فائز السليك في عام 1919  توجه وفد سوداني إلى لندن بقيادة السيد علي الميرغني، وإلى جانبه السيد عبد الرحمن المهدي الذي  أهدى الملك جورج الخامس سيف والده الإمام محمد أحمد المهدي، مما يعتبر بأنه " ولاء الطاعة" ، وفسره البعض بأنه رمز لترك  الجهاد بالسيف الذي دعا له والده، فيما يأخذ مراقبون على الميرغني تواطأ مع الجيوش الغازية بما فيها جحافل الإستمعار التركي المصري.

وبعد سنوات خرج المستعمر، وترك لنا هذا الكيان الممزق، جغرافيا ممتدة، وبشر غير منسجمين، وتجمعات قبلية متناثرة هنا وهناك،  عقب حقب زمنية  ركزت خلالها الإدارة البريطانية على انشاء مشاريع زراعية في مشروع الجزيرة ودلتا طوكر بغرض رفد أسواق الامبراطوية بالقطن لمنسوجاتها، فيما أقامت السلطة الاستعمارية مشاريع طرق وسكك حديدية لتخدم ذات الغرض.

وعلى قول الدكتور صفوت فانوس فقد ” كما سعى الاستعمار البريطاني المصري لتوطيد أركان حكمه إلى ترسيخ القبلية، واثارة العنصرية الموجودة اصلاً ما بين الشماليين أنفسهم، أو بين الشمال والجنوب عن طريق سياسات “الأرض المقفولة”، وقد كان السير هارلود مايكل، السكرتير المدني البريطاني في الفترة من 1924- 1934، هو من نصح الحاكم العام السير جون مافيري بضرورة حكم السودان من بعد،  بدعم السلطات المحلية والقيادات التقليدية ، وصدر مرسوم سلطات المشايخ عام 1927”.

ثم نال السودان استقلاله في يناير 1956 م على طبق من ذهب” و” صحن صيني ما فيهو شق ولا طق” على حد توصيف السيد اسماعيل الأزهري أول رئيس سوداني، وكان الاستقلال نتيجة موازنات دولية دفعت بريطانيا بالتخلي عن عدد من مستعمراتها، ومن ضمنها السودان، وتم ذلك دونما مقاومة، أو تضحية كبيرة سوى من تحركات معزولة هنا وهناك أكبرها ثورة اللواء الأبيض في عام 1924، وما أفرزته من اشكالات الهوية، ومأزقها، الذي أراده بعض النخبة ” باسم الشعب العربي”، فيما أصر علي عبد اللطيف بجذوره الأفريقية ، وهو منحدر من الدينكا ” الشعب السوداني النبيل” مع أن الثورة لم تخرج هي ذاتها من عباءة وحدة وادي النيل، وردود أفعال ثورة 1919 م في مصر، ثم تحركات مؤتمر الخريجين، وهي مطلبية في أغلبها.

ومن ضمن ما تواصل بعد خروج المستعمر الطافئتين الكبيرتين، الختمية والأنصار، ليتوارثا حكم البلاد في دورة جهنمية مع العسكرتاريا، وكأن التاريخ يعيد نفسه، مع اختلاف الشخوص والأزمان والأماكن، والأدوار، وبعد أن كان السيدان علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي يتواطآن مع المستمعرين، ها هما حفدتهما يتعاطفان مع الطغاة.

فالحفيد الصادق الصديق ومحمد عثمان الميرغني يتسلمان الأوسمة من أحد المتهمين بارتكاب جرائم حرب، ومن قسم الوطن، والأدهى والأمر أنه هو من انتزع منهما الحكم عنوةً وأدخلهما السجون، لكنه عاد اليوم ليكرمهما،  دليلاً على التوالي، مثلما كان السيدان في السابق يتواليان مع المستعمرين، ولا يزال السودان هو ذات البلد الموجوع، ما بين السيف والوسام!