربّي ولو جئنا بمثله مددا﴾ [الكهف: 109]. .

ولنلاحظ أنّه أشار إلى كلماته دون كلامه، أي إلى التّمثيل دون النّوع، أي، وفق منهج الاستقراء، الانتقال من الجزء إلى العام وكون القرآن كلام الله فلا يعني أنّه كذلك في عين ألفاظه، فهذا معناه التّحديد والتّعيين، وهو ما لا قبل للأشياء به. فالذّات الإلهيّة هي المطلق، واللفظ محدود. جاء في تفسير الآية: ﴿وما كان لبشرٍ أن يُكلّمه الله إلاّ وحياً أو من وراء حجاب أو يُرسل رسولاً فيُوحى بإذنه ما يشاءُ فإنّه علِيٌّ حكيم﴾ [الشّورى: 50] عند ابن كثير (مج 4، 1997: 122): «هذه مقامات الوحي بالنّسبة إلى جنّات الله عزّ وجلّ، وهو أنّه تبارك وتعالى تارّةً يقذف في روع النّبيّ (ص) شيئاً لا يتمارى فيه أنّه من الله عزّ وجلّ، كما جاء في صحيح ابن حيّان عن رسول الله (ص)  أنّه قال: ‘إنّ روح القدس نفث في روعي أنّ نفْساً لن تموت حتّى تستكمل رزقها وأجلها، فاتّقوا الله في الطّلب’. وفي قول تعالى ﴿أو من وراء حجاب﴾ كما كلّم موسى عليه السّلام، فإنّه سأل الرّؤية بعد التّكليم فحُجب عنها». فالله يتكلّم من خلال روح عبده المؤمن في حياتها. أمّا بعد الموت، فيكون كلام الله مع عباده المصطفين كفاحاً وهو ما حدث مع عبدالله بن عمر بن حرام عندما قُتل في وقعة أُحد؛ وفي هذا نظر واختلاف ما بين السّلفيّين وأهل التّصوّف لا مجال للتّعرّض له. لكن تكمن النُّكتة في أنّ الإنسان بعد موته لا تبقى منه غير الرّوح في مقام الشّفافيّة المطلق، بينما يلزم الجسد مقام المادّة على الأرض؛ والأمر كهذا لزم أن يكون هناك فرق بعلّة الإنسان واستدراك قابليّته إزاء كمال الذّات الإلهيّة. في هذا جاء تفسير ابن كثير (المرجع السّابق): « وفي الصّحيح أنّ رسول الله (ص) قال لجابر بن عبدالله (رض): ‘ما كلّم اللهُ أحداً إلاّ من وراء حجاب، وإنّه كلّم أباك كفاحاً’. كذا جاء في الحديث، وكان قد قُتل يوم أُحد، ولكن هذا عالم البرزخ،  والآية هي إنّما في الدّار الدّنيا».

على قلّته مقارنةً بأيّ نصّ ديني آخر، فقد طال لفظ القرآن المقروء بالألسن من التّعديل ما طال، ذلك كونه حادثاً وليس قديماً قدم القرآن كلام الله الذي لا يتغيّر ولا يستجدّ. فبحسب أبي بكر الشّبلي أنّ الله هو «الواحد: المعروف قبل الحدود وقبل الحروف» (أبو القاسم عبدالكريم القُشيري، 2001: 12)؛ وفي تفسير هذا يستطرد عبد الكريم القُشيري قائلاً: «وهذا صريح من الشّبلي أنّ القديم ــــ سبحانه ــــ لا حدّ لذاته، ولا حروف لكلماته» (المرجع السّابق). وعلى هذا جاز أن تتعرض ألفاظه في عينها لتحوّلات كبيرة نسبيّاً. من ذلك ما جاء في موطّأ مالك بخصوص الصّلاة الوسطى وإذا ما كان قد نزل بشأنها من القرآن ما يدلّ على أنّ صلاة العصر هي المعنيّة، وهل هي صلاة العصر أم هي صلاة قائمة بذاتها، أم هي صلاة الفجر، أم صلاة الظّهر، وهل فعلاً اشتملت الآية 238 من سورة البقرة على ذكر صلاة العصر، ولكنّها سقطت في المصحف العثماني: (369) «حدّثني يحيى، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي يونس مولى عائشة أمّ المؤمنين، أنّه قال: ‘أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً، ثمّ قالت: ، فلمّا بلغتهَا آذنتُها، فأمْلَتْ علَيَّ: . قالت عائشة: ’. (370) وحدّثني عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عمرو بن رافع، أنّه قال: ‘كنت أكتب مصحفاً لحفصة أمّ المؤمنين، فقالت: ، فلمّا بلغتها آذَنْتُها، فأمْلَتْ علَيَّ: ’. (371) وحدّثني عن مالك، عن داود بن الحصين، عن ابن يربوع المخزوميّ، أنّه قال: ‘سمعتُ زيد بن ثابت يقول: ’. (372) وحدّثني عن مالك، أنّه بلغه أنّ عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن عبّاس كانا يقولان: ‘الصّلاة الوسطى صلاة الصُّبح’». ومن ذلك أيضاً سقوط آيات معروفة ومشهورة أوّل الأمر، عندما شُرع في جمع المصحف لأوّل مرّة على عهد عثمان بن عفّان بدعوةٍ من عمر بن الخطّاب لتدوين القرآن، فلم يوافق عثمان إلاّ بعد أن ثنّى زيد بن ثابت ما قاله عمر (ابن جرير الطّبري، 2002: 59-61).

صدرت العديد من الكتب التي تناولت تاريخ القرآن وكيفيّة جمعه، خاصّةً ما كتبه المستشرقون في هذا الصّدد، وهو ما قد يرفضه الكثير من المسلمين بحجّة مآربهم المضادّة للإسلام (راجع ما كتبه أمثال تيودور نولدكه، 2004؛ إقناتس قولدتسيهر، 1995). ولكن، مع التّسليم بأنّ المستشرقين ربما لم تخلص نواياهم، إلاّ أنّه من الخطأ بمكان كبير الزّعم بأنّهم قد افتأتوا على القرآن وعلى المسلمين. فهؤلاء كتبوا عن القرآن من منصّة عدم الإيمان به؛ ومع هذا اتّصفت كتابتُهم بمنهجيّة علميّة صارمة أصبحت مثالاً يُحتذى للعلماء المسلمين ممّن نهجوا مناهج العلم الحديثة. ورد في مصادر تاريخ القرآن أمثلة عديدة من قبيل ما ذكره مالك في موطّئه؛ من ذلك ما قد يرفضه الكثير من المسلمين بسسب نسبة بعضها لرجال مشكوك فيهم، مثل عبدالله بن أبي سرح وغيره.

نخلص من هذا بشيء هامّ، ألا وهو الفرق بين القرآن بوصفه كلام الله من جهة، وبين القرآن كنصّ وكلغة تمّ صبّ القرآن فيها من ناحية أخرى، وهو ما سنتناوله أدناه.

 

نزل القرآن على سبعة أحرف

هذا العنوان يعني عند جمهور القرّاء والفقهاء أنّ القرآن قد تمّ تنزيله على سبع لغات، بمعنى أنّ كلّ لغة فيه قائمة على ذاتها. وما يجب الانتباه له أنّه لا علاقة بين الأحرف من جهة، وبين القراءات من جهةٍ أخرى. فالحرف في اللغة يعني اللغة، بما يعني أنّه كانت للعرب سبع لغات عربيّة. وهذا جائز وشائع في اللغات؛ فعندنا هنا في السّودان، مثلاً، ستّ لغات نوبيّة على أقلّ تقدير، هي اللغة الكنزيّة الدّنقلاويّة، اللغة المحسيّة (على النّيل بشمال السّودان)، لغة الأجانق (بجبال النّوبة بجنوب كردفان)، لغة الحرازة (بشمال كردفان)، لغة الميدوب (بشمال دارفور)، ثمّ لغة البرقد (بوسط غرب دارفور). ما نلاحظه في هذه اللغات الشّقيقات أنّها غير متبادلة الفهم not mutually intelligible، بمعنى أنّ المحسي قد لا يفهم الدّنقلاويّة، وكذلك قد لا يفهم لغة الأجانق إلخ. ولا عبرة هنا بمن يعاملون هذه اللغات على أنّها لهجات لسبب أو لآخر، بسبب أنها غير مكتوبة. فهذا رأي غير علمي، إذ تصبح اللغةُ لغةً لاشتمالها على نظام صوتي وصرفي ونحوي، إذا لم تمتلكه فلن يكون في مقدورك التّواصل بها مع متحدّثيها. إذن، بنفس القدر الذي لدينا فيه ستّ لغات نوبيّة غير متبادلة الفهم، كذلك كان للعرب قبل الإسلام إلى صدره سبع لغات غير متبادلة الفهم، إحداها حرف (أو لغة) قريش، أي اللغة العربيّة الفصحى التي نتحدّثها جميعاً الآن ونقرأ بها القرآن.

هذه المسألة تعرّض لها طه حسين قبل ما يقرب من قرن من الزّمان. فهو يقول في كتابه عن الشّعر الجاهلي: «ما يمكننا من استقصائه وتفصيل القول فيه، وهو أنّ القرآن الذي تُلي بلغةٍ واحدة هي لغة قريش ولهجتها، لم يكد يتناوله القرّاء من القبائل المختلفة، حتّى كثرت قراءاته وتعدّدت اللهجات فيه وتباينت كثيراً، جدّ القرّاء والعلماء المتأخّرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علماً أو علوماً خاصّة» (طه حسين، في الشعر الجاهليّ، 1926: ص 46). وهو في هذا إنّما اتّبع ما قاله قبله المفسّرون، وعلى رأسهم ابن جرير الطّبري في تفسيره (2002، المجلّد الأوّل: 21-55؛ ويتناول هذا في باب «القول في اللغة التي نزل بها القرآن من لغات العرب»). وقد جاء في تفسير الطّبري أنّ الله قد أنزل القرآن بسبعة أحرفٍ رحمة بالعرب لاختلاف ألسنتها فيما نُصح به النّبيّ كي يستزيد منها حتّى تطيق العرب قراءته؛ ويقول: «والدّلالة على صحّة ما قلناه، من أنّ معنى قول النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ‘نزل القرآن على سبعة أحرفٍ’، إنّما هو أنّه نزل بسبع لغاتٍ كما تقدّم ذكرناه عن الرّوايات الثّابتة …» (المرجع السّابق: 48).

أمّا ما يعرف بالقراءات السّبع، فهذه أمرها جدّ مختلف عن موضوع الأحرف التي نزل بها القرآن. ففيها يقول طه حسين: «ولسنا هنا نُشير إلى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافاً كثيراً في ضبط الحركات سواء أكانت حركات بِنْية أو حركات إعراب. لسنا نُشير إلى اختلاف القرّاء في نصب ‘الطّير’ في الآية ﴿يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾ أو رفعها، ولا إلى اختلافهم في ضمّ الفاء أو فتحها في الآية ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكِمْ﴾، ولا إلى اختلافهم في ضمّ الحاء أو كسرِها في الآية ﴿وَقَالُوا حِجْرَاً مَحْجُوراً﴾، ولا إلى اختلافهم في بناء الفعل للمجهول أو للمعلوم في الآية ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ في أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ بَعْدَ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾، لا نُشير إلى هذا النّحو من اختلاف الرّوايات في القرآن …» (1926: 46). أي أنّ المقصود هنا ليس ما يُعرف بالقراءات السّبع التي يجري عليها تدوين القرآن حسبما فصّله العلماء واتّفقوا عليه (راجع تفصيل ذلك في الحسن بن أحمد الفارسي، 1983، مج 1). ما يعنيه طه حسين هنا هو أنّ العرب كان لديها حوالي سبع لغات تختلف فيما بينها، وربّما استعصى فهم لغة قبيلة بعينها على العرب الذين ينتمون إلى القبائل الأخرى. وهذا ما يُعرف في اللغة باسم «الحرف». فهو يقول: «الأحرف إذن اللغات التي تختلف فيما بينها لفظاً ومادّةً. فأمّا هذه القراءات التي تختلف في القصر والمدّ وفي الحركة والسّكون وفي النّقل والإثبات وفي حركات الإعراب، فليست من الأحرف في شيء، لأنّها اختلاف في الصّورة والشّكل لا في المادّة واللفظ. وقد اتّفق المسلمون على أنّ القرآن أُنزل على سبعة أحرف، أي على سبع لغات مختلفة في ألفاظها ومادّتها» (في الأدب الجاهليّ، 1958: 96). ومسألة تنزيل القرآن على سبعة أحرفٍ، وفق ما ورد في الأثر عنها، ينظر إليها طه حسين من زاوية جدّ مختلفة. فقد اصطنعها العرب من خارج حدود لغة قريش عندما استعصت عليهم القراءة وفق هذه اللغة. فهوي يقول إنّ هذا أمر اقتضته «… ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي لم تستطع أن تغيّر حناجرها وألسنتها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النّبيّ وعشيرته من قريش، فقرأته كما كانت تتكلّم، فأمالت حيث لم تكن تميل قريش، ومدّت حيث لم تكن تمدّ، وقصرت حيث لم تكن تقصر، وسكّنت حيث لم تكن تسكّن، وأدغمت أو أخفت ونقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل» (في الشّعر الجاهليّ، 1926: 46). وهذه مسألة في غاية الخطورة، مرّ عليها النّاس مرور الكرام، فلم يتوقّفوا عليها إلاّ بقدر الاستناد عليها للنّيل من قائلها، من قبيل ما فعلته لجنة علماء الأزهر (انظر ذلك في مصطفى صادق الرّافعي، 2002: 131) تكفيراً لطه حسين، بدلاً من أن تسعى لتفنيد ما قاله. إذ أشارت إلى أنّ «… هذا تصريح منه بأنّ القراءات لم تكن منقولة كلّها عن النّبيّ (ص)، بل هي من اختلاف لهجات القبائل، فالسّبع المتواترة ليست عنده واردة عن النّبيّ (ص)، ومعلوم في أصول الدّين أنّ السّبع متواترة وأنّ طريقها الوحي، فمنكرها كافر». وبالطّبع، لا يهمّنا هنا كفر طه حسين من إسلامه، فهذا ليس موضوعنا، بل نُعنى بحجّته القائلة بأنّ هذه الأحرف السّبع إنّما كانت لغات قائمة بذاتها، وأنّها شيء يختلف عمّا تعارف عليه القرّاء باسم القراءات السّبع. فجمهور العلماء المكفِّر لطه حسين لا يتعرّض لهذه النّقطة، بل يقفز عليها لمناقشة موضوع القراءات، بينما طه حسين لا يتحدّث عنها، بل عن مقولة «نزل القرآن على سبعة أحرف».

شاعت بين عامّة العرب ومثقّفيهم أنّ الشّعوب العدنانيّة، أي التي ينتمي إليها القرشيّون، كانوا يتحدّثون لغةً واحدة. إلاّ أنّ طه حسين ينفي هذا الأمر، إذ يبدأ تنفيده بقوله: «فالرّواة مجمعون على أنّ قبائل عدنان لم تكن متّحدة اللغة ولا متّفقة اللهجة قبل أن يظهر الإسلام فيقارب بين اللغات المختلفة ويزيل كثيراً من تباين اللهجات» (في الأدب الجاهليّ، 1933: 93). إذن، فالإسلام هو الذي وحّد بين هذه اللغات واللهجات، ذلك بتأثير القرآن، وهو نفسه (أي القرآن) لم ينجح في أن يفعل هذا بطريقة حاسمة إلاّ بعد أن قام عثمان بن عفّان بحرق جميع المصاحف التي كانت تقرأ بالأحرف الأخرى، مبقياً فقط على حرف قريش.

بعد هذا يتّجه طه حسين لإثبات أنّ اللغة التي كان يتكلّم بها العرب العاربة ليست هذه اللغة التي نتكلّم بها، أي ليست هي نفس لسان قريش، أو قل حرف قريش: «… نستطيع أن نقول إنّ الصّلة بين اللغة العربيّة الفصحى التي كانت تتكلّمها العدنانيّة واللغة التي كانت تتكلّمها القحطانيّة في اليمن إنّما هي كالصّلة بين اللغة العربيّة وأيّ لغة أخرى من اللغات السّاميّة المعروفة» (في الشّعر الجاهليّ، 1926: 41). من ثمّ ينتقل إلى إثبات أنّ لغة حِمْيَر (العرب العاربة) ليست هي نفس اللغة التي نتكلّم بها الآن، أي ليست لغة قريش. فطه حسين يشُير إلى أنّ الرّواة متّفقون على أنّ «… هناك اختلافاً قويّاً بين لغة حِمْيَر (وهي العرب العاربة) ولغة عدنان (وهي العرب المستعربة). وقد رُوِي عن أبي عمرو بن العلاء أنّه كان يقول: ‘ما لسانُ حِمْيَر بلساننا ولا لغتهم بلغتنا’» (في الأدب الجاهليّ، 1933: 83). وأراد الله أن يوفّق العلماء إلى قراءة هذه اللغات «… فيستنبطوا نحوها وصرفها ويقارنوا بينها وبين غيرها من اللغات السّاميّة القريبة والبعيدة عنها. وكانت نتيجة هذا … أنّ اللغة الحِمْيَريّة شيء واللغة العربيّة الفصحى شيء آخر، وأنّ هذه اللغة الحميريّة أقرب إلى اللغة الحبشيّة القديمة منها إلى اللغة العربيّة، متأثّرةً بنحو هذه اللغة الحبشيّة وصرفها أكثر من تأثّرها بنحو عربيّتنا الفصحى وصرفها …» (المرجع السّابق، 1933: 84). بعد هذا يأتي طه حسين بنصوص من اللغة الحميريّة، مرفقةً مع شروحاتها، ليختم بنصٍّ حميري يتركه غُفلاً من أيّ شرح، من قبيل تحدّي من لا زالوا يؤمنون بأن شعراء ما قبل الإسلام (مثل شعراء المعلّقات) كانوا يتكلّمون بحرف قريش (المرجع نفسه: 88) دون أن يفسّره. وقد أتي طه حسين بهذا المقطع أدناه دون شرحه من باب التّحدّي:

عبد كللم وشعنهوا ذولي بت اله

لعاد وبنيهمي هنام وهعل الهت قولم

ناو وهشينن بتهمو يرت بردا رخمنن وصنا

بورخ ذخرق ذلثلثن وسبعي وخمس ماتم حيو (ل) «انتهى»

ثمّ يختم طه حسين بقوله (نفسه): «الأمر إذن أوضح وأبين من أن نبين القول في تفصيله، فالقحطانيّة شيء والعدنانيّة شيء آخر، والحميريّة شيء والعربيّة شيء آخر. والذين يريدون تاريخ الآداب العربيّة لا يؤرّخون الآداب الحميّريّة، كما أنّهم لا يؤرّخون الآداب العبرانيّة أو السّريانيّة».

تعكس لنا هذه الحقائق المُتغافَل عنها شيئاً خطيراً، ألا وهو مشروعيّة التّعبّد بحرف غير حرف قريش، أي بلغة تختلف عن اللغة العربيّة الفصحى التي نعرفها جميعاً الآن. أي بلغة تُشبه اللغة المكتوبة أعلاه التي أوردها طه حسين والتي تشبه كثيراً اللغة الحبشيّة (القعزيّة، الأمّ المباشرة للغة التقرينجيا، أي إحدى اللغات الرّسميّة لدولة إثيوبيا). والسّؤال هو: إذا نزل القرآن بسبعة أحرف لم تكن متبادلة الفهم، وصحّت العبادة بها جميعاً، فهل يعني هذا أنّ جبريل كان يقرأ القرآن على النّبيّ محمّد بها جميعاً، أم أنّه كان يجوز للنّبيّ أن يقرأ لكلّ فريقٍ من العرب بحسب لغات كلٍّ منهم؟ السّؤال الملحّ هو: هل كان النّبيّ محمّد ليمتنع عن قراءة القرآن بأيّ لغة أخرى غير لغات العرب، إذا كان يعرفها، كيما يدعو أهل تلك اللغة إلى الإسلام؟

واجهت هذه المعضلة الفقهاء، لا في محمل موقف النّبيّ منها، بل في محمل موقفهم من الأمم غير العربيّة التي دخلت في الإسلام وهي لا تعرف من العربيّة شيئاً. وقد انتهى أمرهم بعدم تحريم التّعبّد بالقرآن في حال ترجمته، متى ما ضمن النّاس متانة التّرجمة وحسن سبكها في الآيات المُحكمة التي لا تقبل تأويلاً، دون التّعبّد بتفسيره مترجماً، فهو مقطوع بحرمته. هذا وإن كانوا قد جوّزوا أن يصلّي من لا يجيدون من العربيّة حرفاً واحداً وهم سكوت، أي دون أن يقرأوا شيئاً بأيّ لغة أخرى. ولكن يستوقفنا هنا رأي أبي حنيفة، وهو أوّل الفقهاء وأشهرهم عملاً بالرّأي والعقل. فقد جوّز أبو حنيفة الصّلاة بقراءة القرآن بلغةٍ غير العربيّة، أكان الشّخص يعرف العربيّة أم يجهلها. فقد ذهب إلى أنّ «… قراءة القرآن في الصّلاة بالفارسيّة تجزي، ويعتبر الشّخص أدّى ركن القراءة …، سواء أكان عاجزاً عن القراءة بالعربيّة أم غير عاجز، ولكن يُكره ذلك عند عدم العجز» (محمّد أبو زُهرة. 2008: 268). هذا بينما ذهب أشهر تلامذته إلى أنّه لا تُقبل القراءة بغير العربيّة، إلاّ في حال العجز عن العربيّة، بينما قطع الشّافعي بعدم جواز القراءة بغير العربيّة، ولو كان المرء عاجزاً. فقد ذهب إلى أنّه يجوز للشّخص «… في هذه الحالة أن يدعو الله بما يعرف ويسبّح» (المرجع السّابق). ويثير لنا ما ذهب إليه الشّافعي جملةً من الأسئلة، أوّلها كيف جاز ترجيح الصّمت على الإفصاح؟ ثمّ كيف تمّ التّعويل على معرفة الله لخلجات العابد الذي لا يعرف العربيّة في حال أدائه الصّلاة وهو صامت، بينما لم يتمّ التّعويل على نفس هذه القدرة الإلهيّة في معرفة اللغات الأخرى خلاف العربيّة؟ كما يضعنا موقف أبي حنيفة، برغم تراجع تلاميذه عن رأيه، وبرغم تمحّل بعض اللاحقين للنّصوص بغية أن يبرّئوا أبا حنيفة من رأيه بزعم تراجعه عنه بلا طائل، أمام موقف فريد في التّشريع الفقهي بما يجلب المنفعة ويزيل الحرج. فأبو حنيفة عايش مشكلة حياتيّة ماثلة أمامه، عندما وجد الفرس يعاظلون اللغة العربيّة فتستعصي عليهم، لا يحيرون منها حرفاً. فبحسب ما قاله محمّد أبو زُهرة، «… إذ أنّ أبا حنيفة الذي عاش أكثر من خمسين سنةً في العصر الأموي، قد أدرك الفرس. وهم يدخلون في دين الله أفواجاً أفواجاً، وهم يلوون ألسنتهم بالعربيّة، لا يحسنون النّطق بها ولا تستطيع ألسنتهم إخراج الحروف العربيّة من مخارجها وإن عرفوا العربيّة بالجملة، واستطاعوا التّفاهم بها بشكل عام، ثمّ رآهم ينطقون بآي القرآن نطقاً شائهاً، وألسنتهم تأكل حروفها، وينطقون بألفاظ الكبير، ولفظ الجلالة نطقاً غير حسن. فرأى أنّه يجوز للأعجمي تيسيراً ورخصةً [جاءت في الأصل ‘ووخصةً’] أن يقرأ معاني الآية المحكمة التي لا تقبل تأويلاً. وأن ينطق ألفاظ الكبير بالفارسيّة»  (محمّد أبو زُهرة، 2008: 270).

وعلى تحفّظنا في تبريرات محمّد زُهرة، تبقى حقيقة أنّ أبا حنيفة تصدّى لمشكلة فقهيّة عايشها في حياته اليوميّة، ومن ثمّ صدع فيها بموقف واضح لا لبس عليه، ألا وهو حِلِّيّة التّعبّد في الصّلاة وغيرها بلغة غير العربيّة، تسبيحاً وقرآناً. شيء آخر نريد أن نلفت النّظر إليه، وهو أنّ الإسلام، ربّما لدوافع أيديولوجيّة بحتة تتعلّق بالحميّة القرشيّة (بمثلما زُعم في سقيفة بني ساعدة أنّ أمر المسلمين لن يستقيم إلاّ بخليفةٍ من قريش)، قد تمّ اعتقاله داخل سجن حرف قريش، بينما كان طليقاً على عهد النّبيّ، يُقرأ بأكثر من لغةٍ، ويُتعبّدُ بها جميعاً. في هذا، بحسب ما ذهب إليه نصر حامد أبو زيد (1996)، يقف الشّافعي كأحد الآباء الرّوحيّين والفقهيّين الذين سعَوا بفكرهم وقلمهم لتعريب الإسلام أيديولوجيّاً. إذن، علاقة القرآن باللغة تطرح لنا مشكلة لا بدّ من مواجهتها بشجاعة علميّة وبتجرّد بغية استشراف الحلّ لها.