خالد فضل لم تنقض ثلاث سنوات على خروج آخر جندى انجليزي رفقة الحاكم العام في صبيحة الأول من ينائر1956م , ايذانا بميلاد السودان وطنا مستقلا للسودانيين، حتى هيمن الضباط في الجيش السوداني على مقاليد الحكم عن طريق الانقلاب العسكري على الحكومة الديمقراطية المنتخبة التي ولد على يديها الوطن مستقلا وتحول الجيش من قوة دفاع السودان التابعة للجيش الانجليزي الى القوات المسلحة السودانية.

لقد اشرأبت أعناق المواطنين الى الاستقلال على وعد ببناء وطن لهم ولقادم الأجيال , فهل تبدد حلم أولئك الذين ملأوا الساحات والميادين صبيحة ذلك اليوم؟ هل تحولت أحلامهم الى كوابيس مزعجة ؟ هل اصبح الصبح عليهم فإذا أبناؤهم وأحفادهم يبحثون الآن عن وطن؟ ما الذي تغنوا له في ذلك الصباح ؟ ما الذي شرخوا حلوقهم له هتافاً ومحطة السكة حديد بالخرطوم تشهد الوداع الأخير لآخر رموز الاستعمار ؟ هل دار في مخيلاتهم الفرحة في ذلك الصباح أن ذكرى ذلك اليوم ربما تحولت الى شعور بالمرارة والغبن لدى طيف واسع من أبناء الوطن المفترض؟ .

لم تنقض السنة الثالثة على رفع العلم السوداني الأول ذي الألوان الثلاث , حتى صارت البلاد على مفترق الطريق , فاختارت نخبتها من المتعلمين والسياسيين السير على الطريق الخطأ فضلت قافلة الوطن الطريق من يوم الناس ذاك وما تزال تقطع في مفازات مقفرة وتعبر وهاد مظلمة وتتخبط وتتعثر وتقع ولا تقوم . نعم سادتي وسيداتي القراء الأكارم ما الذي يمكن أن نصف به حال بلدنا اليوم ؟ وقد أسلمها التوهان المستمر الى جب الفشل وأوقعها تنكب الجادة الى حضن الغول , لقد دانت بلادنا على عهدها الأخير هذا لأحط البرامج الفكرية والسياسية, برنامج الاسلام السياسي ومشروعه البائر, فهل من درك تنحدر اليه البلدان أسوأ من هذا؟.

عندما حلت الذكرى الثالثة للاستقلال, كان برنامج الحكم العسكري يتمثل في حسم هوية البلد وتوجهها بالقوة وفق نظرية الوحدة التماثلية (أي جعل كل السودانيين متماثلين مع النموذج العربي الاسلامي) هكذا نظر حكام انقلاب نوفمبر 1958م الى بناء الوطن المستقل , لا أحد من السودانيين عليه أن يشذ عن موديل العروبة والأسلمة , لا حق لآخر أن يكون آخرا والا أعتبر عدوا مبينا للوطن . هكذا ببساطة  صنع للوطن أعداء هم في الواقع بعض مواطنيه صدف أن الله خلقهم غير متماثلين مع النموذج المفترض للوطن , فهل يلام المختلفون أم يلام خالقهم مختلفين؟ وظلت هذه المسألة أساس البلاوي التي بسببها يبحث كثير من السودانيين الآن عن وطن بينما هناك من سيقف على منصة احتفال عشية الأول من ينائر 2014م ليلقن الشعب دروسا في معاني الاستقلال الذي تحقق ويسب ويلعن الخونة والمرتزقة وقطاع الطرق الذين يعوقون مسيرة النماء والازدهار تحت ظلال الشريعة الاسلامية الغراء الفرعاء المصقول عوارضها . ويموت من البرد تجمدا كاتب وتشكيلي وشاعر شاب في زمهرير القاهرة لاجئا اليه من رمضاء الوطن المستقل منذ 58 عاما فتأمل في تراجيديا بهنس الذي قتل نفسه (حسبما ورد منسوبا لمستشار دبلوماسي سوداني في القاهرة )!!!!!!.

ولا تعدم مظهر احتفال عشية الأول من ينائر2014م وصبيحته , فثمة متعهدون يقتنصون الملايين من الجنيهات من مثل هذه المهرجانات , عليك أن تنسى وتتناسى بضعة ملايين في برد السهول القاحلة تأويهم خيام الإغاثة في دارفور , إيه من جرح دارفور لو كنتم تعلمون , إيه من صديد جبال النوبة وتقيح النيل الأزرق ولولا الذكرى مافي أسف لو تذكرون آه آه آه لو تذكرون  , شعب كامل في مضارب الصحراء يحفر الصخر وراء بريق الذهب , شعب كامل يمضي السنوات الطوال جريا وراء إكمال الأوراق لإستيفاء شروط نيل الحق في وطن بديل . ليس فيه نيل ولا عتمور ولا باباي ولا نخيل ولا كبابيش أو هبانية أو ابن نوب , ويمتد ليل الشجن كأن كواكبه قد نسيت المشي , شعب بأكمله أكمل فرصة العمر التي لاحت باللوتري وبرامج الأمم المتحدة متعددة العناوين يزهو أفراد ذلك الشعب بالجواز الحافظ لحق الانسان كونه انساناً . أنظر وأنتظر مكبرات الصوت تنطلق بخطاب البشير النذير بتحرير كاودا وكنس الجبهة الثورية وكسح ومسح (ما تجيبو حي). مع الوعد ببناء الوطن بالطوب الحراري !!!!!!!!!!!!!!! كما هي العمارات الشوامخ في حي النصراني عزيز كافوري , ولا تذكر أن ما من مركب غرقت في شاطئ غربة تحمل مهاجرين فارين من جحيم بلدانهم الا وعلى متنها بضعة أفراد من منسوبي وطنك المستقل منذ 58عاما أيها السوداني , ما من طاقة رصاص اخترقت جسد انسان على سياج الحدود بين مصر وإسرائيل الا وكان الجسد لسوداني تغنى جده أو ابوه ذات صباح لوطن حر مستقل مالك زمام أمروا سند للايدو ملوية!!!!!!!!!.

في العام الثالث للاستقلال سار الوطن الى الخلف عندما أقتلع عنوة بذرة التطور , وأد نطفة الديمقراطية , وباءت النخب بفشل مقيم ما أقامت الملاريا والتايفويد وموت الأطفال والأمهات والسرطانات والجلطات والتجريدات المسلحة والعمليات العسكرية والمليشيات , ما أقامت المجاعات وزحف الصحراء واهدار الموارد ورصد ميزانيات الحرب واهمال التعليم والصحة والغذاء ومياه الشرب والري والزراعة والرعي . بل ما أقام الانفصال وبتر الأعضاء , وقد يشمت من ضيق أفق شامتون يمدون ألسنة السخرية جنوبا أنظروا أيها الجنوبيون الى فشلكم وقد سددتم الآفاق شكوى من اضطهادكم وتهميشكم عندما كنتم معنا في وطننا الآمن المستقر, سيقول قائل ذلك لأن مرآة النظر الى الذات مكسورة من زمن , والا فما الذي يجري في دارفور منذ عشر سنوات وفي الجبال والنيل الأزرق منذ 3سنوات؟ أليس هي الحرب والقتال والرصاص والترويع والتهجير والنزوح واللجوء؟ بل ما الذي جرى فى شوارع الخرطوم في أخريات سبتمبر وفي مدني ونيالا أليس هو القتل غير الرحيم لعشرات المدنيين؟ والاصابات لمئات ؟ ما الذي يجري بين القبائل في دارفور وكردفان بل حتى الجزيرة وسنار وضواحي الخرطوم؟ إن انفصال الجنوب كان أحد الثمار المرة لتنكب الطريق الصحيح منذ فجر الاستقلال , هجرة العقول ونزيف الكوادر وهروب الشباب وتفكك الأسر والفقر والخوف والجوع والحروب كلها نتائج للتخبط المريع منذ الاستقلال وحتى الآن , ومع ذلك ستقام احتفالات والتصنيف العالمي يأتي دوما بـ (لنا الصدر ) في الفساد , في الفقر , في الجوع , في وفيات الأمهات, في الفاقد التربوي والتسرب المدرسي, في طول الحرب الاهلية واتساع رقعتها الجهوية والعرقية والدينية, في أعداد النازحين واللاجئين إلخ إلخ , ومع ذلك سيأتيك صوت أجش مكابر يحدثك عن التغيير وعن شباب وتجديد سيسلمونها لعزرائيل قابض الأرواح  وليس اسرافيل نافخ الصور !!!! فهل سنحتفل بالخيبة أم ننهض سويا من أجل تحقيق الاستقلال ونبدأ من جديد من منصة التأسيس لبناء وطن لقادم الأجيال فقد مضى على الأجيال الراهنة وقت أكثر مما تبقى من أعمار, هلا نفكر الآن من أجل الغد بعد أن أهدرت النخب ما مضى من أزمان أم سبق السيف العزل وما عاد من أمل ؟؟؟؟؟؟؟.