رشا عوض كلما تأزمت الأوضاع العسكرية في جبهات الحرب الأهلية المختلفة في البلاد بمهاجمة منطقة أو احتلال مدينة سلط علينا حزب المؤتمر الوطني سوط عذاب من أبواقه الإعلامية، ذات العبارات الجوفاء، وذات التفسيرات السطحية، وذات اللغة التخوينية والتكفيرية، وذات العروض المسرحية التي ظلت تتكرر منذ حرب الجنوب القديم وهاهي تتكرر الآن في حرب الجنوب الجديد،

في إصرار عنيد على إعادة إنتاج الفشل، فمنذ الهجوم على ام روابة واحتلال اب كرشولا نجد ان خلاصة ما تبثه هذه الأبواق هو ان ما يحدث مؤامرة صهيونية ينفذها عملاء وخونة ومرتزقة وأن الجبهة الداخلية يجب ان تتوحد وتقف في صف واحد مع الحكومة في مواجهة المؤامرة التي تستهدف “العقيدة والوطن” وكل من قال رأيا مختلفا عن ذلك فهو مارق وغير وطني وطابور خامس لأن المعيار الوحيد للوطنية في هذه الظروف هو الصياح بمفردات(اكسح ..امسح) وتصويب اللعنات إلى الخوارج الذين دنسوا أرض الوطن ولا بد من تطهيرها من رجسهم! وكأنما هذه الأحداث هبطت علينا من السماء وليست مشهدا مألوفا من مشاهد حرب البسوس السودانية التي لا فكاك منها إلا بحل سياسي يستأصل جذورها، فالمعترك الوطني الحقيقي هو ساحة البحث عن الحل السياسي الشامل،

ان أحد الكوارث الكبرى في هذه البلاد احتكار الحزب الحاكم للفضاء الإعلامي مما أدي لخفوت صوت العقلانية أو تلاشيه بالكامل وانفراد خطاب العنصرية والهوس الديني والتهريج الآيدولوجي بالساحة تماما، فلا يستطيع المواطن السوداني ان يستمع إلى من يقول له ان  هذه الحروب ليست حروبا وطنية مقدسة كحروب التحرر من الاستعمار الأجنبي، إنها حروب بين أبناء الوطن الواحد واندلعت نتيجة لحزمة من الأسباب الموضوعية وعلى رأسها المظالم السياسية والاقتصادية والتنموية والاستعلاء العنصري،  وهذه الحروب بطبيعتها يستحيل حسمها عسكريا لأنها حروب عصابات ، وما لم يتم إنهاؤها عبر حلول سياسية ناجعة ومستدامة فإن ذلك يعني استدامة سفك الدماء والبؤس والشقاء،وفي عهد نظام الحكم الحالي تفاقمت الحروب واتسعت دائرتها لأن هذا النظام بانغلاقه وتعصبه وفساده واستبداده فاقم كل أسباب الحرب ووصل بها إلى الحد الأقصى الذي ليس بعده سوى الانفجارات المدوية وهذا ما حدث، لا يستطيع المواطن السوداني أن يستمع إلى من يقول له إن النظام الحاكم يحارب دفاعا عن سلطته التي استولى عليها بقوة السلاح  وعن مصالحه ممثلة في نهب موارد البلاد وعن قادته المحتمين بالسلطة ولا حياة لهم خارجها، هذه هي الحقيقة العارية، فلو كان الأمر أمر وطنية كما تتصايح أبواق الحزب الحاكم فمن حقنا أن نسأل لماذا تختفي هذه الوطنية ولا نسمع لها صوتا أو حتى همسا عندما يتم انتهاك حرمة التراب الوطني من دول أجنبية؟ لماذا يمر احتلال إثيوبيا للفشقة في شرق السودان، واحتلال مصر لحلايب في شمال السودان مرور الكرام دون كلمة احتجاج ولو على استحياء ناهيك عن “اكسح .. امسح”؟، بل على العكس تماما يؤدي هذا الاحتلال لتقوية “العلاقات الأزلية”! لماذا لا تبرز وطنية”اكسح ..امسح” عضلاتها وتكشر عن أنيابها إلا في الحروب الداخلية؟ الإجابة واضحة ولا تحتاج الى كثير عناء وهي ان هذه وطنية نسبة إلى المؤتمر الوطني وليس نسبة إلى الوطن معرفا بألف ولام التعريف!

من أكثر ما تتصايح به الأبواق الإعلامية الحكومية والموالية هذه الأيام ” المؤامرة الصهيونية لتمزيق السودان والتي بدأت بانفصال الجنوب وتتواصل الآن في جنوب كردفان ودارفور والنيل الأزرق” ونظرية المؤامرة تلك هي منهج جماعات الإسلام السياسي في تفسير كل الخيبات الوطنية لإعفاء الذات من مجرد التفكير في مسئوليتها عن تلك الخيبات وتعليقها على مشجب المؤامرة الخارجية،

وهذا المنهج ينذر بأن أزماتنا ستظل تراوح مكانها ما دمنا لا نستشعر مسئوليتنا الذاتية عنها ، وبالطبع فإن هذا الاستشعار للمسئولية الذاتية لا يعني أن العالم من حولنا يخلو من المؤامرات وأن ليست هناك جهات خارجية لها مصالح استراتيجية تتعارض مع السلام والاستقرار والتنمية في السودان  وهذه المصالح تدفعها للعب دور سلبي تجاه السودان عبر مخططات معينة؛ ولكن السؤال المحوري الذي يجب أن يتوقف عنده الحزب الحاكم الذي يردد بلا حياء هذه الأيام ان الجنوب انفصل نتيجة لمخطط تآمري بدأ مع الاستعمار وهناك مخطط تآمري آخر يجري تنفيذه في جنوب كردفان، هو ماذا فعل هو كحزب انفرد بالسلطة ثلاثة وعشرين عاما من اجل هزيمة هذه المخططات؟ وعلى كل العهود الوطنية ان تسأل نفسها ذات السؤال، ففي قضية الجنوب مثلا هل الاستعمار هو الذي أجبر الساسة السودانيين على نقض تعهدهم للجنوب بالفدرالية؟ وبعد أن رحل الاستعمار لماذا ظلت العهود الوطنية تتوارث الهيكل المشوه للدولة السودانية الذي هندسه الاستعمار لخدمة مصالحه الاقتصادية لأكثر من نصف قرن بعد رحيل الاستعمار وهو هيكل يحرم الأقاليم المختلفة من التنمية ويركزها في الوسط؟ أليس السبب في ذلك ضيق الأفق السياسي والتنموي وعدم الوعي بمطلوبات توحيد الأوطان مما يتطلب مراجعة نقدية للأداء السياسي ولا سيما تجاه الجنوب؟ هل الفقر والبؤس والتهميش الذي تعانيه دارفور ويعانيه شرق السودان وتعانيه جبال النوبة صحيح من الناحية السياسية والأخلاقية؟ أليست الثورة ضده مشروعة؟ أليست هناك نزعة عنصرية متأصلة في ثقافة أهل الوسط والشمال النيلي تستعلي على الجنوب ودارفور وجبال النوبة؟ أليس هذا الاستعلاء مهدد للوئام الاجتماعي وسبب للغبن والتنافر بين أبناء الوطن الواحد ومحفّز موضوعي على الاحتجاج المسلح ولا سيما حين يرتبط هذا الاستعلاء بمظالم سياسية واقتصادية وتنموية وتحقير للثقافات؟

 إن الدولة الراشدة بحق هي التي تحصن نفسها من الحروب الأهلية بالعدالة وبالتنمية المتوازنة وقبل ذلك ببناء النظم السياسية التي تستوعب كل مكونات الوطن وتجسد فكرة المواطنة المتساوية وتضع في كل مناهج عملها ومؤسساتها الترياق المضاد لأي شكل من أشكال التحيز العنصري ضد أي من مكوناتها الإثنية أو الدينية أو الثقافية، وتضع في برامجها التعليمية والتربوية والإعلامية خططا مدروسة لهزيمة العنصرية وتأسيس ثقافة التعددية والاعتزاز بكل مكونات الوطن والتسامح والاختلاف وقبول الآخر،  وبقدر نجاح الدولة في تحقيق ذلك تنجح في هزيمة المؤامرات الخارجية، وبقدر فشلها فيه تفشل في هزيمة تلك المؤامرات بل تكون الدولة الفاشلة نفسها بوعي أو بدون وعي، بإرادتها أو بغير إرادتها جزءا من المؤامرة على شعبها وأداة فعالة لإنفاذ التآمر!! وإذا تتبعنا مسيرة النظام الحاكم منذ ان حل على البلاد يحق لنا ان نستنتج أن هذا النظام هو في حد ذاته مؤامرة كبرى على وحدة البلاد واستقرارها، وإن كانت هناك مؤامرة صهيونية أجنبية على السودان فإن هذا النظام هو الضلع الأكبر فيها.