في الاحتفال الرسمي بعيد استقلال السودان، قبل كل من رئيس حزب الامة وامام الانصار السيد الصادق المهدي ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي (الأصل) ومرشد الختمية السيد محمد عثمان الميرغني تكريم رئاسة الجمهورية لهما بتقليدهما وسام الجمهورية من الدرجة الاولى، ولا عجب ان يثير هذا المسلك استياء شعبيا كبيرا،

فالزعيمان يقودان الحزبين الذين فوضهما الشعب السوداني في آخر انتخابات حرة ونزيهة لقيادته عام 1986 م وجاء البشير في الثلاثين من يونيو عام 1989م ووضع هذا التفويض الانتخابي تحت البوت العسكري بانقلابه الكارثي، وحتى هذه اللحظة لم يعتذر البشير عن انقلابه ولم يبتدر اي مبادرة جادة للسلام والتحول الديمقراطي، بل انه ماض أكثر فأكثر في اتجاه دكتاتورية الفرد بدلا عن دكتاتورية الحزب! وما زالت جرائم نظامه في حق الشعب السوداني من دارفور الى جبال النوبة الى جنوب النيل الأزرق مستمرة ومتزايدة، وفي انتفاضة سبتمبر الاخيرة واجه نظام البشير المتظاهرين السلميين ومنهم أطفال في العاشرة من العمر بالذخيرة الحية وبالدانات مما اسفر عن مقتل اكثر من مائتي مواطن واضعاف هذا العدد من الجرحى  في مشهد من مشاهد الوحشية والاسترخاص لارواح السودانيين يدل على شيء واحد هو عدم استعداد البشير لقبول اي تغيير يمس نظامه القمعي الفاسد!

فما الذي يجعل الزعيمين يهرولان لقبول تكريمه وتقلد أوسمته؟ ولو وجدنا العذر للميرغني باعتباره شريكا في حكومة البشير بعدد من الوزراء وبابنه مساعد الرئيس، وباعتبار انه قانع بدوره كزعيم طائفي ليست لديه اية اطروحات سياسية او فكرية، ورضي ان يستثمر مكانته الدينية في تكديس الاموال، فما هو عذر الصادق المهدي الذي يحاضر في الديمقراطية وحقوق الإنسان في السودان وعلى مستوى العالم،  وينفي باستمرار عن حزبه صفة الطائفية، وينفي باستمرار ان وجود ابنه بالقصر الجمهوري لا يمثله هو ولا يمثل حزب الامة بل هو خيار فردي للسيد عبدالرحمن الصادق، ويفخر بان حزب الامة هو الوحيد من الاحزاب الذي لم يشارك في سلطة الانقاذ، إذن لماذا قبول وسام البشير؟

ألم يدبج السيد الصادق المهدي المقالات والمحاضرات والخطب في ان هذا النظام سيس الخدمة المدنية والعسكرية وسيس القضاء وسيس الاعلام واهدر معايير النزاهة والشفافية في ادارة الشأن السوداني، وهو السبب الذي على أساسه قاطع حزب الامة انتخابات عام 2010م، وانسحب الصادق المهدي نفسه من انتخابات الرئاسة لانها (ليست نزيهة)؟! إذا كان نظام البشير يسيس كل شيء في هذه الدولة المنكوبة لصالح دكتاتوريته فلماذا يكون هذا التكريم استثناء من التسيس البشيري؟ نظام البشير الذي يقتل الأطفال فزعا على  كرسيه لا يمكن ان يكرم الصادق المهدي لانه مفكر وسياسي يعمل من اجل السلام و التحول الديمقراطي! لقد كرمه في إطار خداع الشعب السوداني بان النظام منفتح، وكرمه مكافئا له على ممارسة نوع من المعارضة التي لا تقدم ولا تؤخر.

والمؤسف ان السيد الصادق المهدي في آخر تعميم صحفي له حول ردود الفعل الغاضبة على ذلك التكريم انصرف عن الخطأ الرئيس الذي ارتكبه وهو قبول تكريم نظام فاسد مستبد حسب وصفه هو شخصيا، انصرف عن ذلك الى إرضاء نرجسيته وحصر المشكلة في أن التكريم وضعه في سلة واحدة مع الميرغني على اساس الطائفية!

إذا أراد الشعب السوداني التغيير في اتجاه الديمقراطية  فإن عليه أن  يسحب تفويضه من  هذه القيادات التي لا تحترم هذا التفويض ولا تتحرج من مداهنة من داسوا عليه بالبوت العسكري!