مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم القرآن بين النّص التّاريخي والنّصّ الدّيني يتميّز القرآن بكونه نصّاً دينيّاً، وليس تاريخيّاً. ولا يعني أنّه غير تاريخيّ عدم اشتماله على معلومات تاريخيّة. فالمعيار هنا يقوم على نوع المنطق الذي يختصّ به كلٌّ من النّصّين.

فالنّصّ التّاريخي ذو طبيعة رياضيّة كونه يقوم على معادلة تتلخّص في مقابلة حدوده premises مع حدود الحقيقة، أي الحدث الذي وقع في زمان ومكان متعيّنين. فمثلاً، دعونا نتأمّل النّصّ التّالي: «في يوم 1 يناير 1956م نال السّودان استقلاله حيث أعلن النّوّاب ذلك من داخل قبّة البرلمان». يتكون هذا النّصّ من الحدود التّالية: (1 يناير)؛ (1956م)؛ (نال السّودان استقلاله)؛ (أعلن النّوّاب ذلك)؛ ثمّ (من داخل قبّة البرلمان)، أي خمسة حدود (بالطّبع يمكن تقسيم النّصّ إلى أيّ عدد من الحدود؛ فالمسألة وقفٌ على المنهج المتّبع). لتحديد صحّة وصدقيّة هذا النّصّ، علينا أن نعود إلى لحظة وقوع الحدث، مستندين في ذلك بشهود عصر، أو بأيّ مراجع موثوقة (أو افتراضيّاً). فإذا تطابقت حدود النّصّ مع حدود الحدث كما اعتمدناها من المصادر التي وثقنا فيها، عندها يجوز إصدار الحكم بأنّ النّصّ المعني صحيح وصادق. أمّا إذا افترقت حدود النّصّ عن حدود الحدث لدى إجراء المقابلة، عندها جاز لنا أن نحكم بعدم صحّته وفقاً لدرجة انحرافه ومجانبته لحدود الحدث. هذا هو النّصّ التّاريخي، ويقوم على مقابلة حدود النّصّ مع حدود الحدث، أي يقوم على معادلة رياضيّة يمكن تلخيصها على النّحو التّالي: النّصّ التّاريخي الصّحيح = حدود النّصّ × حدود الحدث.

أمّا النّصّ الدّيني فلا يقوم على هذه المقابلة كونه يستند على الرّمز والإشارة وليس على حدود رياضيّة ينبغي مقابلتها برصيفتها من أرض الواقع والتّاريخ. لشرح هذه النّقطة دعونا نتّبع منهجاً عمليّاً، فنضرب مثالاً من واقع القصص القرآني، ولنأخذ قصّة سيّدنا إبراهيم مع النّمرود حسبما وردت في القرآن: ﴿ألم ترَ إلى الذي حاجّ إبراهيم في ربِّه، أن آتاه اللهُ المُلكَ، إذ قال إبراهيمُ ربّي يُحيي ويُميتُ، قال أنا أُحيي وأُميتُ؛ قال إبراهيمُ فإنّ الله يأتي بالشّمس من المشرق، فأتِ بها من المغرب، فبُهت الذي كفر واللهُ لا يهدي القومً الظّالمين﴾ [ البقرة: 258]. تقف هذه الآيات مثالاً جيّداً، ذلك لاستناد بعض الملحدين عليها في تفنيد ودحض القرآن. فقد صدع بعضُهم قائلاً: «لو كنّتُ مكان النّمرود لرددت على إبراهيم بأنّني الذي آتي بالشّمس من المشرق، فادعُ إلهك يأتي بها من المغرب، وعندها كنّا سنرى من الذي سيُبهت». فهؤلاء يقعون في لبس عظيم لا لسبب سوى أنّهم عاملوا نصوص القرآن على أنّها نصّ تاريخي. فهذا نصّ ديني يقوم في قوامه على الرّمز والإشارة؛ ويمكن بالطّبع تحويله إلى نصّ تاريخي، ذلك عبر عمليّة بسيطة لكنّها لا تخلو من تطويل وإسهاب. الآن دعونا نقوم بتفكيك هذا النّصّ الدّيني وتحويله إلى نص تاريخي:

شرع إبراهيم يدعو النّاس لنبذ الأصنام وعبادة الله الأحد الذي ليس هناك سواه. في ذلك الوقت كان النّاس في جهلٍ مقيم، حيث اختلط عليهم المقدّس بالدّنيوي، فظنّوا أنّ آلهتهم بشر، أو العكس كأن تحدّر منها الملوك الذين يسومونهم سوء العذاب؛ هذا فضلاً عن محاولتهم البائسة لتجسيد آلهتهم في شكل أصنام يصنعونها بغرض أن تقرّبهم إلى الله زُلفى. كان إبراهيم يدعو النّاس محتكماً بالقاعدة النّبويّة التي تقول: «نحن معشر الأنبياء أُمرنا أن نُخاطب النّاس على قدر عقولهم». وفي سبيل إفهامهم هذا ضرب لهم مثلاً بقصّة الخلق والحياة والموت، وكيف يُنشيء اللهُ الإنسان فيُحييه، ثمّ يُميتُه. لم يكن الملك النّمرود راضياً عمّا كان إبراهيم يقوم به. وهكذا التقيا في جمعٍ من النّاس، فسأل النّموردُ إبراهيمَ أن يأتي بدليلٍ على ما يزعمُه من وجود إله واحد ليس هناك غيرُه بيده الملكُ وقدرتُه تسع كلّ شيء. هنا ضرب إبراهيم المثل أعلاه، فحاجّه النّمرود بقوله: «إنّي أيضاً أُحيي وأُميتُ»، ثمّ أتى بشخصين، فقتل أحدَهما (ربّما كان غاضباً منه في الأساس)، بينما أخلى سبيل الآخر، ومن ثمّ أقبل إلى إبراهيم قائلاً: «أترى! لقد قتلتُ هذا، وأحييتُ هذا، إذ كان في مقدوري أن أقتله!»

انطلت هذه الخدعة على عامّة النّاس الذين كانوا يراقبون هذه المناظرة، فضلاً عن الخوف الذي من المؤكّد دخل إلى روعهم خشية أن يقوم النّمرود بقتلهم إن لم يُظهروا التّصديق لما قاله، خاصّةً وأنّ في الأمر لبساً لا يخفى. هنا قام إبراهيم بتغيير تكتيكاته الحواريّة، متّخذاً من ناموس الكون مثلاً يُفحم به النّمرود، فذكر له النّظام الكوني وكيف تسير النّجوم والكواكب في مداراتها، وكيف ينجم عن كلّ ذلك الصّباح والليل والمواسم. بالطّبع ما كان في مقدور النّمرود أن يزعم بأنّه هو الذي يفعل ذلك وإلاّ أصبح مثار ضحك وهُزء الحاضرين الذين يعلمون تماماً متى كانت ولادتُه ومن هي التي ولدته، ومنهم من هو أكبر سنّاً منه. فما كان من النّمرود إلاّ أن سكت مُفحماً، إذ بُهِت.

هذا هو النّصّ التّاريخي لذلك النّصّ الدّيني المقتضب! ويوضّح لنا هذا مدى الضّلالة التي يعمه فيها من يُعاملون النّصّ الدّيني كما لو كان نصّاً تاريخيّاً، ومن ثمّ يشرعون في تفنيده على هذا الأساس. وقد وقع علي الدّشتي (2006) في مثل هذه الأخطاء حسبما نتعرّض له أدناه. ,في رأينا أنّ القرآن أكثر نصّ ديني مكتمل، ذلك إذا ما قورن بالإنجيل والتّوراة اللتين تعتمدان في الكثير من نصوصهما على النّصّ التّاريخي.

دعونا نأخذ أمثلة تشريحيّة فيها يتّضح الفرق جليّاً بين النّصّ الدّيني من جانب وبين النّصّ التّاريخي من جانب آخر. من بين عدد يصعب حصره من الأمثلة القرآنيّة، سوف نستشهد بالآية التّالية من سورة يوسف التي تقرأ: ﴿فلمّا سمعت لمكرهِنّ أرسلت إليهُنّ وأعتَدَت لهُنّ متّكأً وآتت كلَّ واحدةٍ منهُنّ سكِّيناً وقالت اخرج عليهِنّ فلّما رأيّنَه أكبرنه وقطّعْنَ أيدِيَهُنّ وقُلْنَ حاشَ لله ما هذا بشراً إنْ هذا إلاّ ملكٌ كريم﴾ [يوسف: 31]. هذا هو النّص الدّيني، وفيه إشارات ورموز إلى أشياء بلا تفصيل، من قبيل ﴿… وآتت كلَّ واحدةٍ منهُنّ سكِّيناً …﴾. فهذه الجزئيّة تنطوي على تفاصيل لا يقف عندها النّصّ الدّيني، من قبيل «لماذا آتتهُنّ هذه السّكاكين»؟ وما الغرض منها؟ ثمّ فلننظر في جزئيّة ﴿ … وأعْتَدَت لهُنّ متّكأً …﴾، إذ ليس فيها تفصيل بخلاف إعدادها لهنّ ما يتّكئْن عليه، وهذا شيء قد يجمح في تفسيره الخيال. في شرح هذه الآية يقول تفسير الجلالين (جلال الدّين محمّد بن أحمد المحَلّي وجلال الدّين عبد الرّحمن بن أبي بكر السّيوطي، وجاء غُفلاً من أيّ إشارات مرجعيّة من ناشر وتاريخ نشر، ولا تثريب في هذا، فالكتاب أشهر من أن يحتاج لمثل هذا، وعليه نرسله في متن كتابنا غُفلاً كما جاء إلينا): «‘فلمّا سمعت بمكرهنّ’، غيبتهنّ لها؛ ‘أرسلت إليهنّ وأعتَدَت’، أعدّت؛ ‘لهنّ متّكأً’، طعاماً يُقطّع بالسّكّين للاتّكاء عنده، وهو الأُتْرُج؛ ‘وآتت’، أعطت؛ ‘كلّ واحدةٍ منهنّ سكّيناً وقالت’، ليوسف: ‘اخرج عليهنّ فلمّا رأينه أكبرنه’، أعظمنَهُ؛ ‘وقطّعْنَ أيديَهُنّ’، بالسّكاكين ولم يشعرن بالألم لشُغْل قلبِهِنّ بيوسف؛ ‘وقلْنَ حاشَ لله’، تنزيهاً له؛ ‘ما هذا’، أي يوسف؛ ‘بشراً إن’، ما؛ ‘هذا إلاّ ملكٌ كريم’، لما حواه من الحسن الذي لا يكون عادةً في النّسمة البشريّة، وفي الحديث أنّه أُعطي شطر الحُسن». هذا ما يقوله واحد من أشهر التّفاسير، وأكثرها رصانةً وتقليديّةً. ونلاحظ أنّه يحدّد نوع الطّعام الذي كانت تلك النّسوة يتناولنه مستعينات بالسّكاكين في تقطيعه. من جانب آخر، يقول مفسِّر مُحدث مثل محمّد شحرور (2000: 98-99): «ونفهم أنّ امرأة العزيز أقامت وليمة دعت إليها اللواتي لُمْنها في مراودة يوسف عن نفسه، وقدّمت إليهنّ السّكاكين مع الأطعمة التي يحتاج إليها الآكل معها إلى سكّين، كاللحم أو البرتقال أو التّفّاح أو غيره، وبينما هنّ منهمكات بالتّقطيع والتّقشير قالت له أخرج إليهنّ، فلمّا رأينه وهو على ما هو من وسامةٍ وجمال، انشغلن عمّا بين أيديهنّ دهشةً وإكباراً، فقطّعن أيديَهُنّ!! وهذا أمر يحصل ألوف المرّات في الحياة العاديّة مع النّساء في المطابخ، حين يشغل إحداهنّ أمر وهي تفرم البصل أو البقدونس فتجرح إصبَعها، وهذا كلّ ما في الأمر ….». وهكذا نلاحظ أنّ النّصّ الدّيني يختلف تماماً عن النّصّ التّاريخي؛ فالأوّل يعتمد على الرّمز والإشارة، بينما يعتمد الثّاني على تطابق حدود النّصّ مع حدود الحقيقة. ولهذا يمكن أن ينشب خلاف حول نوع الطّعام الذي كانت النّسوة يأكلنه، أكان الأُتْرُج، أخذاً بما يقول بها تفسير الجلالين، أو اختلافاً معه، أو تعميماً دون تحديد، كما يذهب إلى ذلك شحرور. في كلّ هذا يقف النّصّ الدّيني بمنجاةٍ من المغالطة في حيثيّاته، طالما هو يرمز ويُشير.

ولنتأمّل الآن ما يقوله محمّد شحرور (2000: 112-139) عن الآية: ﴿هو الذي أنزل عليك بالحقِّ الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هنّ أمُّ الكتاب وأخرٌ متشابهات فأمّا الذين في قلوبِهم زَيْغٌ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنةِ وابتغاء تأويله وما يعلمُ تأويلَه إلاّ اللهُ والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربِّنا وما يذّكّر إلاّ أُولوا الألباب﴾ [آل عِمران: 7]، مقروءةً مع تفسيره لمعنى المثاني في الآية: ﴿اللهُ أنزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعرُّ منه جلودُ الذين يخشَوْن ربَّهم  ثمّ تلين جلودُهم وقلوبُهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاءُ ومن يُضْلِلِ اللهُ فما له من هادٍ﴾ [الزّمر: 23]، مقروءةً مع تفسيره لما يعنيه القرآن والسّبع المثاني الواردة في الآية: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾ [الحِجْر: 87]. فهو يفرّق فيما يشتمل المصحف عليه ممّا جاء به النّبيّ محمّد بين أمّ الكتاب لتعني مجمل التّشريعات الخاصّة بالرّسالة، بينما يحمِّل القرآن والسّبع المثاني معنى علم النّبوّة، ذلك وفق تفريقه بين الرّسالة كأمر ألوهيّة من جانب والنّبوّة كأمر ربوبيّة من جانب آخر. يقول شحرور (المرجع السّابق: 117): «… النّتيجة الأساسيّة التي نستنتجها من تفصيل الكتاب أنّ هناك سوراً في الكتاب كلُّها قرآن، وسوراً في الكتاب فيها قرآن وأمّ الكتاب، وسوراً فيها أمّ الكتاب فقط …». فهذا تأويل لا يمكنك أن تقبل به جزئيّاً، بل عليك أن تقبله ككلّ، أي كخطاب فقهي متكامل (بالطّبع يمكن قبول جزء منه بعد تفكيكه كخطاب). ولا يمكن لشخص أن يزعم بأنّ تأويلات محمّد شحرور هذه غير صحيحة، ذلك لأنّ النّصّ الدّيني يقبل مثل هذه التّأويلات كما يقبل غيرها. تكمن المشكلة عندما يذهب صاحب خطاب فقهي بعينه إلى أنّ تأويلاته هي الحقّ الذي لا حقّ غيره بل الباطل.

للاستزادة، دعونا نتأمّل شرح الحروف في القرآن بحسب ما يذهب إليه شحرور. هنا نراه يتحسّب(المرجع نفسه: 129-130)، متّخذاً من تخوّف أبي بكر «… عندما سُئل عن تفسير حرف من القرآن …: ‘أيّ سماءٍ تُظلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقلُّني! وأين أذهب! وكيف أصنع إذا قلتُ في حرفٍ من كتاب الله بغير ما أراد الله تبارك وتعالى’». ويُحكى أنّ عمر بن الخطّاب قرأ على المنبر ﴿وفاكهةً وأبّا﴾، فتساءل عمّا هو الأبُّ، فردّ على نفسه قائلاً: «… ‘إنّ هذا هو التّكلّف يا عمرُ، فما عليك ألاّ تدري به’، ثمّ أردف: ‘اتّبعوا ما بُيّن لكم من هذا الكتاب، فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربِّه’ …» (نفسه). ولهذا يقول شحرور عن الحروف الواردة في القرآن: «هناك آيات في الكتاب غير عربيّة وهي آيات المثاني حيث إنّها ليست بلسان عربي، وإنّما أصوات إنسانيّة، أي إنّ /ألم * يس/ ليست عربيّة ولا تركيّة ولا إنكليزيّة .. إلخ. بل هي ألفاظ مركّبة من أصوات تتألّف منها اللغات الإنسانيّة قاطبة». ويقول في شرحها: «الله أعلم بمرادها» (نفسه: 121).

هذا بينما يقول عبد الكريم الجيلي (الإنسان الكامل: 113-114) في شرح هذه الأحرف وكونها أمّ الكتاب:

أمُّ الكتاب فكُنْهُه في ذاتِه ** هي نقطةٌ منها انتشاءُ صفاتِه

هي كالدّواةِ لأحرفٍ تبدو على ** ورقِ الوجودِ بحكم ترتيباتِه

فالمُهملاتُ من الحروف إشارةٌ ** فيما تعلّق بالقديم بذاتِه

والمُعجماتُ عبارةٌ عن حادثٍ ** من أنّه طارٍ على نُقطاتِه

ومتى تركّبت الحروفُ فإنّها ** كَلِمٌ، فتِلْكُم محضُ مخلوقاتِه

ثمّ يستطرد شارحاً هذه الأبيات بقوله: «اعلم أنّ أمّ الكتاب هي عبارة عن ماهيّة كنه الذّات المُعبَّر عنها من بعض وجوهها بماهيّات الحقائق التي لا يُطلق عليها اسمٌ، ولا نعتٌ ولا وصفٌ، ولا وجودٌ ولا عدمٌ، ولا حقٌّ ولا خلقٌ. والكتاب هو الوجود المطلق الذي لا عدم فيه. وكانت ماهيّةَ الكُنه أمُّ الكتاب، لأن الوجود مندرجٌ فيها اندراج الحروف في الدّواة، فلا يُطلق على الدّواة باسم شيءٍ من أسماء الحروف، سواء كان الحروف مُهملةً أو مُعجمة …». ثمّ يستطرد عبد الكريم الجيلي في شرحه لكتاب الله، متّبعاً منهجه الصّوفي بطريقة نلمس فيها، أوّل ما نلمس مفارقتها للمنهج الذي يتّبعه شحرور الذي يستند شرحُه على الدّلالات القاموسيّة: يقول الجيلي:

«وبعد أن أعلمناك أنّ أمّ الكتاب هي ماهيّة الكنه، وأنّ الكتابَ هو الوجود المطلق، اعلم أنّ الكتاب سور وآيات وكلمات وحروف. فالسّور عبارة عن الصّور الذّاتيّة، وهي تجلّيّات الكمال. ولا بدّ لكلّ سورة من معنى فارق تتميّز به تلك السّورة عن غيرها … . والآيات عبارة عن حقائق الجمع؛ كلّ آية تدلّ على جمع إلهي من حيث معنىً مخصوص يعلم ذلك الجمع الإلهي عن مفهوم الآية المتلوّة. ولا بدّ لكلّ جمع من اسم جمالي وجلالي يكون التّجلّي الإلهي في ذلك الجمع من حيث ذلك الاسم. وكانت الآية عبارة عن الجمع لأنّها صارت عبارة واحدة من كلمات شتّى. وليس الجمع إلاّ شهود الأشياء المتفرّقة لعين الواحديّة الإلهيّة الحقّيّة. والكلمات هي عبارة عن حقائق المخلوقات العينيّة؛ أعني المتعيّنة في العالم الشّهادي. والحروف، فالمنقوط منها عبارة عن الأعيان الثّابتة في العلم الإلهي. والمُهمل منها على نوعين؛ النّوع الأوّل مهملُ تتعلّق به الحروف، ولا يتعلّق بها، وهي خمسة: الألف والدّال والرّاء والواو واللام. الألف إشارة إلى مقتضيات كماليّة، وهي خمسة: الذّات والحياة والعلم والقدرة والإرادة؛ إذ لا سبيل إلى وجود هذه الأربعة المذكورة إلاّ بالذّات، ولا سبيل إلى كمال الذّات إلاّ بها. والنّوع الثّاني مهملٌ تتعلّق به الحروف ويتعلّق هو بها، وهي تسعة».

وهكذا نجد أنفسنا بإزاء تفسيرين قد لا يلتقيان في أيّ شيء، بينما النّصّ واحد لم يتغيّر. فالموضوع يتوقّف على الزّاوية التي تنظر من خلالها إلى الآيات: إذا كنت سلفيّاً لا يعدو التّفاسير الموروثة، فإنّك سوف ترى شيئاً؛ أمّا إذا كنت من أهل التّصّوف، فإنّك لا محالة سترى فهماً جدّ مختلف. وهكذا إذا كنت حداثويّاً مثل شحرور، أو لو كنت من الشّيعة.

بذكر الشّيعة، إذا جئنا إلى تفاسيرهم للقرآن، سنجد فهماً مغايراً تماماً. من ذلك ما يرد في كتاب الكُليني (الكافي، المجلّد الأوّل ـ كتاب الحجّة: 427-228) في تفسير الآية ﴿ولقد أوحِي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزّمر: 65] قوله: «يعني إن أشركت في الولاية غيره. ﴿بل الله فاعبد وكن من الشّاكرين﴾ [الزُّمر: 66] يعني بل الله فاعبد بالطاعة وكن من الشاكرين أن عضدتك بأخيك وابن عمك»، في الإشارة إلى مكانة عليّ بن أبي طالب. هذا بينما جاءت تفسير غالب أهل السّنّة لهذه الآية الأخيرة أنّها نزلت في مشركي قريش وتحذيرهم من مفارقة ملّة الحنيفيّة التي أتى بها إبراهيم. فالكليني يذهب في تفسير الآية إلى أنّ المقصود بها هو عليّ بن أبي طالب، تحذيراً له من أن يقبل بأسبقيّة أبي بكر وعمر في تولّي الخلافة. كذلك جاء عند الكليني أنّ الأصبع بن نباتة سأل عليّ بن أبي طالب عن قوله تعالى ﴿أن اشكر لي ولوالديك إليّ المصير﴾ [لقمان: 14]، فقال: ‘الوالدان اللذان أوجب الله لهما الشكر. هما اللذان ولدا العلم. ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي﴾ [لقمان: 14] يقول في الوصية: وتعدل عمن أمرت بطاعته [أي أبي بكر وعمر] فلا تطعهما ولا تسمع قولهما’. هذا بينما يجري تفسير الآيات في متواتر تفاسير السّنّة باختلاف بيّن؛ فابن كثير (1997، مج 3: 446-7) يفسّر الآيات في سياق قصّة لقمان ووجوب عدم طاعة الوالدين في حال طلب أحدهما أو كلاهما من الأبناء أو البنات الخروج عن الدّين الإسلامي بخصوص، والإتيان بمعصيةٍ بعموم. بل يورد ابن كثير قصّة سعد بن مالك عندما طلبت منه أمّه الارتداد عن الإسلام أو تضرب عن أكل الطّعام. كما يمكنك مراجعة رفض ابن تيمية لهذه التّفاسير (ابن تيمية، 1972: 87-89).

ومثل هذا فيما ذهبت إليه أمينة ودود (1999: 74-78) في إعادة استقرائها للآية: ﴿الرّجالُ قوّامون على النّساء بما فضّل الله بعضهم على بعضٍ وبما أنفقوا من أموالِهم فالصّالحاتُ قانتاتٌ حافظاتٌ للغيب بما حفِظ اللهُ واللائي تخافون نشوزهنّ فعِظوهنّ واهجروهنّ في المضاجعِ واضربوهنّ فإن أطعنَكُم فلا تبتغوا عليهُنّ سبيلاً إنّ اللهَ كان علِيّاً كبيرا﴾ [النّساء: 34]. ففي تفسير كلمة «قانتات» تذهب إلى أنّها بخلاف مشهور تفسيرها على أنّها تعني ‘مطيعات’: «تصف سمات شخصيّة أو سلوكيّة للمؤمنين إزاء الله. فهم ينحون إلى أن يكونوا متعاونين في بعضهم البعض، خاضعين لله. وهذا يمكن تمييزه بوضوح من الإطاعة بين المخلوقات حسبما تعنيه كلمة الطّاعة» (أمينة ودود، 1999: 74). ومن ثمّ تستمرّ في إعادة تفسير الآية إيّاها، ومثلها في مجمل استقرائها لبعض الإشكالات، لتخلص إلى فهم جدّ مختلف عن ذلك التّقليدي، يتميّز بكونه تفسيراً للقرآن من وجهة نظر نسائيّة أو ما يمكن لنا، أو لغيرنا، وصفه بالتّفسير الأنثوي للقرآن Feminine Interpretation of Quran. كلّ هذا دون أن تطرأ على الآيات المعنيّة أيّ خلاف، فالقرآن هو القرآن. هذا بينما ورد في ابن كثير (1997: 481) في تفسير نفس الآية أعلاه ما يرد: «﴿قانتات﴾ قال ابن عبّاس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهنّ».

لعلّ ممّا يؤكّد ما ذهبنا إليه، العديد من التّفسيرات التي تنحو إلى إضفاء مسحة علميّة تجريبيّة على بعض آيات القرآن، من قبيل ما فعله موريس بوكاي Maurice Bucaille في أحد أشهر كتبه (2003) مقارناً بين الكتب الثّلاثة: التّوراة والإنجيل والقرآن في مواجهة العلم. خلص موريس بوكاي إلى أنّ القرآن لا يتعارض مع العلم الحديث في أيٍّ من تفاصيله. وقد استعرض في بحثه هذا مواضيع شتّى، منها قصّة الخلق، والتّكوين البيولوجي للإنسان، والكواكب والنّجوم والفضاء الخارجي، والعديد من الأحداث التّاريخيّة. وفي هذه الأخيرة تجلّت روعة خصائص النّصّ الدّيني في القرآن. ففي مقارنته، مثلاً، لقصّة خروج بني إسرائيل من مصر وما فعله بهم فرعون، اصطدم موريس بوكاي بالمغالطات التي تبرز إلى السّطح فيما يتعلّق برواية التّوراة (ومعها الإنجيل بالضّرورة) من جانب، وبرواية علم الآثار التّوراتي والحديث (مع العلم بأنّ علم الآثار قد تطوّر أصلاً لاستكشاف مواقع الخريطة التّوراتيّة، راجع كمال سليمان الصّليبي، 1997). فقد حفلت رواية التّوراة بالعديد من المعلومات التي ناقضها فيه علم الآثار. هذا بينما وقفت رواية القرآن بمنأى عن النّقد كونها لم تكن تدخل في التّفاصيل المعروفة عن النّصّ التّاريخي المُسهِب. فبينما كانت التّوراة تحكي بأسلوب تاريخي ما جرى، كان القرآن يُشير ويرمز إلى ما جرى بأسلوب النّصّ الدّيني الذي شرحناه أعلاه. وهذا ما كان بشأن القضايا الأخرى، مثل قصّة الخلق، وجسم الإنسان، والطّبيعة، ثمّ عالم الفضاء الخارجي. فالقرآن، كما قال عنه عليّ بن أبي طالب، حمّال أوجه، ولهذا نجد نصوصه تقبل إسقاطات التّفاسير.

من الواضح أنّنا هنا، فيما استعرضنا أعلاه، بإزاء اتّجاهات خطابيّة متباينة في تفسير وتأويل القرآن. ولا يهمّنا هنا في كثيرٍ أو قليلٍ تحديد أيّها أكثر رشداً وهدايةً، فهذا شغل الباحث عن الإيمان. فبمجرّد أن يركن المرء إلى حالة إيمانيّة يكون في غنىً عن البحث عن الإيمان. ولكن ما نريد لفت الأنظار إليه هو ترك باب الحقّ المطلق موارباً للآخرين كيما يدخلوا فيه، كلٌّ حسب إيمانه. ما يهمّنا في الأمر أن يندرج كلّ تفسير في بنيان مذهبي متكامل يمكن الأخذ به ككلّ أو تركه ككلّ، أي لا أن يكون الأمر مجرّد اجتهادات وفتاوى متناثرة، متطايرة، لا تندرج في فهم فلسفي شمولي. فمن وجد نفسه مع مذهب شحرور، جاز له أن يأخذ بما يقول؛ ولا غضاضة في أن يُضيف من عنده في إطار المذهب العام. وكذلك الأمر مع من وجد نفسه في المذهب الصّوفي الذي ينادي به عبد الكريم الجيلي وغيره من أعلام التّصوّف؛ وكذلك الأمر مع من وجد نفسه في المعتقد الشّيعي. فما يهمّنا هنا حقيقة أنّ القرآن حمّال أوجه، أي أنّه يقبل عدّة تفسيرات كون نصوصه دينيّة مكتملة، بخلاف ما عليه الآيات في الإنجيل أو التّوراة عند النّصارى أو اليهود، فتلك الكتب، على دينيّة نصوصها، ليست دينيّة مكتملة كما هو شأن القرآن. فهي تقوم في كثيرٍ من حالاتها على نصوص تاريخيّة خاضعة تماماً للمنطق الرّياضي؛ كما إنها، على حالها هذا، تفارقه في كثير من المواضع بطريقة لا تجعل تلك النّصوص مقبولة من زاوية العقل.