منذ أن أصبح السودان دولة مستقلة كاملة السيادة عام 1956م وحتى هذه اللحظة، ما زال  السودان بعيدا كل البعد عن تحقيق المضامين السياسية والاقتصادية للاستقلال،

الذي أصبح الاحتفال بعيده طقسا روتينيا لا تمارسه إلا القلة القليلة من النخب السياسية إضافة الى الدوائر الرسمية التي فكرت هذا العام في ان تؤجل العطلة الرسمية لهذه المناسبة الى يوم 21 بدلا من 11  ثم تراجعت عن ذلك! مما يعني ان هذه المناسبة تفقد احترامها حتى في الحدود الدنيا.

إن السؤال المركزي الذي يجب التوقف عنده كل عيد استقلال – وهو بطبيعته سؤال مركب ومعقد –  هو لماذا أخفقنا في تحقيق المضامين السياسية والاقتصادية للاستقلال على مدى ثمانية وخمسين عاما؟ وهو إخفاق لا مجال للمغالطة فيه، فالسودان فشل حتى في الحفاظ على حدوده السياسية غداة الاستقلال حيث انفصل  الجنوب واستقل بدولته، والحروب الأهلية المشتعلة الآن في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق ودارفور تنذر ب(استقلالات جديدة)، ويغيب عن أفق السودان المشروع الوطني الاستراتيجي للعبور من حالة الاقتتال الاهلي وتمزق النسيج الاجتماعي الى السلام والوحدة الوطنية، وعلى المستوى الاقتصادي ظلت دولة السودان المستقل تتوارث العيوب الهيكلية لدولة السودان المستعمرة حتى الآن وأبرزها تركيز التنمية والخدمات في المناطق المرتبطة بانتاج القطن وتصديره وإهمال ما سواها مما أدى لتراكم المظالم التنموية وتكريس التخلف وانعدام العدالة الاجتماعية.

وأبشع تجليات فشل الدولة السودانية المستقلة اليوم هي الوقوع في أسر نظام الإنقاذ لربع قرن، واستمرار هذا النظام يعني استمرار الحرب وترجيح سيناريو تفكك الدولة، وبقاء السودان كدولة تتصدر بامتياز قوائم الدول الاكثر فشلا وفسادا وانتهاكا لحقوق الإنسان والاكثر قمعا لحرية الصحافة.

إننا في صحيفة التغيير الإلكترونية إذ نهنئ الشعب السوداني بالاستقلال ندعو السودانيين على اختلافهم للعمل على تحقيق الاستقلال الجديد للسودان، وهو استقلال يبدأ بتحرير السودان من دكتاتورية الانقاذ ونظامها العنصري الفاسد والانتقال الى دولة ديمقراطية فيدرالية ، وفتح صفحة جديدة في تحقيق الوحدة الوطنية تبدأ برد الاعتبار لكل مكونات الشعب السوداني والاعتراف المستحق بدورها الوطني وتضحياتها  ابتداء من دورها في الاستقلال الذي تم اختزاله في اسماء وشخصيات بعينها مع تجاهل تام لنضالات سودانيين بذلوا ارواحهم في المعركة مع المستعمر وهمش دورهم نتيجة للتحيزات الاثنية والجهوية، ففي سياق البحث عن الاستقلال الجديد لا بد من إعادة قراءة وتقييم ثم تقويم للاستقلال القديم بموضوعية وتجرد، ودونما استخفاف به كحدث تاريخي مهم في مسيرة السودان.