خط الاستواء  عبد الله الشيخ ـــــــــــــــــــــــــــــ كان مسئولاً انقاذياً ، ومسافراً أصمعياً كعادته.. وكان المنصوري يسْتَبضِع على ظهره في المحطة ، مترنماً بأغنية عيسى بروي التي تقول: " أنا من أعز ديار أنا "..! رمق المسئول ذلك المنصوري من قمرة القطار فناداه : " تعال يا أبو خُرُج ..تعال.. البلد دي وين "..؟

قال المنصوري : ” دي محطة الكاب يا شيخنا ، عندك فيها غَرَدْ نقضاهو ليك “..؟!

 قال المسئول مطنطناً: “هسه دي تِهْيات محطة “..!؟

 سمع المنصوري تهكمه من حال البلد لكنه تجاهل الأمر وعمل رايح .. وجاء بأشنابه كلها، ووقف تحت شباك القطر وقال للمسافر : ” خبارك يا زول، شِنْ داير “..؟

 قال  الأصمعي للمنصوري: “الخُرُج الشايلو فوق ضهرك دا،  فيهو شنو “..؟

بسرعة البرق رد المنصوري : ” خُرجي ده مليان عقارب، لكن إنت داير شنو “..؟

اعتدل المسئول في وقفته على شباك القطر وقال: “داير لي جردقة “..!

قال المنصوري: ” صحي والله نوعك ده ما بتنفع معاهو إلا الجردقة .. هسه بجيبا ليك، عشان إنت ما تِتْلَّوم مع ناس القطر” ..!  

خطف المنصوري كراعو.. حام في أركان المحطة باحثاً عن الجردقة حتى وجدها،، وعاد حاملاً الكيس صُرة في خيت، ووقف أمام شباك القمرة و قال للمسافر : ” الجردقة وجبناها ليك ، ما باقي ليك إلا تدفع من جيبك، وتكتح في خشمك “..!

كان المنصوري ـ انطلاقاً من مرارات السد ـ قد وضع سعراً عالياً للفائدة، لذلك توقفت بيعة الجردقة عند محك “السعر الموازي”..! كان حريصاً على البيع ، و على مداواة المسئول الانقاذي بتلك الجردقة،، ومن أجل ذلك ضرب عليه حصاراً قوياً ، فقال له : ” يازول السعر القلتو ليك دا،  أنساهو تَبْ ،، إنت داير الجردقة دي بي كم..؟ بس، السعر البتقولو ، حرَّم أنا موافق عليهو”..

 رأى الأصمعي إصرار المنصوري على البيع ، وبدأ يفتش على طريقة للمخارجة.. وفي هذا الاتجاه لا تغلب الانقاذيين الحيلة.. قال : ” يازول أنا الجردقة دي بشتريها منك ، لكن لازم تكون جردقة أصلية “..!

أخذ الأصمعي عينة من الجردقة وبدأ في إجراء المعاينة.. مرة يشمها ، ومرة “يضوق ” ، ومرة يرفعها نحو عين الشمس..! و كان المنصوري يراقب الاختبار بفارغ الصبر، ويكرر التأكيد : “يازول الجردقة تختبر ليها شنو..؟ إنت داير تكشف ليها الحمض النووي “..؟   

لم يكن الأصمعي راغباً فى شراء البضاعة، بل في شراء الوقت.. كان يتمهل في اختبار ” الحمض النووي ” للجردقة و يحسب الثواني للقطار الذي سيتحرك بعد قليل..!

 و لمزيد من التطويل قال للمنصوري : ” إنت يا زول.. الجردقة دي جبتها من وين “؟.. كان رد المنصوري  سريعاً وجاهزاً كالعادة..أجاب ببرود : ” جِبتها من مضيق هرمز “..!  

وبحثاً عن المزيد من الذرائع  في انتظار هدير عجلات القطار، قال الأصمعي : ” جِبتها من مضيق هرمز..؟ أصلها هي جردقة واللا  يورانيوم  مُخَصَّبْ”..!؟

 هنا، وصل الحال بالمنصوري إلى منتهاه.. مَعينه من الردود الجاهزة لم ينضب ، ولولا  حرصه على الثواني القليلة المتبقية من عمر الأزمة ، لقال أشياء كثيرة..!

 آثر المنصوري الصمت، لكن الاصمعي لم يسكت، فقال : ” إنت يا المنصوري،، دحين مضيق هرمز دا، ما قفلوهو “..؟  

احتقن المنصوري غضباً، لكنه كظم غيظه وبلع ردوده الجاهزة كلها ، حتى لا تفلت منه الأرباح.. وقال : ” يا زول عليك أمان الله الجردقة دي أصلية، و ما بتلقى أحسن منها “..!

 بيد أن المسئول الأصمعي لم يسكت ولم يشتر،، ولمزيد من التطويل  انتظاراً لفرفرة عجلات القطار، قال للمنصوري: ” السيد الرئيس، عمر حسن أحمد البشير، قال إنو أهلك المناصير شافوا  ليلة القدر، بعد استلامهم لتعويضات السد،، الكلام دا صحي “..؟

 فى تلك اللحظة كان القطار قد تحرك بالفعل..!

 خطف المنصوري كيس الجردقة من يد المسئول الانقاذي، وقال له “………..”..!     

  * حاشية : لم يستبن الراوي تماماً رد المنصوري ، لأن ” بف نَفَس القِطار “، أخفي في سراديب هديره كلمات، ليست كالكلمات..!