مجتزأ من الفصل الخامس من كتاب: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان محمّد جلال أحمد هاشم القرآن ما بين شرحه بالقرآن وشرحه بالسّنّة في سبيل استكناه ما قد تعرضه آيات القرآن من معاني ودلالات، يحتاج الإنسان إلى أن يتجاوز اللغة بدلالاتها القاموسيّة. إذ لا يمكن أن نفترض أنّ ما بين دفّتي المصحف من معاني سوف تحمله لغة العرب. فهذا يعني تطابق كلمات الله (المعاني المطلقة) مع ما صدع به العرب من كلام، دع عنك قواميسهم.

فاللغة في النّصوص الدّينيّة أشبه بالمركب التي تُقلّنا عبر النّهر أو البحر إلى الجزيرة، لكنّها قطعاً ليست البحر. وبما أنّ استكناه وجه من وجوه الدّلالات في القرآن، غالباً ما يكون محكوماً بالشّخص الذي قام به، وهو نفسه محكوم بالبيئة الزّمكانيّة التي يعيش فيها، فإنّه من الخطأ بمكان أن يُنظر إلى هذا الاستكناه على أنّه نهائي. لابن تيمية رأي جدير بالتّأمّل، ذلك عندما ذهب إلى أنّ أفضل السّبل وأرشدها في فهم كلام الله أن يكون تفسير القرآن بالقرآن: «إنّ أصحّ الطّرق في ذلك أن يفسّر القرآن بالقرآن، فما أُجمل في مكان، فإنّه قد فُسّر في موضع آخر؛ وما اختُصر في مكان، فقد بُسط في موضع آخر. فإن أعياك ذلك، فعليك بالسّنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضّحة له» (1972: 93). ويبدو أنّ ابن تيمية لا يصدر في قوله هذا من نفس الرّؤية التي نتكلّم عنها. فهو يتحدّث في نفس كتابه عن ضرورة اتّباع تفاسير الصّحابة: «ونحن نعلم أنّ القرآن قرأه الصّحابة والتّابعون وتابعوهم، وأنّهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنّهم أعلم بالحقّ الذي بعث الله به رسولَه (ص)؛ فمن خالف قولهم وفسّر القرآن بخلاف تفسيرهم، فقد أخطأ في الدّليل والمدلول جميعاً» (المرجع السّابق: 91). ولكنّه سرعان ما يستدرك، فيما اشتُهر به، إذ لم يكن يُصدر حكماً مرسلاً بلا تقييد من باب الحيطة والحذر؛ فيقول: «ومعلومٌ أنّ كلّ من خالف قولهم له شبهة يذكرها؛ إمّا عقليّة، وإمّا سمعيّة، كما هو مبسوط» (المرجع نفسه). وكيفما كان الأمر، فإنّ شروح السّابقين لا محالة ستكون محكومة بعوامل وعيهم الثّقافيّة والاجتماعيّة والسّياسيّة، الأمر الذي يمكن أن يزيد في تعقيد المسألة. فابن تيمية نفسه نال شهرته لأنّه كان حداثويّاً في زمنه على ما في فهمه من سلفيّة. ففي عصره كان التّفسير قد التبس بالفلسفة الإغريقيّة وغيرها، حتّى كاد أن يختفي وجه الدّين العربي الذي بدأ أوّل عهده. فجاء ابن تيمية ونشر أسلوبه الجديد الذي ردّ للدّين رونقه وبهاءه العربي، وفق فهم ذلك الزّمان؛ لهذا لا تعدو مقالته «تفسير القرآن بالقرآن» الرّجوع إلى اللغة لاستكناه معاني القرآن.

كما لا يعني شرح القرآن بالقرآن ما ذهب إليه محمّد الأمين الشّنقيطي (1995؛ المجلّد الأوّل: 189)، إذ يقابل بين استخدام القرآن لكلمةٍ بعينها (ولنقل كلمة «تأويله» الواردة في سورة آل عِمران) في موقع بعينه مع ما ورد في موقع آخر في سبيل تفسير المراد: «قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عِمران: 7]، يحتمل أنّ المراد بالتّأويل في هذه الآية الكريمة التّفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أنّ المراد به حقيقة أمره التي يئول إليها. وقد قدّمنا في مقدّمة هذا الكتاب أنّ من أنواع البيان التي ذكرنا أنّ كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن. يبين أنّ ذلك الاحتمال الغالب هو المراد; لأنّ الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الغالب في القرآن إطلاق التّأويل على حقيقة الأمر التي يئول إليها كقوله: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ [يوسف: 100]، وقوله: ﴿هل ينظرون إلاّ تأويله يوم يأتي تأويله …﴾ الآية [يونس: 39]، وقوله: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾ [يونس: 39]، وقوله: ﴿ذلك خيرٌ وأحسن تأويلا﴾ [النّساء: 59]، إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري: وأصل التّأويل من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه، ورجع يئول أولاً، وأوّلته أنا صيّرته إليه …». فهذا جميعه في سبيل استجلاء معنى الكلمة قاموسيّاً على وجه التّحديد، وهو جدّ مختلف عمّا نعنيه.

أمّا إذا جئنا إلى شرح القرآن بالسّنّة، أي بالحديث، فدوننا من النّماذج الكثير، الكثير. وأغلبها لا يقلّ تلبيساً والتباساً عمّا لمسناه من قبل. ولكن دعونا نتمثّل بما يورده مصطفى بوهندي عن البخاري وتوسّله بالسّنّة لإضفاء تفسير سنّي على القرآن. فتفسير ابن تيمية أعلاه يمكن النّظر إليه على أنّه لغويّ ونبويّ، في معنى أنّه يتحرّى فهم النّبيّ، بينما الذي نعنيه هنا التّفسير بالحديث النّبوي وبينهما فرق (مصطفى بوهندي، 2008: 91). فالتّفسير بالحديث النّبويّ من قبيل ما أورده البخاري في «… رواية أبي هريرة التي قال فيها: ‘إنّ النّبيّ (ص) قال: ما من مولود يولد إلاّ والشّيطان يمسّه حين يولد، فيستهلُّ صارخاً من مسّ الشّيطان إيّاه، إلاّ مريم وابنها’، جاء فيها: ‘ثمّ يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: “وإنّي أعيذُها بك وذرّيّتها من الشّيطان الرّجيم”. فالذي ربط بين الآية والحديث هو أبو هريرة، ولم يكن ربطه إلاّ استشهاداً بالآية على الحديث. لكن الإمام البخاري جمع بين الرّواية بما فيها قول أبي هريرة وبين الآية، فأصبح قول أبي هريرة كلّه تفسيراً للآية. والحقيقة أنّ النّبيّ لم يكن في هذه الرّواية هو المفسّر، وحتّى أبو هريرة لم يكن يقصد تفسير الآية، وإنّما قصد الاستشهاد بها. لكن الإمام البخاري هو الذي قصد تفسير الآية بالحديث، فهو إذن ليس تفسيراً نبويّاً، ولا تفسيراً للصّحابيّ، وإنّما هو تفسير للإمام البخاري برواية أبي هريرة التي ورد فيها ربط بين الحديث النّبويّ والآية» (المرجع السّابق). نلاحظ هنا أنّهم يعمدون إلى «تفسير» القرآن، وهو شيء يتعاملون معه على أنّه وتأويل القرآن شيء واحد. ولنا خلاف كبير معهم في هذا، حسبما سيأتي أدناه.

 

نماذج من انبهام الدّيني والتّاريخي لدى تحليل القرآن

وقع كثير من دارسي القرآن في أخطاء وافرة، خاصّةً أولئك الذين تعاملوا مع القرآن على أنّه نصّ تاريخي. وأخصّ هنا أولئك الذين تميّزوا باتّباعهم للمنهج العلمي الصّارم؛ هؤلاء كثرٌ لا مجال لاستعراض آرائهم. هنا سوف نقوم بضرب بعض أمثلة ممّا ساقها علي الدّشتي (2006) من قبيل الاستعراض والموازنة بين إلهيّة القرآن وإنسانيّته. فهو، على ما في كتاباته من عمق ورؤية جديدة ومنهج حداثويّ، إلاّ أنّه فاته في استعراضه النّظر إلى لغة القرآن وفق خواصّ النّصّ الدّيني وليس التّاريخي في تحليلاته لمناقشات السّابقين. من ذلك أنّه عندما ينظر إلى بعض المفارقات النّحويّة في القرآن، معلّقاً على من زعم بأنّها هنات ومطاعن، يتجاوزها دون أن يصدع بما يشفي الغليل، كما لو كان قد اعتمدها. فهو يقول: «… فقد لوحظ وجود أكثر من مائة زيغ في لغة القرآن عن قواعد اللغة العربيّة وبنيتها. (المرجع السّابق: 94)، ليشير بعدها إلى جهود المفسّرين في أن يوفّقوا بينها بتأويلها وربّما بقسر قواعد اللغة لتتواءم هي مع لغة القرآن. وأصل الحجّة هنا أنّ مثل هذا «الزّيغ» ما كان يمكن أن يقع لو أنّ الله تعالى هو  قائل هذا الكلام. وهذه حجّة قديمة لا تقف عند هذا؛ فلو أنّ الله تعالى هو قائل القرآن، لما استدعى الأمر أن يكون هناك ناسخ ومنسوخ. جاء في تفسير ابن كثير (1997: 149-151) للآية ﴿ما ننسخ من آيةٍ أو نُنسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها ألم تعلمْ أنّ الله على كلِّ شيءٍ قدير﴾ [البقرة: 106]، أنّ النّسخ في رأي أهل الفقه هو تبديل آية بآية، أو محوها، أو تثبيت خطّها وتبديل حكمها، أو نترك من القرآن، أو أن تُترك آية فلا ينزل بها الوحي، أو أن تقبض آية، أي قبضها الله ورفعها إليه مثل الآية المنسوخة ﴿الشّيخُ والشّيخةُ إذا زنيا فارجموهما البتّة﴾، أو مثل قوله تعالى ﴿لو كان لابن آدم واديان من ذهبٍ لابتغى لهما ثالثاً﴾. بعد هذا يقول: «وقال ابن جرير ﴿ما ننسخ من آيةٍ﴾، ما ننقل من حكم آيةٍ إلى غيره، فنبدّله ونغيّره، وذلك أن نحوّل الحلالَ حراماً، والحرامَ حلالاً، والمباحَ محظوراً، والمحظورَ مباحاً، ولا يكون ذلك، إلاّ في الأمر والنّهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأمّا الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ» (المرجع السّابق: 149-150). وفي تفسير ﴿أو نُنسها﴾ يقول ابن جرير إنّ معناها أن نجعل النّاسَ ينسونها بما فيهم النّبيّ محمّد، إذ كان ينزل عليه الوحي بالمساء، فينساه عند الصّباح؛ وبقراءةٍ أخرى ﴿أو ننسأها﴾ بمعنى تأخيرها وقبضها عند موحيها، أي الله. هذا بينما يذهب ابن حزم (1980، مج 4: 54) إلى أنّ «… حدّ النّسخ أنّه بيان انتهاء زمان الأمر الأوّل فيما لا يتكرّر». ويفصلّل ذلك بقوله: «الأوامر في نسخها وإثباتها تنقسم أقساماً أربعة لا خامس لها. فقسم ثبت لفظه وحكمه، وقسم ارتفع حكمه ولفظه، وقسم ارتفع لفظه وبقي حكمه، وقسم ارتفع حكمه وبقي لفظه. ففي هذه الأقسام الثّلاثة الأواخر يقع النّسخ» (المرجع السّابق: 61).

والنّقاش هنا هو كيف يمكن أن يكون هذا من الله وفيه ما فيه من هذا التّغيّر والتّحوّل والنّسيان! فلم لا يجعل الله نصّ القرآن واحداً لا يعتوره التّغيّر! ويورد ابن حزم (المرجع نفسه) مناقشةً رفيعة في هذا الشّأن لا مجال لاستعراضها، فلتُراجع في مظانِّها. في رأينا أن جميع ما أشرنا إليه أعلاه، بما في ذلك المفارقات النّحويّة، لا تطعن في كون القرآن كلام الله. فهي ليست أخطاء ناجمة عن الغفلة أو عن الجهل، بل هي تأكيد على أنّ كلام الله في حال تنزّله من المطلق إلى مستوى التّحديد والتّجسيد كأن يصبح كلاماً ينطقه البشر، لا محالة سوف يتّصف بنسبيّة البشر، وإلاّ فلا مجال لاستكناه كلام الله أو استعقاله. وكم صدق إبراهيم طه (2002: 221-225) عندما ذهب إلى أنّ النّسخ ليس سوى أحد آليّات المنطق القرآني، هذا ولو كان تعريفه للنّسخ (إبطال الحكم المستفاد من نصّ سابق بنصّ لاحق سواء كان هذا الإبطال كاملاً أو جزئيّاً برفع عموم النّصّ السّابق أو تقييده) مقصّراً عن الإحاطة التي اتّصف بها تعريف ابن حزم. إنّما لهذه الأسباب ذهب أبو حنيفة إلى جواز التّعبّد بالقرآن مترجماً إلى اللغة الفارسيّة، وبالقياس إلى أيّ لغة أخرى.

 

اللغة والنّصّ الدّيني

سنحاول في هذه الجزئيّة أن نناقش علاقة اللغة بالنّصّ (الدّيني هنا). هل النّصّ الدّيني مجرّد نصّ لغوي، أم يا تراه نصّ قادر على تجاوز اللغة؟ في هذا سوف نتّخذ من نصوص التّصوّف مثالاً. ولكن، ماذا نعني بكلمة «نصوص التّصوّف»؟ فنحن بإزاء تحليل لغة القرآن بوصفها نصوصاً دينيّة! في الحقيقة، يمكن للشّروحات بوصفها نصوصاً ثانويّة أن تُنتج لنا نصّاً دينيّاً موازياً للقرآن في حال العمل على تفسيره. فمثلاً استند الصّوفيّة في تأويلهم للقرآن على العديد من الأدوات المفهوميّة والمصطلحات، يهمّنا منها هنا «الإشارة» و «الرّمز» (انظر: إقناز قولدتسيهر، 1944).  وكانت لهم في هذا صولات وجولات لا يتّسع المجال إلى تحرّيها أو التّعرّض المتعمّق لها؛ بيد أنّها أنتجت لنا في مجمل خطابها نصوصاً دينيّة (بفهمنا للنّصّ الدّيني) موازية. ذلك لأنّ التّأويل، مثلاً، ليس سوى إسقاط معنى دقيق على نصّ بعينه ولو خالف ذلك الدّلالات القاموسيّة للألفاظ الواردة في النّصّ، وهذا هو ما نسمّيه بالخطاب. بهذا تصبح اللغة في حال تشكّلها الخطابي قابلاً لحمل المعاني، وليس باعثاً لتلك المعاني. وهذا ما عبّر عنه محمّد أركون عندما أشار إلى أنّ النّصّ الخطابي الموازي للنّصّ القرآني (كشرح أو تفسير أو تأويل أو تأريخ) يعتمد على جملة عمليّات ينبغي استعقالها في سبيل استكناه دلالته هو نفسه، من قبيل «… عمليّات التّقديس وخلع الطّابع المجازي أو الخيالي الجميل على الأشياء، وكذلك عمليّات التّسامي والتّحوير والأنطلجة (أي الأنطولوجيا)، بل حتّى الأسطرة والمخاتلة تعمد عليها» (محمّد أركون، 1999: 69). وتكمن المشكلة عندما نسعى إلى تفسير دلالات نصّ ملتبس بكلّ هذا الكمّ من التّحميلات الخطابيّة، إذ «ينبغي على المؤرّخ [تُقرأ: الباحث] أن يحدّد نمط العقل الشّغّال هنا أو هناك (فهناك العقل القواعدي ــــ النّحوي، وهناك العقل اللاهوتي، والعقل التّشريعي، والعقل التّاريخي، والعقل الفلسفي إلخ … هناك أنماط عديدة للعقل)» (المرجع السّابق). وتصبح القضيّة أكثر تعقيداً عندما تنطلق هذه القراءات من موقع الإيمان، ذلك لأنّ «… القراءات الإيمانيّة للنّصوص التّأسيسيّة هي في ذات الوقت أماكن (أو محطّات) لانبثاق المعنى أو ندلاعه أو إبداعيّته. وهي وكذلك أماكن لانبثاق آثار المعنى والتّصوّرات والتّركيبات الأسطوريّة أو الإيديولوجيّة، وذلك طبقاً لنوعيّة الفئات الاجتماعيّة وأنماط الثّقافة المستخدمة ومستوياتها» (المرجع نفسه: 68).

دعونا الآن نتأمّل ما يقوله ابن عربي، ذلك لأنّ نصوصه ذات درجة عالية من التأشير والتّرميز، ولو كانت مصبوبة في قالب النّصّ التّاريخي كونها تفسيراً وشرحاً. دعونا نتناول هذا النّصّ على ما فيه من طول (الفتوحات: 113-4):

«وعلم ما أودع الله فيه من الأسرار والحِكم، وتحقّق عنده حدوثه. وعرف ذاته معرفةً إحاطيّة، فكانت تلك المعرفة له غذاءً مُعيناً يتقوّت به وتدوم حياته إلى غير نهاية. فقال له عند ذلك التّجلِّي الأقدس: ‘ما اسمى عندك؟’، فقال: ‘أنت ربّي’! فلم يعرفه إلاّ في حضرة الرّبوبيّة وتفرّد القديم بالألوهيّة. فإنّه لا يعرفه إلاّ هو. فقال له سبحانه: ‘أنت مربوبي، وأنا ربُّك؛ أعطيتك أسمائي وصفاتي. فمن رآك، رآني؛ ومن أطاعك، أطاعني؛ ومن علِمك، علِمني؛ ومن جهِلك، جهِلني. فغايةُ مَن دونَك أن يتوصّلوا إلى معرفة نفوسهم منك. وغاية معرفتهم بك، العلمُ بوجودِك، لا بكيفيّتك. كذلك أنت معي، لا تتعدّى معرفة نفسِك، ولا ترى غيرَك، ولا يحصُل لك العلمُ بي إلاّ من حيث الوجود. ولو أحِطتَ علماً بي، لكنتَ أنت أنا، ولكنتُ محاطاً لك، وكانت أنيّتي أنيّتَك، وليست أنيّتُك أنيّتي، فأمدّك بالأسرار الإلهية وأربّيك بها، فتجدها مجعولةً فيك فتعرفها. وقد حجبتُك عن معرفة كيفية إمدادى لك بها، إذ لا طاقة لك بحمل مشاهدتها، إذ لو عرفتها لاتّحدت الأنيّة، واتّحاد الأنيّة محال. فمشاهدتك لذلك محال؛ هل ترجع أنيّة المركّب، أنيّة البسيط؟ لا سبيل إلى قلب الحقائق. فاعلم أنّ مَن دونَك في حكم التّبعيّة لك، كما أنت في حكم التّبعيّة لي؛ فأنت ثوبي، وأنت ردائي، وأنت غطائي’. فقال له الروح: ‘ربّي سمعتك تذكر أنّ لي ملكاً، فأين هو’؟ فاستخرج له النّفس منه وهي المفعول عن الانبعاث، فقال: ‘هذا بعضي، وأنا كلُّه، كما أنا منك ولست مني’. قال: ‘صدقت يا روحي’! قال: ‘بك نطقت يا ربّي! إنّك ربّيتني وحجبت عنّي سرّ الإمداد والتّربية، وانفردت أنت به. فاجعل إمدادي محجوباً عن هذا الملك حتّى يجهلني كما جهلتك’. فخلق في النّفس صفة القبول والافتقار، ووزر العقل إلى الرّوح المقدّس، ثم أطلع الرّوح على النّفس، فقال لها: ‘من أنا’؟ قالت: ‘ربّي! بك حياتي، وبك بقائي’! فتاه الرّوح بملكه، وقام فيه مقام ربِّه فيه، وتخيّل أنّ ذلك هو نَفَسُ الإمداد، فأراد الحقُّ أن يعرّفه أنّ الأمرَ على خلاف ما تخيّل، وأنّه لو أعطاه سرّ الإمداد، كما سأل، لما انفردت الألوهية عنه بشيءٍ، ولاتّحدت الأنيّة. فلّما أراد ذلك، خلق الهوى في مقابلته، وخلق الشّهوة في مقابلة العقل، ووزرها للهوى؛ وجعل في النّفس صورة القبول لجميع الواردات عموماً، فحصلت النّفس بين ربّين قويّين لهما وزيران عظيمان. وما زال هذا يناديها، وهذا يناديها، والكلُّ من عند الله قال تعالى ﴿قل كلٌّ من عند الله﴾ و﴿كلاًّ نُمِدُّ هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربِّك﴾ ولهذا كانت النفس محلّ التّغيير والتّطهير. قال تعالى ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ في أثر قوله ﴿ونفسٍ وما سوّاها﴾. فإن أجابت منادى الهوى، كان التّغيير؛ وإن أجابت منادى الرّوح، كان التّطهيرُ شرعاً وتوحيداً. فلما رأى الرّوح ينادي، ولا يسمع مجيباً، فقال: ‘ما منع ملكى من إجابتي’؟ قال له الوزير: ‘في مقابلتك ملك مطاع عظيم السّلطان يسمّى الهوى، عطيّته معجّلة، له الدنيا بحذافيرها’. فبسط لها حضرته ودعاها، فأجابته. فرجع الرّوح بالشّكوى إلى الله تعالى، فثبتت عبوديّته، وذلك كان المراد. وتنزّلت الأرباب والمربوبون، كلّ واحد على حسب مقامه وقدره: فعالم الشّهادة المنفصل، ربُّهم عالم الخطاب؛ وعالم الشّهادة المتّصل، ربُّهم عالم الجبروت؛ وعالم الجبروت، ربُّهم عالم الملكوت؛ وعالم الملكوت، ربُّهم الكلمة؛ والكلمة ربُّها ربُّ الكلِّ الواحد الصّمد».

هذه اللغة تحاول جاهدةً أن تشرح شيئاً، وهذا دأبُ النّصّ التّاريخي، وهو ما نتوقّعه منه. لكن، فلننظر كيف تغوص هذه اللغة نفسها في سديم الرّموز والإشارات، فيستعصي علينا فهم ما تسعى لشرحه وتفسيره، إذ تبدو كما لو صارت هي نفسها نصّاً دينيّاً مستغلقاً، ينتظر من يقوم بتأويله. يقول نصر حامد أبو زيد (1983: 30) عن لغة ابن عربي واختطاطه أسلوباً اصطلاحيّاً بعينه: «إنّ المعضلة، كما يطرحها ابن عربي، معضلة الوجود المعرفة، أكبر من أن تتّسع لها اللغة العاديّة الاصطلاحيّة المتداولة، ولذلك لا بدّ من استخدام لغة رمزيّة جديدة تتغلّب على هذه المعضلة وتنفذ من إطار سجن اللغة العاديّة. ولكن اللغة الجديدة لا بدّ أن تتّسم ببعض الغموض …». ولهذا احتاجت لغة ابن عربي لمن يشرحها، ذلك كونها أصبحت نصّاً دينيّاً قائماً بذاته. في سبيل استكناه ما تريد هذه اللغة تبليغنا له، لا نحتاج إلى القاموس من قبيل «لسان العرب» أو «تاج العروس»، بل نحتاج لفهم المنهج الصّوفي الذي تقوم هذه اللغة عليه. واستكناه التّصوّف ليس وقفاً على الحراك الفكري والتّعبّدي الإسلامي، بل هو ظاهرة روحانيّة إنسانيّة تسعى للارتفاق بالرّوح تحرّراً من رِبْقة الجسد، أكان هذا في الحياة الدّنيا أم بعدها. وفي مسعاها هذا تتعامل مع اللغة بوصفها ذات قدرات غير محدودة لاحتمال المعاني التي لا قبل لمفرداتها بها، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً لجميع التّفسيرات التّأويليّة. وفي هذا قد يُعاد إنتاج النّصّ الدّيني من النّصّ التّفسيري في عمليّة غير متناهية. ولنتصوّر أنّ هذا ما انتهى إليه ابن عربي، مع أنّه في قوام فكرته يبدأ من اللغة كلغة عاديّة لفهم النّصّ واستكناه دلالاته الظّاهريّة ريثما يتعمّق الأمر متجاوزاً هذا إلى استكناه الدّلالات الباطنيّة.

وعكس هذا اللغة المستخدمة في الفقه، إذ لا تلزم فقط مصطبة المعنى القاموسي لا تبارحه، بل تقع في شرك اللغة نفسها. وبين منطق اللغة من جانب ومنطق القرآن الخطابي القائم على الرّمز والإشارة بون واسع. ومع اتّفاقنا بصورة عامّة مع ما يقوله إبراهيم طه (2002: 68): «… منطق أصول الفقه هو أحد فروع منطق اللغة العربيّة، وأنّه منقطع الصّلة تماماً مع منطق الفكر بصفة عامّة ومنطق الفكر القرآني بصفة خاصّة، إلاّ أنّنا نتحرّز في هذا التّمييز القاطع بين منطق اللغة من جانب ومنطق الفكر من جانب آخر. فإذا لم تكن هناك علاقة، لعجزت اللغة عن التّعبير عن منطق الفكر ولاحتاج الأخير إلى لغة جدّ مختلفة بغير اللسان البشري للتّعبير عن نفسه.