د.عمر القراي ( بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) صدق الله العظيم   (هذا نذير من النذر الأولى ياجماعة الأشقاء وياجماعة الأمة – أيها القاسمون البلاد باسم الخدمة الوطنية – أيها القادحون قادحات الاحن بين أبناء الأمة –

أيها المذكون ثائرات الشر والتفرقة والقطيعة، أيها المرددون النغمة المشئومة – نغمة الطائفية البغيضة – انكم لتوقرون أمتكم وقرا يؤودها ..  ياهؤلاء ، وهؤلاء ، أنتم تلتمسون الحرية بالانتماء الى المصريين فتتمسكون بأسباب رمام ، وأنتم تلتمسون الملك بالبقاء تحت الانجليز فتتهيأون لدور الهر الذي يحكي بانتفاخه صولة الضرغام .. أنتم تريدون ابقاء المصريين ، وأنتم تريدون ابقاء الانجليز، فاذا اجتمعت كلمتكم فانما تجتمع على ابقاء المصريين والانجليز معا.. ياهؤلاء، وهؤلاء، أنتم تتمسحون بأعتاب المصريين لأنكم لاتقوون على مواقف الرجال الأشداء، وأنتم تتمسحون بأعتاب الانجليز لأنكم صورتم المجد في أخلادكم صورا شوهاء .. أنتم تريدون السلامة، وأنتم تريدون الملك .. أنتم تضيعون البلاد لمّا تجبنون وأنتم تضيعون البلاد لمّا تطمعون .. أنتم تستغلون سيدا لايعرف ماتريدون، وأنتم يستغلكم سيد يعرف مايريد، والبلاد بينكم أنتم، وأنتم، على شفا مهواة ومهانة .. فليلطف الله ببلاد لايخدم نهضتها الا صغار الموظفين، أو كبار الموظفين، وليتدارك الله دينا باسمه يحيا أناس في برد العيش، وقرار النعمة، ورخاء الدعة، وباسمه هم لأبنائه يكيدون..)(منشور الحزب الجمهوري 1945م ). كتب هذا المنشور، ووزع على الشعب السوداني، وقد كان يقود الكتلة الاتحادية حزب الشعب الديمقراطي، وعلى قمتها السيد علي الميرغني.. ويقود الكتلة الاستقلالية، حزب الأمة، وعلى قمتها السيد عبد الرحمن المهدي !! ولقد وجه لهما هذا النقد، لمهادنتهما للاستعمار الانجليزي المصري، الذي نهب خيرات البلاد، وبطش بالاحرار، وسجنهم وعذبهم، بينما منح زعماء الطائفية الأوسمة والألقاب !!

ما اشبه الليلة بالبارحة !! فهاهو النظام الذي سطا على الحكومة بالانقلاب العسكري، وقضى على الديمقراطية، وقسم الوطن، وقتل طلاب المدارس في الشوارع، واشعل الحروب، واشاع اغتصاب النساء، وكان بحق أسوأ من الاستعمار الانجليزي المصري، يكرم السيّدين، فيقبلا تكريم الجلاد، ولا يحفلا بمعاناة الضحية، التي اصبحت بجرائم هذا النظام، كل شعبهم، الذي تزعموا زعامته، دون جدارة، وورثوا قيادته دون كفاءة، فهاهما يفرحان بهدية الغاصب، ويصاحفان كفه التي إعترف بأنها ملطخة بدماء اهالي دارفور !!

إن قبول السيد محمد عثمان الميرغني، رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، والسيد الصادق المهدي، رئيس حزب الأمة، لتكريم حكومة الاخوان المسلمين، وتقبلهما للأوسمة التي منحتها لهما، يعني فيما يعني، اقرار منهما بشرعية الحكومة التي جاءت بانقلاب عسكري، رغم دعاوي الديمقراطية !! ثم هو قبول أو رضا، بما فعلته تلك الجماعة المتطرفة، المهووسة، المتاجرة بالدين، بهذا الشعب الطيب الصابر.. وهو دليل واضح على ان السيّدين لا يحفلا بدماء الشعب، ولا يقدرا قيمة الحرية، التي صادرها هذا النظام، منذ لحظة مجيئه. وإذا كان السيّدان لا يستنكفا ان يضعا يدهما في يد من قتل الشعب، وشرده، وجوعه، ودمر قيمه واخلاقه، ولا يهمهما حتى اعضاء حزبيهما، الذين ضربوا في المظاهرات، وعذبوا في المعتقلات، فعلى أي اساس يستحقا الزعامة السياسية، دع عنك الزعامة الدينية ؟! ما الذي يريده السيّدان من تكريم نظام متهاو، خرج منه نائب رئيسه ومستشاريه، وخرج برمته من قلب الشعب السوداني، ولم يعد له نصير غير المرتزقة ؟!

لقد درجت حكومة المؤتمر الوطني، على إساءة أحزاب السيّدين مراراً .. وكلفت د. نافع في أكثر من مناسبة، فوصفهما بالضعف، والعجز، والجبن، وقلة الجماهير.. وعرّض ببعض قيادات هذه الأحزاب، وعيرها بأن حزبه يجمع الأموال ليشتريهم بها، وكان يكرر أنهم تبع لحكومة المؤتمر الوطني في كل الاتفاقيات التي تجري بينهما، ألا يكفي هذان الحزبان ضعفاً وخوراً،عجزهما من الرد على نافع وحزبه وحكومته، والمشاركة الفعالة في المعارضة، التي ما إنضموا لها إلا ليزيدوها خبالاً، فإذا بهما ينحدرا لدرك بعيد، وصل بهما إلى قبول التكريم، ممن اساء إليهما من قبل وعلى رؤوس الاشهاد !!

ولو كانت اخطاء حكومة الاخوان المسلمين، هي مجرد الفساد المالي، ونهب النافذين لاموال الشعب السوداني، أو كانت الأخطاء السياسية التي ادت الى تمزيق البلاد، ونشر الحروب في اطرافها، أو الاخطاء الاقتصادية والفساد الذي دمر مشاريع التنمية، ودفع بالشعب للتسول، لكان من الممكن للسيّدين أن قبلا التكريم، بعد اشتراط تغيير النظام لسياساته، وتبني خطة واضحة للإصلاح .. ولكن هذا النظام يواجه إتهام دولي، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وإتهام دولي آخر بالفساد الأخلاقي، ونشر أغتصاب الحرائر!!  فكيف يصح لرجل دين، وزعيم جماعة تعتقد في ميراثه الروحي، وتقواه، وصلاحه، أن يقبل التكريم من نظام درج على إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا ؟! جاء عن ذلك ( دعت الحملة الدولية لإيقاف الإغتصاب والعنف الجنسي إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق حول السودان من قبل المقرر الخاص للأمم المتحدة حول العنف ضد النساء لتقديم تقارير عن وضع المرأة في السودان إلى الأمم المتحدة . وتأسست الحملة الدولية لإيقاف الإغتصاب والعنف الجنسي في مناطق النزاع  في مايو 2012 بقيادة مبادرة “نساء نوبل” – النساء الحائزات على جائزة نوبل للسلام – وإلتحقت بها أكثر من  700  منظمة على نطاق العالم . وأكدت الحملة في تقريرها الصادر اليوم 6 ديسمبر أن النساء في السودان يعشن في أزمة من العنف الجنسي . ويوثق التقرير كيف يستخدم العنف الجنسي كأحد أسلحة الحرب من قبل القوات الحكومية السودانية والمليشيات المتحالفة معها، وقالت إحدى نساء جبال النوبة بمعسكر “ييدا” للاجئين:   “رأيت فتاتين من أنقولو تم القبض عليهما وإستمر إغتصابهما حتى الموت. إذا لم يمت الشخص بسرعة يجهزون عليه بسكين أو رصاصة. هذا ما يحدث لنا. رأيت ذلك بعيني” . وأضاف التقرير أن العنف الجنسي يستخدم كذلك كآلية للإخضاع والقمع السياسي، وأورد كنموذج حادثة إغتصاب الناشطة صفية إسحق من قبل ثلاثة من ناصر جهاز الأمن عام 2011، وكذلك تعرض الذين حاولوا دعم صفية للملاحقة. ومن أهم إستنتاجات التقرير ان النساء في السودان يتعرضن للمعاقبة إذا أبلغن عن الإغتصاب أو تحدثن علناً، حيث يتعرضن للتهديد والسجن، وفي بعض الحالات يدفعن إلى مغادرة البلاد، كما يحرمن من الوصول إلى العدالة والرعاية الصحية. وأضاف التقرير ان النظام السياسي والقانوني يقوم على الحصانات، حيث إعترف وزير العدل بأن حوالي 25% من السكان – منسوبي الأجهزة العسكرية والأمنية والسياسية – يتمتعون بحصانات من التقاضي، إضافة إلى انه وبحسب القانون فان عبء إثبات الإغتصاب يقع على الناجية من الإغتصاب، والتى تواجه تهمة الزنا إذا لم تأتي بأربعة شهود أو تحصل على إعتراف من المعتدي وفي حال إدانتها تتعرض للجلد أو الرجم إذا كانت متزوجة. وهذا فضلاً عن تطلب ملئ أورنيك  8  من التي تتعرض للإغتصاب ، ورغم ان تعديلاً في القانون لعام 2005 ألغى الحاجة إلى أورنيك 8  إلا أن النساء لا زلن يطالبن بإحضاره، هذا في حين يخشى عديد من الأطباء ملئ الأورنيك خوفاً من السلطات، وهذه الإجراءات ليست وسيلة للإرباك وحسب وإنما تاكتيك متعمد لمنع الإبلاغ عن الإغتصاب، ومن ثم تطبيع الإغتصاب. واشار التقرير إلى أن أزمة العنف الجنسي تفاقمت بعد طرد 13 منظمة من المنظمات الإنسانية من البلاد عام 2009، كانت تقدم الرعاية الطبية والنفسية للنساء اللائي يتعرضن للعنف الجنسي، واشار التقرير إلى أن طرد المنظمات هدف ضمن ما هدف إلى عدم توثيق جرائم العنف الجنسي وجعلها تتم بصورة غير مرئية. وأضاف التقرير أن الناشطات اللاتي ينخرطن في أنشطة ضد العنف الجنسي أو للدفاع عن حقوق النساء يتعرضن بصورة منتظمة للملاحقات وتشويه السمعة)(حريات 6/12/2013م). ألا يكفي هذا الفساد وهذا السوء ليقول السيّدان للنظام : نحن لا نريد تكريمك لأنك فاقد للكرامة وفاقد الشئ لا يعطيه ؟!

لقد أدمن السيد محمد عثمان الميرغني، والسيد الصادق المهدي، الاستخفاف بجماهير حزبيهما، ودرجا على إحراج هذه الجماهير، وارباكها، ووضعها دائماً في وضع لا تحسد عليه !! فحين قرر مجلس قيادة الحزب الاتحادي الديمقراطي، بأغلبية اعضائه، الإنسحاب من حكومة الأخوان المسلمين، بعد ان قتلت طلاب المدارس في الشوارع في المظاهرات الأخيرة، غادر السيد محمد عثمان البلاد، ولم يطلع قيادات حزبه برأيه حول الموضوع، وتركهم في ربكة، وتخبط، ثم أخيراً رفض اجماعهم، وسخر من رأيهم، وعاملهم وكأنهم أطفال لا يأبه لرأيهم، ثم أشاد بالحكومة التي اجمع قادة حزبه على الخروج منها !!

وحين قامت بعض الجهات بنقد السيد الميرغني، على قبول تكريم مثل هذا النظام، لم يقبل حزبه بايعاز منه هذا النقد، فجاء (شن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل هجوماً لاذعاً لمنتقدي تكريم الميرغني الأخير من الحكومة واتهم بعض قيادات المعارضة بأن لهم علاقات وشراكات اقتصادية مع الحكومة وقال إن الميرغني مكرم بقواعده الجماهيرية العريضة مؤكداً أنه لم يسعَ إلى التكريم ولن يطلبه مشيراً إلى وجوده خارج البلاد لحظة تكريمه واستغرب القيادي بالحزب على نايل انتقادات بعض قيادات المعارضة للتكريم كاشفاً عن ارتباط بعضهم بمصالح اقتصادية مع حكومة ولاية الخرطوم)(الراكوبة 6/1/2014م). ومادام السيد الميرغني مكرم بجماهيره، فلماذا لم يرفض تكريم النظام الذي آذى تلك الجماهير ؟! وبدلاً من اخطارنا بأن السيد لم يطلب التكريم لأنه كان خارج البلاد، أليس من الأوجب ان يسأل هؤلاء الاعضاء أنفسهم، لماذا يسافر رئيسهم خارج البلاد أكثر مما يعيش فيها ؟! ولماذا يخرج كلما حدثت أزمة واحتاج الوطن الى زعمائه وقادته ؟!
 
  أما السيد الصادق المهدي، فقد برع في اللعب على الحبلين، فهو يدخل أبناءه الحكومة ليضمن مثل هذا التكريم، ويشجع بناته على المشاركة في مظاهرات المعارضة، ليتزعم الوضع الجديد إذا سقط النظام !! يتفق مع الجبهة الثورية، إذا اشتدت المعارضة، ويهاجمها ويشيد بالنظام إذا خبأ وميض المظاهرات، وبدا إسقاط النظام بعيداً !! ولعل هذا الموقف ليس جديداً على السيد الصادق، فقد كان مع التجمع الوطني الديمقراطي يسعى الى إسقاط النظام من الخارج، ولكنه أثناء ذلك، إجتمع سراً بالرئيس في جيبوتي، ووقع معه إتفاقاً منفرداً !! وهو بعد ان قبل تكريم الحكومة، التي يدعي انه يقف في صف المعارضة لإسقاطها، يريد أن يوهم اعضاء حزبه، بأن التكريم لا يمنعه من المعارضة !! ولذلك جاء (وصف حزب الأمة القومي دعوة المؤتمر الوطني للقوى السياسية للاتفاق على الثوابت الوطنية بالمراوغة و التسويف والتهرب من دفع الاستحقاق الديمقراطي، متهماً إياه بعدم الالتزام بالاتفاقيات التي وقعها مع القوى السياسية، مشيراً لاتفاق جيبوتي والقاهرة مع الاتحادي الديمقراطي والتجمع الوطني الديمقراطي. وقال إن عدم التزام الحزب الحاكم بتنفيذ الاتفاقيات شكل عقبة رئيسية حالت دون وضع البلاد على أعتاب الاستقرار والتراضي الوطني.
وحمل أمين العلاقات بالحزب السفير نجيب الخير عبدالوهاب الحزب الحاكم المسؤولية الكاملة تجـاه تقويض الثوابت الوطنية والتي حافظت على الاستقلال ووحدة البلاد وتماسك نسيجها الاجتماعي وصانت حقوق المواطنة المتساوية والعلاقة الراشدة مع الآخر. وشكك نجيب في بيان له آمس في نجاح أي اتفاقات جديدة مع الوطني حول الثوابت الوطنية، وطالب النظام بمراجعة نصوص الاتفاقيات التي وقعها مع الـقوى السياسية)( آخر لحظة 4/1/2014م). فإذا كان النظام ليس له أي سوءات غير التي جاءت في بيان حزب الأمة هذا، أليست كافية ليرفض زعيم الحزب تكريمه ؟!

إن قبول السيد محمد عثمان الميرغني، والسيد الصادق المهدي، لتكريم حكومة الاخوان المسلمين جريمة نكراء، لأنهما بذلك اظهرا الرضا عن سياسات نظام ظالم، فشاركاه بذلك في ظلمه .. إن المواطنين الشرفاء الذين قتّل النظام ابناءهم، رفضوا قبول العزاء من قيادات النظام، وطردوا د. نافع علي نافع من بيت المأتم، ولوكان السيّدان زعماء بحق، لأعتبرا كل الشهداء ابناءهم، ولرفضوا عزاء قاتلهم دع عنك تكريمه !! ولكن الله قد ساقهما لهذا الموقف المخزي، ليدقا بيديهما آخر مسمار في نعش الطائفية .