(تدشين ديوان، ما بعد حرب البسوس) قالوا في التدشين: أنتقل من هدوء القلب، لعصف الذهن (جمال محمد إبراهيم)

محمد الممهدي مجذوب لم يكن يعرف العروض

نار القرآن وموسيقاه تتجلى في كل أعماله

(كمال الجزولي)

ولد شاعرا

(محمد عبدالماجد)

وهل أنتهت حرب البسوس السودانية؟

(عبدالله آدم خاطر)

مشكلة السودان في دارفور، وليست مشكلة دارفور في السودان

(عالم عباس)

        كأن المناخ، تلكم الأمسية، تأثر أيضا، بسطوة الشعر، بعوالم الديوان، وحروبه، ولم لا؟ فمرت تلكم الموجة من البرد، التي أرتجف لها الجسد العاري للغبش، في بلادي، وكفنت بثوب ثلج أبيض قلب الجيتار والريشة والحرف (بهنس) في أرصفة القاهرة، وأشعلت فتيل حرب في المدينة الأخت، والشقيقة جوبا.

         كان أنين الديوان في ذات الحزن، مع شماشة بلا بطانية في أرصفة الخرطوم، “ومقتل” بهنس “بالبرد”، وأرواح تهدر في جوبا، ودماء تسيل في الغرب، في سهول وجبال ومراعي دارفور،  في حرب بسوس طويلة، لا تزال البنادق ترعد، في سموات بلاد سمحة الطباع، وتنشد العدالة والمحبة والاشتراكية. فتغنى، الديوان، والطير يرقص مذبوحا من الألم،  لأرواح بسيطة، جائعة، طيبة، لا حول لها ولا قوة (كما جاء في إهداء الدايون) أنها لا تعرف سبب موتها، ولم..

        كانت أمسية التدشين طيبة، في نجيل إتحاد الكتاب، بنت عم الصيف، أحسبها زفرات الديوان الحرى، تسلل من بين السطور، فأشعلت القلوب، صيف قصير، سويعات، في قلب الشتاء، الشعر كائن اسطوري، كعادته، يلم شمل الأمة، كاهن رؤيوي، يفتك غيم الغيب، ويحذر الناس قبيل الأنفجار (الهمس الذي يسبق العاصفة)، ولكن، لا حياة لمن تنادي، كل الشعوب تصغي للشعراء، لقلوبهم التي تأوي أمه، كل الكنوز،  كل الحكمة، وأنوار التسامح، كانت تشع، وتدخر في قلوب الشعراء، جوته، ريلكه، النابلسي، طاغور، ولوركا، والتجاني، والشابي، فالشعر قرني استشعار، يسبق الأمم، ويحذرها، وهو في ذات الوقت، أنف تشم الحرايق في بدئها، وتشم عراقة الماضي، كي تعتد الأمم، بنفسها، وتراثها، وتسامحها، وطيبة خلقها.

         كان عرسه الثامن، (وليس له سوى رفيقة وحيدة حبيبة)، ولكنه زواج الشعر، ثمان دواين، نضح فيها همه، وموسيقى قلبه، وتطلعات عقله، وحلمه.

        كعادته، أستاذ الكتيابي، في لفظ كل كلمة، كأنها أغنية، حتى يحمد التقديم، يشتعل في نطقها معنى، فقال فيما قال (أن ذاكرة الشعر السوداني تفتخر بعباس)، وبأنه دلق في نهرها سبع جدوال عظام، وهاهو الثامن، يصب في بحر الشعري الملتزم، المغني، المتسامح، ثم قرأ، بترتيل جميل قصائد من (أوراق سريّة من وقائع ما بعد حرب البسوس).

سلام من الله يغشى تخوم البلاد

سلام على الناس، والكائنات

على العدل، والقسط بين العباد

عليها السلام لتلك البلاد

البلاد التي هي هذي البلاد

(من قصيدة هرازات حجر قدو).

        تعجبت من غياب القنوات (ولا تعجب، في إعلام تهيمن عليه الدولة، وتحب من يغني لكرشها المترهل، وقلبها المتحجر، بأعذب الغناء وأكذبه)..

ثم قدمت ورقة الأستاذ جمال، بعنوان:

عالِم عبّاس : عَن جِراحاتِ حَربِ البَسوْس ..

 بقلم: جَمَال مُحمّد إبْراهيْم

(1)
جاء عليّ بن الجَهْم إلى الخليفة المُتوكّل في قِصّةٍيقول بعضُ الرواةِ أنّها موضوعة، ولكنّها – وبرغم سذاجة حبكها- حملتْ دلالاتٍ غير خافية. شبّه الشاعر وفاءَ الخليفة بوفاءِ الكلب ، ورآه تيساً في مقارعة الخطوب والشدائد. تريَّث المتوكّلُ وقال لهم:هلا هيّأتم له  قصراً على النهر ووفرتم له من حياة الترف والدّعة ما يطرب له. .؟ لعلّ الخليفة المتوكّل فطنَ إلى أن الشاعر ابن بيئته- في زعم الرواة- فاستقامنظم علي بن الجهم بعد ذلك على نسقٍ مختلف، فتحوّل إلى لغةٍ مُشبعة بالرّهافة،مُترعة بالرّقة:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن
سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمْـراً عَلى جَمــرِ
بعد سبعِ مجموعاتٍ شعرية، رسّختْ مقامَهُ في عُكاظ الشعر، وعمّدته أميراً شاعراً ، يهلّ عليناعالم عباس محمد نور في خواتيم عام 2013، ويهبنا  ديوانه الثامِن “أوراقٌ سريّة مِن وقائع ما بعد حرب البَسوْس”، الذي جرى تدشينه يوم الأحد 22 ديسمبر الحالي في دار اتحاد الكتاب السودانيين في الخرطوم. بينَ”إيقاعات الزّمن الجامح” ، أوّل مجموعة شعرية لعالم عباس،وديوان البسوس الذي بين أيدينا، ما يقارب الأربعين عاما، حفلتْ بثراءِ في التجربة الحياتية، وبنضجٍ مُبكرٍ في ارتياد آفاقِ الشعر، بغنائيةٍ عالية، وبلغةٍ بلغتْ من السموّ درجاتٍ سامقة.
(2)
هذه المرّة يُفارق الشاعر الفحل عالم عباس هدوءَ نظمِه الذي عهدنا، إلى غضبات الشعر وعجاجاتهِ.  يخرج شاعرُنا من عشِّه الدافيء إلى عُكُناتٍ قَد  استعمرتها الدبابير، تلسعَ من “فاشِــرِهِ” إلى “الجنينة”. . تُتلفَ زرعَهُبعد اخضرار، وتُحرق ثمره بعد إيناع، فلا مناصَ إلّا أنْ يغضب . لا خيار إلا خَيار انتفاض الرّوحِمن غفوتها الطارئة. من تمرّدها وارتيادها لآفاقٍ لم يكن هذا الرقيق الحاشية، يتصوّر نفسَهُ أن يكون في عارِم ِغضباته، إعصاراً كاسحاً، أسداً دارفورياً هصوراًيرِدَ زئيرُهُ مشارب النيل وسواقيه. بدا لي بعضُ ما نظم “عالم” من قبل انفتاح جراحات دارفور، مُحتشداًببشارات طليّة من المحبّة والتسامح،ممّا انتظم هذا الكيان المتنوّع فجاء نظمهشِعراًحريرياً مُموسقا.حفـَرَ شاعرُنا عالِمٌ  عالَمَاً يَخُصّهُ وحده،وَحمّلَه رؤاه الشعرية المميّزة. صاغَ شاعرُنا عالمُ من فيضِ وجدانهِ الثريّ، ثراء دارفور بثقافاتها، بألسنتها، بفنونها وبغنائها، تصاويره الشّعرية تلك،فنظم لنا قصيداً جميلاً مرهفا، عن شموس العاشقين وأقمار العاشقات.
(3)
في مجموعته الشعرية الجديدة عن وقائع حرب البسوس، يذهب عالم عبّاس إلى  رحلةٍ،ليست كرحلة  ابن الجهم التي أشاع الرواة وزعمواأنها كانت انتقالا من توحّش البادية إلى نعومة الحضر،  بلنجد رحلة “عالِم” إلى وقائع حرب البسوس، سفراً  من هدوءِ الكلام إلى صخبهِ ، ومن ربيعِ قوافيهِ إلى شتاءِ سخطه.إنْ كانتْ رحلةُ بن الجهم،رحلةً قسريّة من التوحّش القاسيّأوّل أمرِهِ، إلى الرِّقة القصوَى آخِر أمرِهِ، نجد شاعرنا “عالِم”في رحلته العكسية، وقد انفتح الجحيمُ تحتَ أقدامه في حريق دارفور، يستلف مِن جمْر هذا  الجحيم حروف قصائده، فيحيل رقة نظمهِ إلى غضبة  عُكاظية عارمة.تصير رهافة حِسّه الشاعر إعصاراً كاسحاً لا يماثل إلا هبباي صلاح أحمد إبراهيم، أو آخرنظم صلاح وقد أمسك الردى بيديه  . . غضباتُ الشعراء الآن، قصائدُ يعلو صوتها على أزيز طائرات تقصفَ كوخَ أرملةٍ في قلب دارفور، قتلوا زوجها في الصباح، وضاع أطفالها في الطريق إلى المدرسة. تطبخ في قصعتِها قصائدَ من حجارة، كي تقاوم لفح الفواجع والمَسْغبة، وتنتظر الإجابات على أسئلة الحياة.  
(4)
أنظر كيف هي غضبة “عالم”، تحيلك حسرته إلى  بكائية دامية ، شجرها يئن تحت فؤوسٍ قاطعه:
كنّا لكم شجراً في الهَجيْر
فكنتُم فؤوسا!
وكُنّا لكم حضن أمٍّرءومٍ،
فلما ملكتُم قطعتم رؤوساً،
رعيناكمُ صبيةً،
ثم لمّا شببتم عن الطوق،
كبلتمونا !
وكنا نجوع لنطعمكم،
فلما بشمتم، بصقتم علينا..
 
أحرق فرانكو مدينة صغيرة في إقليم “الباسك”في إسبانيا إسمها “جورنيكا”،  وهزَّ ضمير العالم هلاك ألاف البشر بين جريحٍ وقتيل، بعد قصف جوّي  لثلاثة أيام  أحال المدينة الصغيرة الوادعة إلى كتلة من الدمار. بعد  صمت طويل عن الرسم انتفض  الفنان الكبير “بابلو بيكاسو” وقد هزت المذبحة وجدانه فصاغ قصيدة طويلة رسمها بريشة دامية، صارت هي “جورنيكا” اللوحة التي خلدت آلام البشرية في ويلات الحرب.
حرب البسوس الجديدة هي “جورنيكا” السودان. هي اللوحة الشعرية التي رسمها الشاعر عالم عباس ، تهزّ الضمائر بعد انكسارها، فهل تستعيد تماسكها من جديد. . ؟
(5)
يقول لكم شاعرنا “عالم عباس” في مجموعته الشعرية الجديدة: “أوراق سريّة من وقائع ما بعد حرب البسوس: كما رواها حفيده المُهلهِل بن ربيعة”:

قضيَ الأمرُ،
لاتَ مناص، فليس بوسع أحد،
أن يُعيد الحليب إلى الضرع،
بعد الخروج!
ولا أن يعيد الجنين إلى رحم الأمِّ،
ليس بوسع أحد،
أن يعيد الرصاص إلى فوّهات البنادق،
ما من أحد،
يعيد السّهام التي انطلقتْ
بعد نبضِ القسيّ
وإن أخطأت قصدها، أو أصابت!
وهل مِن أحَدْ،
يستعيد الحياة لمَنْ قتلتُم
وأحرقتُمُ ودفنتمُ ؟
انتهى للأبد،
فليس بوسع أحد
بعد جرح الكلام،
أن يعيد لنا الابتسام..
 ايها الشاعر الرائع: إعصارك  هزّ وجداننا . .