محمّد جلال أحمد هاشم التّأويل مقابل التّفسير القرآن لا يُفسّر، بل يؤوّل، ذلك لأنّه نصّ ديني وليس نصّاً رياضيّاً. ومناط القول هنا إنّ اللغة، وفق تعابيرها القاموسيّة، ليست شرطاً لازماً لتفسير القرآن.

بالطّبع لا يعني هذا إغفال اللغة تماماً، وإلاّ كان الأمر مجرّد سيميوطيقا بحتة، أي علامات بلا كلام. وهذا هو الفرق المعرفي في موضوعة الإشارات والرّموز، كونها تنهض على الكلام، وليس العلامات؛ والكلام لغة، والتّأويل إسقاط المعنى على الكلام لوشيجة فكريّةٍ بينهما، وليس لدلالة قاموسيّة فحسب. وقد برزت حركة المتكلّمين في بداية الفلسفة الإسلاميّة، وما تطوّر عنها من حركات فكريّة وفقهيّة لاحقاً، لتأويل النّصّ بغية تفسيره بما يقبله العقل. إذن، المسعى لتأويل النّصوص بما يقبله العقل هو مسعى قديم، لازم الحركة الفقهيّة والفكريّة الإسلاميّة منذ بداياتها، ولهذا ترى استخدام الأقدمين لكلمة «تأويل» في حال شرحهم لمعاني القرآن الكريم (انظر مثال ذلك في تفسير القرطبي). ما نريد بسطه هنا ألاّ يبدأ المرء من النّصّ بوصفه منتجاً لغويّاً يتكوّن من مفردات قاموسيّة، بفهمها على الوجه الصّحيح (المعجمي ما أمكن ذلك)، سوف نصل إلى الفهم الصّحيح لمدلول الخطاب على وجه التّحقيق.

أفضت تراكمات التّفاسير عبر العصور، مع اختلاف المناهج والمقاربات، إلى درجة كبيرة من الإرباك أحدثه المفسّرون. وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى لفت الأنظار إلى تدبّر الدّلالة التي تقف وراء أنّ كلمة «تفسير» لم ترد في القرآن إلاّ مرّة واحدة (مصطفى بوهندي، 2004: 10): ﴿وقال الذين كفروا لولا نُزّل عليه القرآن جملةً واحدةً كذلك لنُثبّتَ به فؤادَك ورتّلنّاه ترتيلا 32 ولا يأتونك بمثلٍ إلاّ جئناك بالحقِّ وأحسن تفسيرا 33﴾ [الفرقان: 32-33]؛ وحتّى هنا، فإنّها لا ترد بالمعنى الاصطلاحي الذي انتهى إليه المسلمون. ويحذّر بوهندي، بخصوص إطلاقيّة معاني القرآن إزاء نسبيّة التّفاسير، كون الأخيرة من استقراء البشر، من خطر الرّكون إلى ما ترفد به اللغة من شروحات وتفاسير للقرآن: (المرجع السّابق: 17): «لكن هذا ‘التّفسير’، إذا أصبح سقفاً للمعنى القرآني، فقد حكمنا على هذا المعنى بالنّسبيّة والضّمور، وحجرنا إطلاقيّة القرآن وأنفدنا بحرَه الذي لا ينضب، ونقّصنا من صلاحيّته لكلّ زمان ومكان. كما إنّ هذا ‘التّفسير’ إذا أصبح نصّاً مبيّناً للقرآن، لا يخطئ ولا يُتجاوز، فقد حكمنا على النّصّ القرآني بالغموض وعدم البيان، وأنّ بيانه يوجد في الرّواية المفسِّرة، ولكي يقوم بأداء المعنى المراد، فلا بدّ له من عكّازة هذا ‘التّفسير’، وبدونها لا يقوم. وهذا إدانة صريحة للبيان القرآني». فالقرآن هنا كما لو كان البحر المحيط، بينما التّفاسير ليست سوى إبحار البحّارة وغوص الغوّاصين، لا يمكن بأيّ حال الزّعم بأنّهم قد سبروا أغواره وخباياه من علٍ وأسفل لمجرّد أنّهم سبحوا فيه واعتلوا أمواجه.

ما نقوله هنا أن نبدأ من الخطاب الفقهي ذي المنهج الفكري الواضح والمتكامل أوّلاً، ثمّ بعد ذلك نأتي للنّصّ فنتأوّله بما يتّفق مع الخطاب الفقهي المطوّر؛ أي أن يأتي التّأويل أوّلاً، ثمّ بعد ذلك يأتي التّفسير للتّأويل، وليس للنّصّ الدّيني. بهذا تتلاشى اللغة القاموسيّة لتبرز لغة خطابيّة تقوم في لُحمتها وسَداها على الفكر والعقل، وليس على الاتّباع والنّقل. ما نعنيه هنا، وجاهة الأخذ أو عدم الأخذ برأي بعينه بناءً على المنهج وليس بناءً على وجاهة الرّأي فحسب. مثلاً أن نقبل أولا نقبل ما قاله ابن عربي (الفتوحات المكّيّة: 102): «ما قدّمنا أنّ الأسماء الإلهيّة سبب وجود العالم وأنّها المسلّطة عليه والمؤثّرة؛ لذلك كان ‘بسم الله الرّحمن الرّحيم’ عندنا خبر ابتداء مُضمر، وهو ابتداء العالم وظهوره. كأنّه يقول ‘ظهور العالم بسم الله الرّحمن الرّحيم’، أي ‘باسم الله الرّحمن الرّحيم ظهر العالم’». وهذا يتأكّد بما يقوله نصر حامد أبو زيد (1983: 25): «إنّ ابن عربي … لا يرفض المستوى الظّاهري في معنى النّصّ، بل يسلّم به لا على مستوى آيات التّشريع والعبادات فقط، بل على مستوى آيات الاعتقاد أيضاً. إنّ المستوى الظّاهري هو الأساس الضّروري الذي ينبني عليه المعنى الباطن، ولا وجود لهذا المعنى الباطن إلاّ من خلال هذا الظّاهر الذي يبرزه في إطار اللغة كما يفهمها عامّة البشر. وقد نزل الوحي الإلهي للبشر كلِّهم ليفهموا ظاهره أوّلاً، ثمّ ينفذ من استطاع منهم إلى باطنه». وتكمن الوجاهة هنا في أنّ الأخذ بما قاله ابن عربي يقتضي الاقتناع بمنهجه أوّلاً، وما يأتي بعد هذا ليس سوى تفسير، ترجيحاً، لا تحقيقاً؛ وتكمن وجاهة رفضه في أنّ عدم الإيمان بما يقوله ابن عربي يجعل المرء في حلٍّ من الأخذ بقوله، دون حاجةٍ إلى الحكم ببطلانه تحقيقاً، مع إبطاله ترجيحاً. هذا المنهج ينفي ويرفض فكرة التّعامل مع التّفاسير بطريقة متناثرة ومتطايرة، أي متى وافق تفسير بعينه الحالة المعنيّة، تشبّثنا به، ومتى لم يوافق، رفضناه واطّرحناه ظِهريّا. ولكن هل يعني هذا عدم الأخذ بجزئيّة بعينها من تفسير يتبع لمنهج بعينه متى ما ارتأينا صحّتها وملاءمتها في حال اجتزائها من سياقها المنهجي؟ بالطّبع هذا متاح، لكن ليس قبل إجراء عمليّة جراحيّة بها يتمّ تفكيك هذه الجزئيّة من التحامها العضوي مع باقي تفاصيل المذهب الذي تتبع إليه وفيه نشأت أو زُرعت. في كلّ هذا تبقى نسبيّة الأحكام نصب أعين المفسّرين، ذلك بحكم حاجة النّاس جميعاً «… إلى ‘تفسير’ يؤكّد النّسبيّة في كلام قائليه أمام كلام العليّ الأعلى، ويؤكّد على الخصوصيّة والجزئيّة في الإدراك البشريّ أمام الكلام الرّبّاني المطلق والكامل، ويؤكّد على القدرة البشريّة لعموم النّاس على تبيّن ما يهديهم في واقعهم إلى أقوم سبيل بتدبّرهم لهذا الكلام المجيد» (مصطفى بوهندي، 2004: 17). وهذا ما يستدعي فقهاً جديداً بأسس قائمة على فهم جديد.

أدناه سوف نتعرّض لنماذج من التّفسير القاموسي للقرآن وردت عند محمّد محمود (2013: 263-264). من ذلك مقارنته لحجّتين قرآنيّتين في مسألة خلق عيسى، هما «… حجّة تؤكّد على الطّابع المعجز للفعل الإلهي الذي يعلو على منطق الكيف (أي: كيف حدث ذلك؟)، وحجّة تستند في واقع الأمر على منطق ‘الكيف’». تمثّل حجّة المعجزة الآية التي تقرأ: ﴿قالت أنّى يكُونُ لي غُلامٌ ولمْ يمْسَسْني بشَرٌ ولم أكُ بغِيّا (20) قال كذلك قال ربُّكِ هو عليَّ هيِّنٌ وكان أمراً مقضِيّا (21)﴾ [مريم: 20-21]؛ كما تقوم الآية التّالية بتمثيل الحجّة الثّانية: ﴿مثلُ عيسى عندَ اللهِ كمثَلِ آدمَ خلقَهُ من تُرابٍ ثُمّ قال لَهُ كُنْ فيكون﴾ [آل عِمران: 59]. في تعليقه على هاتين الآيتين، يقول محمّد محمود: «والآية كما نرى لا تكتفي بمنطق المعجزة وإنّما تعقد مقارنة بين خلق عيسى وخلق آدم وتشرح كيفيّة هذا الخلق، وهكذا فإنّ عيسى في هذه الآية ليس ‘كلمة’ وإنّما كائن مادّي ترابي» (المرجع السّابق). ما يقوله محمّد محمود هنا يمكن أن يتداعى عبر تقديم تأويل للآية ينسف تفسيره القاموسي (كون التّفسير يقوم على ترصّد الدّلالات القاموسيّة). يذهب التّأويل الذي نعنيه على النّحو التّالي: تتحدّث الآية عن كيفيّة خلق آدم الذي بقدرة الكلمة (كُنْ فيكون) الخاصّة بالذّات الإلهيّة قد انخلق من الطّين؛ وهذا شبيه بكيفيّة خلق عيسى الذي بدوره ليس سوى نفس الكلمة (كُنْ فيكون) الخاصّة بالذّات الإلهيّة انخلق عندما قذف بها الله في رحم مريم. فقدرة الكلمة تشمل الحالتين، ذلك لأنّ الذّات الإلهيّة منزّهة من القدرة الميكانيكيّة التي تستلزم التّجسيم. والكلمةُ نفسها تنزيل موجب للتّأويل لقدرة الذّات الإلهيّة إذ لا يُدركُ كنهُها إلاّ بذلك. ففي حالة آدم، يقف الطّين موقف مريم في حالة عيسى، وكلاهما خاضعٌ للكلمة.

بخصوص موقف القرآن من مسألة صلب المسيح ووقوع ذلك من عدمه، يُشير محمّد محمود إلى ما يراه موقفاً متناقضاً (المرجع نفسه: 266-269). يستند الموقف الأوّل القائل بصلب المسيح على الآية التي تقرأ: ﴿وقولُهم إنّا قتلنا المسيحَ عيسى بن مريمَ رسولَ اللهِ وما قتلوه وما صلبوه ولكنْ شُبِّه لهم وإنّ الذين اختلفوا في لفي شكٍّ منه ما لهم بهِ علمٌ إلاّ باتّباع الظّنِّ وما قتلوه يقيناً (157) بل رفعه اللهُ إليه وكان اللهُ عزيزاً حكيما (158)﴾ [النّساء: 157-158]. تعليقاً على هذا، يقول محمّد محمود: «وهكذا نرى أنّ العناصر الأساسيّة الثّلاثة للموقف القرآني هي: عيسى لم يُقتل أو يُصلب، الشّخص الذي مات على الصّليب شخص آخر صوّره الله على صورة عيسى، ورفع الله عيسى إليه» (نفسه: 266). ويُحيل محمّد محمود هذا الموقف القرآني إلى المذهب الدوّسيتي الذي أُثرت وثيقة «رؤيا بطرس» التي يحاور فيها عيسى أثناء الصّلب فيردّ عليه الأخير بأنّ المصلوب ليس سوى «… طرفه الجسدي، هو بديله الذي يتعرّض للمهانة والإذلال، من جاء للوجود على شبهه …». من ثَمّ يقرّر محمّد محمود بغير دليل مادّي التّالي: «وإن انجذب محمّد لرأي الدّوستيّين بشأن صلب عيسى إلاّ أنّه لم ينجذب لمنطلقاتهم اللاهوتيّة، إذ لم يقبل أصلاً بفكرة ألوهيّة عيسى أو أنّه ابن الله» (نفسه: 268). قد يذهب البعض إلى أنّه من حقّ الباحث أن يتساءل إذا ما كان النّبيّ محمّد قد تأثّر بهذا المذهب الدّيني السّابق له بطريقة واعية مثلما يتأثر أيّ شخص بتيّار فكري بعينه أم لا. كما يمكن للبعض أن يذهب إلى أنّه لا ينبغي الأخذ بأيّ نتيجة ما لم يقم عليها الدّليل والحجّة. كما يمكن لآخرين أن يروا أنّ تسمية المذهب في هذا السّياق تعني إدراك النّبيّ محمّد به … إلخ. لكنّا لا نقف عند أيّ واحدٍ من هذه الأسئلة المشروعة، بل نتعدّاها جميعاً إلى الموقف الثّاني عند محمّد محمود، ذلك الذي يتعلّق بالآية: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَة ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عِمران: 55] ليخلص إلى قوله: «فإن كانت آيتا سورة النّساء في تأكيدهما أنّ عيسى لم يُقتل ولم يُصلب، بل رُفع تؤكّدان ضمنيّاً أنّه لم يمت، فإنّ آية سورة آل عِمران تصرّح أنّه قد مات ورُفع (نفسه: 268-269). بعد هذا يظهر محمّد محمود قوّة عارضته التّفسيريّة عندما يرفض محاولات المفسّرين القدماء (ومن تبعهم من المحدثين) لإيجاد مخرج من هذا التّناقض، ذلك عندما جنحوا إلى تفسير كلمة «متوفّيك» بطرائق شتّى. بمراجعة تفسير القرطبي (2006) نجد أنّها تعني اليوم، أي الأجل، وأنّ الله سيوفّي عيسى أيّامه التي كتبها له في الأرض ثمّ يرفعه إليه، ممّا جعل بعضهم يذهب في تفسيرها إلى أنّها تعني القبض حيّاً (قال الحسن وابن جريج: معنى ’متوفّيك‘ قابضك ورافعك إلى السّماء من غير موت؛ قال ابن زيد: ‘متوفّيك’ قابضك، و’متوفّيك‘ و’رافعُك‘ واحد ولم يمت بعد). كلّ هذا يرفضه محمّد محمود، ليتمسّك بتفسير الكلمة على أنّها تعني «مُميتك»، أي بما يعني أنّ الله قد أمات عيسى في الحياة الدّنيا، ثمّ بعد ذلك رفعه إلى السّماء. وفي الحقيقة ورد هذا التّفسير ضمن تفاسير الأقدمين أيضاً. فمن ضمن ما ورد في تفسير القرطبي (المرجع السّابق) ما قاله آخرون أقرّوا بموته لسويعات (قال وهب بن منبه: توفّي الله عيسى عليه السّلام ثلاث ساعات من نهار ثم رفعه إلى السّماء) وكذلك (وروى ابن طلحة عن ابن عبّاس معنى ‘متوفّيك’ مُميتك). ما جعل محمّد محمود يذهب إلى هذا انسياقه مع التّفسير اللغوي للقرآن، الأمر الذي يجعل الأخير يبدو متناقضاً فيما يتعلق بمقتل عيسى وصلبه من عدمه. فهو يخلص من جميع هذا إلى أنّ القرآن، في هذه الجزئيّة، ينطوي على تناقض. فهل فعلاً هذا ما عليه الأمر إذا ما تدبّرنا الأمر بمنهج تأويلي (ولو كان جزئيّاً يختصُّ بهاتين الآيتين)؟

يضرب محمّد محمود صفحاً، مثلما فعل جميع أولئك المفسّرين الأوائل، عن أنّ القرآن لا يُفسّر باللغة حسب دلالات الكلمات قاموسيّاً. فهو في الأساس نصّ ديني داخل خطاب عقدي متكامل، الأمر الذي يقضي بأن يتمّ تأويل آياته، لا تفسيرها. فباتّباع منهج التّأويل، نجد أنّ هناك أكثر من طريقة للجمع بين آيتي سورة النّساء من ناحية وآية سورة آل عِمران من ناحية أخرى. دعونا نقوم بمحاولة تأويل تلك الآيات: مرتكز الاحتجاج في آيات سورة النّساء يقع على الجزئيّة التي تُحيل إلى اليهود وتقرأ: «… إنّا قتلنا المسيحَ عيسى بن مريمَ رسولَ اللهِ …». فعندما تبيّن للأحبار أنّ عيسى هو الرّسول الذي وُعدوا به، لم يُذعنوا لرسالته إيماناً وتصديقاً، فأنكروا عليه نبوّته. بل أكثر من ذلك أخذتهم العزّةُ بالإثم فتحدَّوا الإرادة الإلهية وظنّوا أنّهم غالبون الله على أمره بأن خطّطوا لقتل نبيّ الله لا للتّخلّص منه فحسب، بل لإحباط إرادة الله, وبالفعل أمسكوا به وصلبوه ثمّ قتلوه. عند هذا ركبهم الوهم بأنّهم قد انتصروا فعلاً على إرادة الله. هنا جاءهم الرّدّ من الله مفيداً بأنّ  ما حدث لم يكن خارج إرادته، بل ذاك هو عين ما أراده الله لنبيِّه عيسى، أن يظفر به اليهود وأن يصلبوه وأن يقتلوه. وإلاّ فيم دلالة الآية ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُون﴾ [آل عِمران: 112]. فالتّفاسير (مثالاً لذلك القرطبي وابن كثير) لا تذكر لنا اسم أيّ نبيٍّ قتله اليهود، جانباً من المقولة المعمّمة والمعنعنة: «كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبيّ، ثمّ يقوم سوقُ بقْلهم في آخر النهار» (في ابن كثير).

وقد ورد مثلُ ما ذهبنا إليه هنا في القرآن، في معرض الإشارة إلى أنّ الفاعل الحقيقي لأفعال البشر هو الله على وجه التّحقيق، وليس من بدر منه الفعل ظاهريّاً. من ذلك الآية: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 17]. في شرح هذا، جاء عند ابن كثير: «يبيّن تعالى أنّه خالق أفعال العباد، وأنّه المحمود على جميع ما صدر عنهم من خير، لأنّه هو الذي وفّقهم لذلك وأعانهم». وهذا يتّفق مع ما قله الرّسول بطرس في حديثه مع المسيح وهو على الصّليب، غذ يمكن تأوّل جميع ذلك على هذا الوجه الذي وضّحناه.

 

التّأويل وأسباب النّزول

في الأصل لا يجوز اعتقال آي القرآن في ملابسات بعينها، ذلك إذا كان من المقرّر النّظر إلى القرآن على أنّه كتاب لكلّ العصور، أي بحسب ما تقول الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾َ [الأنعام: 38]. فإذا كان القرآنُ عبر آياته مقروناً بحوادث بعينها جرت قبل أو في زمن تنزّله، فمن لحوادث الزّمان اللاحق؟ إلاّ أنّه، مع هذا، يجوز وقف آية على ملابسة زمنيّة بعينها بشرط أن يكون هذا وفق منهج فقهي قائم بذاته، لا انتقاءً. فإذا جاز عند المسلمين تجاوز حكم نصّي لافتراق الواقع عن ملابسة الحكم الذي نزلت في آية، جاز لهم أيضاً أن يفعلوا العكس وهو هنا وقف آية بعينها على مناسبة نزولها لا تتعدّاه.

من ذلك، مثلاً، أنّ عمر بن الخطّاب تجاوز النّصّ القرآني الصّريح بشأن سهم المؤلّفة قلوبهم من الزّكاة المحدّدة بالآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التّوبة: 60]. وأصل الحكاية أنّ أبا بكرٍ الصّدّيق، وهو إذّاك خليفة المسلمين، أعطى رجلين من المؤلّفة قلوبهم أرضاً، فلقيهما عمر بن الخطّاب ورأى ما بيدهما من أمر خليفة المسلمين، فقام بتمزيقه قائلاً: «هذا شيء كان رسول الله (ص) يعطيكموه ليتألّفكم، والآن أعزّ الله الإسلام وأغنى عنكم. فإن ثبتم على الإسلام، وإلاّ فبيننا وبينكم السيف» فرجعا إلى أبي بكر فأجاز ما فعله عمر فلم يُنكر عليه ذلك أحد من الصّحابة. وقد اختلف الفقهاء في هذا. ففريق منهم تمسّك بأنّ سهم المؤلّفة لم يُنسخ وأنّه باقٍ إلى أن تقوم السّاعة؛ وفريق آخر (منهم أبو حنيفة) قالوا بانقطاع هذا السّهم لمّا أعزّالله الإسلام؛ وفريق ثالث (منهم ابن حنبل) رأوا أنّه انقطع مؤقّتاً إذ أعزّ الله الإسلام، لكن يمكن أن يُرجع إليه في حالات مماثلة يكون فيها الإسلام مستضعفاً. ما نلحظه هنا هو أنّه لا عمر ولا أبو بكر قد احتاجا إلى شرح ما قاما به؛ كما لم يعترض أيٌّ من الصّحابة على ما فعلاه.

يشرح لنا الموقف أعلاه أنّنا يمكن أن نوقف آيةً بعينها على مناسبة وملابسات نزولها، شريطة أن يأتي ذلك في إطار منهج فقهي متكامل، لا الطّريقة المتناثرة volatile للفُتيا بطريقة لكلّ مناسبةٍ فتواها التي يتّبعها البعض هنا وهناك. ويعني هذا اختطاط خطاب فقهي به تنماز عقيدة الفرد بمثلما ينماز سلوكه الفكري والاجتماعي والسّياسي، أي بطريقة منهجيّة.

 

الإيمان المضادّ: البحث عن مصادر القرآن

هناك تيّارات في علم دراسة الأديان ومقارنتها ينحو إلى تفنيد التّأسيسات الدّينيّة التي يتمّ عبرها شخصنة الإله من نفس منطلقات الشّخصنة، كأن يزعمون بأنّ الله لا يمكن أن يكون وراء ذلك الحدث أو الآية إلخ. فهم في رفضهم شخصنة الإله، ينطلقون من مسلّمة غير واعية مفادُها أنّ الله (تلك الشّخصيّة فوق الإنسانيّة parahuman) لا يعقل أن تقول مثل هذا الكلام أو أن تأمر بمثل تلك الأوامر؛ فهم كمن يرفض شخصنة الإله عبر شخصنته. وهذا من قبيل الإيمان المضادّ antifaith. وفي الحقيقة كثير من النّزعات والنّظرات الإلحاديّة يمكن النّظر إليها بوصفها إيماناً مضادّاً.

ضمن هذه التّيّارات تقع محاولات الكثير من الباحثين في التّنقيب عن مصادر القرآن (التّوراتيّة منها بشكلٍ خاصّ)، تسليماً منهم بأنّ الله لم يوحِ لمحمّد بالقرآن، وبالتّالي لا بدّ أن يكون قد وقع عليه في مصدر بعينه ثمّ انتحله. وهذه مادّة شاقت لكثيرين فتفنّنوا في معالجتها من كلّ وجه. ولهذا الموقف التّفنيدي خلفيّة تاريخيّة، ذلك عندما اتّهمت قريشٌ محمّداً بأنّه ينقل من مصدر كتابي، إمّا يهودي أو مسيحي أو كليهما. بل ذهبوا في ذلك إلى تسمية أشخاص بعينهم ممّن دانوا بأحد هذين الدّينين، فمنهم من كان في مكانة العبيد ومنهم من كان في مكانة السّادات ومنهم من توسّط بينهما بوصفهم الذين استمدّ منهم محمّد معلوماته عن القصص التّوراتي والمسيحي (انظر تفصيل ذلك في محمّد محمود، المرجع السّابق: 72-75). ليس هذا فحسب، بل منهم من حاكم القصص القرآني برصيفه في القرآن بحجّة أصليّة الأوّل مقابل اتّباعيّة الثّاني ليخلص إلى أنّ القصص القرآني قد شابه التّحريف أو النّقل غير الدّقيق، أو التّشويش، إمّا بغرض إيجاد المخالفة أو لأنّ النّبيّ محمّد لم يكن ملمّاً إلماماً جيّداً بتفاصيل تلك الأقاصيص لدرجة تمكّنه من نقلها بطريقة مقبولة، أو لكشف النّقل فحسب.

بالنّظر الدّقيق، نلاحظ أنّ المادّة التّاريخيّة المتوفّرة ليست كافية بحيث تقف دليلاً ولو ضعيفاً يسمح لهؤلاء الباحثين أن يذهبوا مذهبهم هذا. إلاّ أنّ فاصل القول عندنا لا يتعلّق  بالمادّة التّاريخيّة المتوفّرة، بل بوجوب توظيف الدّين ــــ أيّ دين مطلقاً ــــ للقصص والأساطير التي تُتيحها الثّقافة التي يظهر فيها ريثما يقوم بإنتاج أساطيره الخاصّة به، بدءاً من أسطرة النّبيّ انتهاءً بأسطرة الصّحابة والتّابعين ثمّ الأولياء والشّيوخ اللاحقين. ولا يطعن هذا في مصداقيّة الدّين وإلاّ وجب رفض الأديان إرسالاً، ولاستحال عليها تبليغ رسالتها إذا ما هي اغتربت عن ثقافاتها. فهذا عين ما فعلته المسيحيّة التي ظهرت في فترة ما بعد التّاريخ واتّبعت بأسلوب وقع الحافر اليهوديّة التي ظهرت قبلها في فترةٍ ما قبل التّاريخ فساعدها ذلك كيما تبدو كما لو كانت تملك شهادة ملكيّة فكريّة لتلك الأساطير. فهؤلاء الباحثون كما لو كانوا ينظرون إلى إتيان محمّد بدينه بنفس المنهجيّة الأكاديميّة التي يأتون بها بحوثهم، أي بالاعتماد على الوعي المباشر. ولهذا تراهم قد اشتطّوا في طلبهم لأدلّة مصداقيّة النّبيّ، بينما هم في الحقيقة إنّما يطلبون أدلّة تثبت إسقاطاتهم النّظريّة وواقع حالهم المعاصر على حالة لا يملكون مفاصلها بصورة تسمح لهم بما يفعلونه.

يقف محمّد محمود في بعض وجوه بحثه الوضيء موقف هؤلاء الباحثين، المنقّبين عن مصادر تاريخيّة للقرآن، رفضاً منهم أن يكون كلام الله. ولنلاحظ أنّه، نظريّاً، بموقفه هذا إنّما ينطلق من موقف قبلي مفادُه أنّ هناك فعلاً كلاماً لله يوحيه لرسله، إلاّ أنّ القرآن لا يرقى لهذا المستوى كونه منحولاً. فمحمّد محمود، بعد أن يدور حول البيّنات الشّحيحة المتعلّقة باتّصال النّبيّ محمّد بورقة بن نوفل (2013: 74-75)، يستعرض مكانة ودرجة ورقة عبر افتراضات محضة ليخلص إلى أنّه كان من الواضح «… ينتمي لتلك الأقلّيّة المتميّزة من القرشيّين الذين رفضوا وثنيّة قريش، ومن الواضح أنّه من الباحثين عن الحقيقة والخلاص وأنّه وجد ضالّته في التّوحيد اليهودي والمسيحي». بعد هذا ينتقل محمّد محمود إلى افتراضه الثّاني (المرجع السّابق: 75): «والأمر الآخر الذي من المعقول أن نفترضه هو أنّه كانت توجد علاقة بين ورقة ومحمّد بحكم قرابته من خديجة وقرابته من محمّد نفسه، وبحكم تقارب مزاجهما الدّيني الرّافض لوثنيّة قريش. وعلى ضوء هذا السّياق من الممكن أن نذهب أبعد ونفترض أنّ علاقة محمّد بورقة كانت في الواقع علاقة وثيقة لعب فيها ورقة، وهو الشّيخ المتفقّه في تراث المسيحيّة، دوراً هامّاً في تعريف محمّد بهذا التّراث».

من الواضح أنّ محمّد محمود يتمحّل النّصوص. فالمعلومات التّاريخيّة المتوفّرة تحكي باختصار أنّ علاقة محمّد بورقة بدأت بعد أن نزل عليه الوحي، فأصابه من الخوف ما أصابه، فأخذته خديجة لورقة كيما يقوم بتهدئة روعه. كما لا يحكي لنا التّاريخ شيئاً عن مدى تفقّه ورقة في تراث المسيحيّة. والأمر كهذا، ليس هناك ما يمنعنا من أن نفترض أنّه لم يكن يعلم سوى شذرات ومعلومات عامّة مغبّشة عن ذلك التّراث. فلماذا يفعل محمّد محمود كلّ هذا؟ ليصل إلى نتيجة مفادها قوّة العلاقة من جانب، ثمّ عمق تفقّه ورقة في التّراث المسيحي من جانب ثانٍ، ثمّ لعب ورقة دور الأستاذيّة إزاء النّبيّ محمّد من ناحية ثالثة. وكلّ هذا ممّا لا تسمح به المعلومات التّاريخيّة الشّحيحة المتوفّرة عن طبيعة العلاقة بين الرّجلين. ولكن ما لا يعكسه كتاب محمّد محمود من معرفة، بوصفه باحثاً في الأديان ومقارناً لها، أنّ الأمر لو فعلاً حدث بمثل ما يحكي، فليس في ذلك مطعن في نبوّة محمّد (أو نبوّة أيّ شخصٍ آخر). وما يُذهلُ عنه محمّد محمود هو أنّ ما يريد نسبته إلى ورقة بن نوفل عبر تمحّل النّصوص كان ممّا يعرف بالضّرورة في الثّقافة العامّة بالجزيرة العربيّة التي كان الخاصّةُ والعامّةُ وقتها قد تشرّبوا بالقصص والأساطير الواردة في الثّقافة الدّينيّة المسيحيّة ــــ اليهوديّة للدّرجة التي أصبحوا معها جميعاً يتشوّفون بزوغ شمس نبيّهم أسوةً بالنّصارى واليهود. هنا يبدو لنا محمّد محمود كما لو كان يُسقط علاقة الطّالب بأستاذه المشرف وقت التّحضير، وهي العلاقة التي عاشها هو نفسه أيّام الطّلب، على علاقة محمّد بورقة بن نوفل. فالأخيرة علاقة عابرة بحسب ما هو متوفّر من مادّة تاريخيّة، وليست هناك مشكلة معرفيّة قد تدفعنا إلى افتراض غير ذلك وإلاّ لما انسربت من أعين المؤرّخين التي لاحظت متانة علاقته بآخرين ممّن رادوا تيّار الحنيفيّة.

ولكن هل يعني قولنا هذا إنّ النّبيّ (أيّ نبيّ) لا بدّ أن يكون ملمّاً إلماماً تفصيليّا، تحليليّاً مقبولاً (إن لم يكن تامّاً) بالتّراث الاعتقادي في ثقافة شعبه؟ بالطّبع لا، وإلاّ تحوّل إلى مؤرّخ أو باحث، ذلك لاعتماده في وعيه بصورة أساسيّة على الحدس. فإعادة إنتاج هذا التّراث الاعتقادي عبر وحيٍ جديد يعني مروره عبر اللاوعي، أي الوعي غير المباشر. وبالتّالي، لا يحتاج النّبيّ إلاّ للتّفاصيل العامّة، وهو ما كان متاحاً لمحمّد في قريش التي تشرّبت عقائدها، وتخالطت مع العقائد المسيحيّة ــــ اليهوديّة لدرجة إفراز وعي ثقافي اجتماعي بضرورة بروز دين جديد به يحقّق العرب استقلاليّتهم العقديّة عن كلا المعتقدين المسيحي واليهودي. هذه هي الحنيفيّة التي انضمّ محمّد إلى ركبها فبزّ فيها الآخرين بفائق حالات الشّفافيّة عنده، ضمن عوامل اجتماعيّة وسياسيّة أخرى، ممّا يعني عقديّاً اصطفاء الله له. إلى نزعة الاستقلاليّة هذي يمكن أن نردّ الأسباب غير المباشرة للتّمدّد الحصري للإسلام في الجزيرة العربيّة على حساب الدّيانتين الأخريين، المسيحيّة واليهوديّة (راجع قول النّبيّ محمّد «لا يجتمع في جزيرة العرب دينان»)، بوصف ذلك شوقاً أيديولوجيّاً عربيّاً. وما اشتباك الإسلام بالدّينين إلاّ من لوازم تحقّق الاستقلاليّة، فانظر وتأمّل.

مجتزأ من الفصل الخامس من كتابي: منهج التّحليل الثّقافي: مشروع الحداثة في السّودان