خالدفضل صبيحة انتهاء جلسات المؤتمر العام الثاني للحركة الشعبية في مايو2008م بمدينة جوبا , أقيم احتفال بمناسبة ذكرى تأسيس الجيش الشعبي الحركة الشعبية في 16مايو1983م. ألقت السيدة ربيكا قرنق أرملة الراحل د.جون قرنق كلمة ذات مغزى

أرسلت عبرها عدة رسائل لعل بعضها يفسر ما يجري حاليا في هذه الدولة الوليدة والتي يربطها بالسودان وشائج الدم والتاريخ وسبط العلاقات الانسانية الذي لا ينفصم على الأقل بالنسبة للسودانيين شمالا وجنوبا ممن عاشوا التاريخ الموحد رغم إظلام بعض جوانبه. في خطابها ذلك أشارت ماما ربيكا (كما يحلو مناداتها وسط منسوبي الحركة ) الى قصة تأسيس الحركة , وكيف أنها عاشت تلك الأيام الصعبة , (لقد نسيت استخدام قلامة الأظفار) كما قالت , كنت أطحن الذرة وأعد الطعام ,وأغسل ملابس الرفاق وأكويها بيدي هاتين , ولأنني سيدة أعرف ما يعانيه الرجل بعيدا عن زوجته لذلك كنت أحرص على القيام بتلك المهام لهذه الثلة الباكرة من مؤسسي الحركة ومنهم الرفيق سلفاكير وباقان وكاربينو إلخ …, المهم في تلك الرسالة أرادت ربيكا أن تؤكد على الحقوق الأدبية للمؤسسين حتى لا يزايدن أحدا عليهم وربما قصدت كذلك ألا يزايدن بعضهم على بعض.ثم عرجت للحديث عن الخلافات العاصفة التي سادت المؤتمر وأدت لتعليق جلساته ليومين تقريبا قالت إن المختلفين جميعهم من الرجال , كنت أود التقدم معهم لمركز القيادة في الحركة لكنني آثرت الإنسحاب هذه المرة  إنني على يقين بأن وجود إمرأة في القيادة سيقود الحركة برفق وبتوجه إنساني محض فمن غير المرأة أقدر على قيادة الأسرة برفق وبالتالي قيادة الشعب ؟لقد انسحبت هذه المرة ولكنني لن انسحب المرة القادمة . لقد كان ذلك تدشينا مبكرا لحملة السيدة ربيكا في سباق التنافس على قيادة الحركة وقيادة الحكومة فيما بعد, ويمكن ربط ذلك بالتطورات الحالية وموقع ربيكا وأسرة قرنق منها .

من جانبه فإن السيد باقان أموم كان قد أعلن أنه ورفاق آخرين قد قادوا حركة تمرد ضد سلطات المركز الخرطومي قبل قيام الحركة الشعبية بنحو عام تقريبا وعندما تمرد د. جون ورفاقه وجدونا قد سبقناهم . وبعد مفاوضات لم تستغرق وقتا طويلا اندمجنا في الحركة الشعبية وفق برنامج السودان الجديد الذي طرحه د. جون , أراد باقان بحديثه ذاك أن يلجم أي محاولة للنيل منه أو وصفه بما يشبه الذم بأنه من أولاد قرنق وهو الوصف الذي يستخدم على سبيل السخرية على مجموعة من القيادات التي ظلت قريبة من قرنق , مما دعا سلفا كير نفسه للإشارة اليه في خطاب له بدار القطاع الشمالي حينما سخر من ذلك المصطلح واصفا نفسه بالابن الأكبر لقرنق . الرسالة المستقاة من حديث باقان يستفاد منها أن المعادلة يجب أن تقوم على أساس الندية , ولعله لذلك كان باقان أموم يبدو متشددا تجاه الألتزام ببرنامج بناء السودان الجديد والدعوة له بقوة مما أكسبه عداء الشركاء في اتفاقية السلام الشامل وتعرضه المستمر لحملات منظمة من أجهزة إعلامهم وتصويره كأنه عدو ذميم وليس شريك حريص على مقتضيات الشراكة المفضية للتغيير وإعادة بناء الوطن على أسس جديدة , وبينما عتب الكثيرون على الفريق سلفا كير عكوفه في الجنوب مهملا دوره كنائب أول لرئيس الجمهورية مما أدى لإضعاف أثره في القضايا القومية ولدرجة السخرية بأن الأمر الوحيد الذي بت فيه كان قرارا متعلقا بمشروع الجزيرة وفي إتحاه يخدم قانون 2005 المختلف حوله . الآن يقف السيدان باقان وسلفا على طرفي نقيض في قضايا تخص جمهورية جنوب السودان المستقلة حديثا , وفي ذروة احتدام الخلاف يدعو باقان الى المصالحة ويشير الى سلفا كير بلعب دور الزعيم وليس مجرد رئيس , في المقابل يتم الإعلان عن اعتقال باقان بتهمة الضلوع في محاولة قلب السلطة التي ظل يشغل منصب الأمين العام لحزبها الحاكم حتى قبيل شهور قليلة الأمر الذي حدا بكثير من المراقبيين الى وصف ما حدث بأنه تصفية وإقصاء لمنافسين محتملين أكثر من كونه محاولة حقيقية لقلب نظام الحكم , خاصة مع تزايد وتائر الإنتقادات لسياسات الرئيس وإجراءاته التي يرى فيها رفاقه خروجا عن برنامج الحركة ومشروعها السياسي, وهي انتقادات معتادة بين الرفاق إذ كثيرا ما احتدم الخلاف بينهم لدرجة تصور حدوث انشقاقات بيد أن سلفا كير كان يبدو أكثر حكمة وهو يقود الخلافات الى نقطة تلاقي وسطى الا أن الأمر قد إختلف هذه المرة فيما يبدو مما قاد الى المواجهة العسكرية الحالية .

ثم والخلاف يحتدم في أروقة المؤتمر العام الثاني حول تعديل دستور الحزب ليصبح للرئيس نائب واحد عوضا عن ثلاثة نواب وكان المرشح المحتمل لذلك الموقع هو السيد جيمس واني ايقا (نائب الرئيس سلفا الحالي), وقد كان القطاع الشمالي يدعم هذا التعديل بقوة , في تلك الأجواء عقد اجتماع عاصف لقيادة الحركة للتداول حول الموضوع , وبحسب إفادات من بعض حضور ذلك الإجتماع فإن د. رياك مشار قد بدا موضوعيا وهو يشير الى أن ابعاده عن القيادة قد يكون أمرا مفهوما بالنسبة له شخصيا , ولكنه يعتبر غير ذلك بالنسبة للمجموعة العرقية التي ينحدر منها وهي مجموعة لها ثقلها النوعي والعددى ليس في الحركة فحسب بل على نطاق الجنوب , والتي قد تفهم الأمر وكأنه إقصاء لها وليس إجراء سياسي اقتضته الضرورات التنظيمية, اقتنع المجتمعون بما طرحه د. رياك وجرت الأمور بعد ذلك بصورة عادية حتى انفض المؤتمر وجرت مياه كثيرة تحت الجسر وصار الجنوب دولة قائمة بذاتها وظلت ظروف معادلاته الإجتماعية وتركيبته العرقية والإثنية والقبلية كما هي لم تتغير في سنوات قليلة , وإذا كانت الحكمة حاضرة يومذاك وتم تلافي انشقاق مبكر فما الذي غيبها الآن وأوصل الحال بين الرفاق الى مرحلة القتال؟ هل هي طموحات رياك مشار في تولي الرئاسة . وقد أعلن غداة تجريده من منصبه أن قرارات الرئيس صحيحة من ناحية دستورية  إذ أن العيب ليس في القرارات بل في الدستور الذي منح الرئيس هذه الصلاحيلت , وفيما يشبه الإنحناء للعاصفة طلب من مؤيديه الهدوء معلنا عزمه الترشح لمنصب رئيس الحركة وبالتالي رئاسة الجمهورية عند قيام المؤتمر العام الثالث للحزب الذي كان من المؤمل عقده خلال العام2013م بحسب الدستور , ولكنه لم يعقد فاستبقه الفريق سلفاكير بحل مؤسسات الحركة بإعتبارها غير شرعية بإنقضاء الأجل , ولعل هذه الخطوة قد صعدت بالخلاف الى ذروته , كما أدى حرمان الأمين العام من حضور جلسات مؤتمر مجلس التحرير القومي الى بلوغ الأحداث هذا المنعطف , كما أن مقترح التعديلات الدستورية الذي يراه البعض وقد كرس السلطات كلها في يد الرئيس ومنحه الحق في تعيين المكتب السياسي والأمين العام مما يعتبر انفرادا بالسلطة وتوجها ديكتاتوريا مناف لتوجهات الحركة كتنظيم ديمقراطي , كل هذا مقرؤا مع ما يمكن وصفه بهواجس روحانية تتعلق بمعتقد روحي لدى مجموعة النوير مرتبط بعودة العصا المقدسة (دانق) واستلامها بوساطة د. مشار في مطار جوبا عند استعادتها من بريطانيا قبل 3سنوات تقريبا , وبحسب ما يراه النوير فإن من يستلمها سيستلم الحكم , فهل كان لتلك النبؤة دور في التعجيل بحسم وجود مشار كمنافس مؤكد لسلفا كير , ومع شيوع أحاديث قبل فترة تتحدث عن صحة سلفا وتلقيه العلاج بجنوب افريقيا وهو الأمر الذي تم نفيه من جانب الحكومة ,

وبينما تتوالى الإفادات من جانب قيادات عديدة في الحركة الشعبية وهي تنفي تهمة الإنقلاب وتصف ما حدث بأنه انقسام في بعض وحدات الجيش الشعبي , مثل تصريحات ربيكا قرنق ونجلها مبيور وادوارد لينو وبيتر أدوك وحتى باقان أموم نفسه قبل اعتقاله , يلحظ المراقب أن معظم قادة الحركة , ىعتبرون في دائرة الإتهام من جانب الرئيس وأعوانه وبعض قادة الحركة المنحازين لصفه , فهل في هذا الأمر اعادة بائسة لنماذج الثورات التي تأكل بنيها وبناتها ؟ ثم يلوح من بين ثنايا الأزمة تداخلات السياسي مع القبلي والاستخباراتي مع التقاطعات الاقليمية والدولية مع تماس الدولة الأم وظلال حكومتها ومكائدها المعلومة وأجنداتها المعلنة وما تنطوي عليه خططها واستراتيجياتها , كل هذا مع ما وصفه بعض المثقفين الجنوبين , من أن هناك حركة استقطاب وصراع محتدم في منطقة البحيرات ظل الجنوب بمنأى عنه وهو جزء من السودان الكبير بامتداداته الأخرى , الآن وقد صار الجنوب دولة وجد نفسه وجها لوجه مع تلك التحديات والصراعات التي لابد من الولوغ فيها شاء الجنوب ذلك أم لم يشاء . ولعل تلك التحديات وتعدد بؤر الصراع والعنف المسلح في القارة الإفريقية من غربها لشرقها ومن شمالها لجنوبها ونموذج الفشل في الصومال , لعل هذه الأوضاع تجعل المجتمع الدولي أكثر حرصا على عدم زيادة مأساة أخرى فيأتي تدخله حاسما هذه المرة لوأد شرارة نار قد تشعل نارا يصعب اطفاؤها , هذا مع عشم أكبر بأن تعود روح الرفقة النضالية  وتغليب مصالح شعب لم يذق للحياة طعم منذ عقود عسى ذلك يدفع بجهود نزع فتيل الحرب والعودة الى طاولة النقاش الصريح من أحل مستقبل أبناء هذا الشعب الذي لم ينفصل عن الوجدان وإن انفصل على الخريطة .