خالد فضل ليس جديدا على الاطلاق, التقرير الذي يقول إن المشروع السياسي السائد في السودان قد وصل الى نهايته المنطقية, وإذا كانت حقبة حكم الحزب الاسلامى قد اوصلت المشروع الى ذروة منتوجاته السياسية والفكرية وأثر تلك المنتوجات على بناء الدولة الوطنية فى السودان فإن الأجر المستحق لهذا الحزب , أنه قد كشف آخر أوراق ذلك المشروع وأوصله الى نهايته التى ليس بعدها الا بداية مغايرة أى مشروع بديل.

الواقع أن مشروع البناء الوطنى السائد قد ابتدأ بتأسيس مملكة الفونج التى زعمت أنها دولة اسلامية بكر فى ارض السودان , وليس بدعا أن بحث سلاطينها عن مسوغات زعامتهم ولو عن طريق انتحال شجرة نسب تمت للقرشيين فى الجزيرة العربية , وبالتالي يتم إخراس الناس الذين بدأوا يأخذون صفة مسلمين وإلجام أى تحركات مناوئة تنازعهم الملك والسلطان بدعوى محدودة قوامها أن السلطة على المسلمين لا تكون الا فى عترة النبي , وقد قال بذلك تاريخ أوائل المسلمين لحظة وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم), وتاريخ دولة سنار هو الذى تأسس بموجبه المشروع السياسي السائد حتى الآن ولكنه يلفظ أنفاسه الأخيرة  فيما يبدو, ورغم أن التاريخ لا يمكن محاكمته لكن هذا لا يعنى عدم اعادة النظر فى وقائعه خاصة إذا ألقى بظلاله الواضحة على الحاضر , فالملاحظة الأولية أن هناك ما يشبه التواطؤ التام على اغفال الحقبة التى سبقت قيام دولة سنار وظروف نشأتها , وعليه يمكن القول أن ملاحظة بسيطة تكشف أن أرض السودان لم تكن بورا مهجورة بل فى حقيقة الأمر كانت معظم الأنحاء التى حازتها مملكة سنار أراضي معمورة وتقطنها جماعات زنجية , أسلم منها من أسلم ولم يسلم آخرون بطبيعة الحال , وعندما قامت سلطنة الفونج فى أوائل القرن السادس عشر للميلاد ونشأ التحالف أو بلغة اليوم ( الفدرالية) بين ملوك سنار وملوك العبدلاب الذين دانت لهم السيادة فى الأجزاء الشمالية من السلطنة وهى مواقع بدء سريان النفوذ العربي والمستعرب حديثا وقتها , لم تكن نظرة الهيمنة قد اكتملت بعد , ومن الواضح أن المجموعات المستعربة لم تك قد أكملت قطيعتها مع ماضيها القريب , ومع هذا يمكن ملاحظة أن ظاهرة استرقاق الناس لأنهم سود كانت معروفةعلى نطاق واسع ولكنها ازدادت لاحقا بعد حوالي ثلاثة قرون على قيام سلطنة سنار , فقد حدث أن جاء حكام مصر الاتراك بحثا عن الموارد وعلى رأسها الرقيق  لتجنيدهم فى جيوشهم بنية توسيع ممتلكاتهم , ورغم أن بعض القبائل على الشريط النيلى قد قاومت لأول عهدها قوات الاستعمار الاجنبي الا أنها سرعان ما انخرطت فى جيوشه ولاحقا انخرطت فى سياساته , خاصة عندما بدأت ملامح الدولة الحديثة فى الظهور وما تبع ذلك من امتيازات سلطوية حازتها بصورة تامة تقريبا المجموعات التى استعربت وقطعت وشيجتها بسابق انتمائها الزنجى , ومن الملاحظ أن الشيوخ الصوفيين كلهم تقريبا  ينتمون الى المجموعات المستعربة مما قوى من وشيجة التلازم بين العروبة والإسلام فى السودان بل إن وشيجة العروبة ظلت طاغية بدليل أن المسترقين الزنوج لم يتم عتقهم عندما دخلوا الاسلام وظلوا رقيقا وإن حسن إسلامهم لا يمنحون الإذن ببدء الطريق والتشيخ إسوة برصفائهم من الافراد المستعربين, الا نادرا ولم يتم تحرير الرقيق الا لاحقا وبموجب قوانين أصدرتها سلطة الاستعمار الانجليزى في الثلث الأول من القرن العشرين وحتى هذه القوانين لاقت ممانعة ومعارضة من زعماء القبائل المستعربة ومن رجالات الدين المستعربين , يروي المرحوم خالد الكد فى كتابه “الأفندية ومفاهيم القومية فى السودان” طرفا من نظرة الاستعلاء العرقي لدى من يعتبرون أنفسهم عربا فى السودان ولذا نفروا من ورفضوا حمل الجنسية السودانية عقب الاستقلال لأنها فى وعيهم تسميهم سودانيين وتساويهم برقيقهم السابقين وهذا ما تأباه فيما يبدو نفوسهم التي هى أكرم من تدنيسها بإلصاق عار الانتماء للرقيق فى بلدهم . وعلى هذه الخلفية من الوعي بالذات والآخر سارت امور السودان , وتحت راية سلطة دينية إسلامية  هى سلطة الدولة المهدية اشتجر الخلاف بين من يسمون بالأشراف والخليفة عبدالله بن محمد تورشين , ورغم أن الخليفة ينحدر من قبيلة التعايشة  إحدى المجموعات الرعوية ذات الدم العربي أيضا الا أنها وبحكم عيشها فى اقليم دارفور وربما بسبب أن هجرة مجموعات البقارة للسودان قد جاءت عن طريق الساحل الشمالى لإفريقيا وغربها الأوسط فإن عروبتهم قد شابتها شوائب الإختلاط الزنجى وبالتالي لا يرقى منسوبوها لتسنم القيادة فى بلد من أفخاذه من يصعد الى السيدة فاطمة الزهراء وأرومة المصطفى الشريفة , فهل من العسف إذا قرأ المرء تلك الوقائع هكذا؟ خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار أن مقررات التاريخ فى المدارس السودانية تسمى الحرب الاهلية فى عهد الخليفة عبدالله مثل الهجوم على المتمة معقل الجعليين بأنها نكبة  المتمة الثانية فى اشارة الى نكبتها الأولى على يد الدفتردار التركى , وبمثل هذه الأدبيات سارت مسيرة المشروع الوطنى فى السودان حتى الآن فالمحاولة الانقلابية إن قادها ضباط فى الجيش السودانى من غير أبناء المجموعات المستعربة فى الشريط النيلى تعتبر مؤامرة عنصرية بينما محاولات الضباط من أبناء الوسط (تخريب أو محاولات بائسة لوقف عجلة التنمية وهدم مكتسبات الشعب والوطن ) قبل أن يضاف لها حاليا بهار هدم شرع الله وتغيير المسيرة القاصدة وطعن عقيدة الشعب , فما هو المنطق وراء جعل انقلاب مؤامرة عنصرية وآخر مؤامرة سياسية إن لم يكن الأمر مجرد عنصرية محضة من سدنة مشروع الدولة السودانية كما يرونها؟ وهذه النظرة هى التى جعلت الهامش الوطني كله تقريبا فى حالة غليان وتمرد مذ كان الجنوب جزءا من الوطن وحتى الآن , والجنوب الذي أنجب د. جون قرنق صاحب مشروع بناء السودان الجديد القائم على أسس موضوعية  قوامها ببساطة جعل جميع السودانيين على درجة واحدة لجهة الحق فى الوطن , مثل هذا الكلام يستحق الذم والتقريع والوصف الجاهز مع التأويل بأن السودان الجديد يعني السودان العنصري الزنجى, وكأنما السيد المسيح عيسى بن مريم قد عنى هؤلاء بحكمته البليغة (كل إناء بما فيه ينضح). وقيل فى المثل “لحرامي على رأسه ريشة” فمن كانت العنصرية جزءاً من تكوينه النفسي وتنشئته الاجتماعية والسياسية سيشتم رائحتها فى كل فعل يصدر عن الآخر والموسوس لابد واجد وسواسه عند كل المواقف, فترى فى أدبيات اليوم وفى ممارسات اليوم ما يقشعر له البدن من مظاهر الحطة فى الشعور الانسانى لدى الكثيرين , فالحرب والمأساة المتطاولة في إقليم دارفور يتم تسخيرها إعلاميا كمؤامرة غربية صهيونية وعوضا عن نشدان العدالة للضحايا ولو فى لاهاي يتم رفع شعارات وهتافات وخطب فداء المتهمين بمسؤوليتهم الجنائية عن تلك الفظاعات , والأدهى والأمر ربط مصير البلاد كلها وحلب الويلات لشعبها من أجل حماية أفراد  معينين جلهم من العناصر النقية بحسب الزعم السائد . وبينما يتم تجاهل مثول شخص كبحر ادريس أبوقردة أمام ذات المحكمة وبتهم  أقل مضاضة من تهم أولئك , الفرق أن أباقردة لا ينتمي للأرومة العرقية والاجتماعية التي ينتمي اليها الآخرون, وبمثل هذه الممارسات بدأ مشروع الدولة السودانية فى الاضمحلال حتى انتهى الآن الى عصبيات قبلية وجهوية متناحرة , وأى مستقبل مرجو للبلاد لابد أن يبدأ من حيث انتهى المنجز البشري فى مجال هندسة العيش المشترك وعلى رأس ذلك اعتماد معايير ومواثيق حقوق الانسان كما أقرها البشر وتواطؤوا عليها بدون لف ودوران كما هى الممارسة البائسة الآن والتى أودت لهذا الفشل المريع.  أما ادعاء توطين هذه القيم الانسانية الحقوقية واحالتها النظرية الى الموروث الاسلامي كما يتم التمشدق به حاليا فقد ثبت بواره , فالمعادلة واضحة إما إصلاح ديني حقيقي ومكتمل ينهض به من أوتوا قبل العلم الرؤية الناضجة, وبالتالي ميلاد فكر اسلامي مستنير ومواكب ومستوعب لحقائق التطور البشري الماثلة, أو الاستمرار على ذات وتائر التشنج الديني مما قاد فعلا الى درجة الانحطاط الراهنة . وأي مشروع بناء جديد إن لم يقد المواطنين الى مصاف كمال حقوقهم كبشر سيرتد عاجلا الى مسخ مشوه آخر من وجه المشروع الوطني منتهي الصلاحية السائد الآن.