في مثل هذا اليوم من عام 2005م تم التوقيع على "اتفاقية السلام الشامل" التي تعرف إعلاميا باتفاقية نيفاشا – الضاحية الكينية التي احتضنت المفاوضات لقرابة الثلاثة أعوام- بين حكومة السودان بقيادة حزب المؤتمر الوطني، والحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة زعيمها الراحل الدكتور جون قرنق،

وبعد مرور تسع سنوات على توقيع الاتفاقية الاخطر في تاريخ السودان، ليس فقط من زاوية اشتمالها على حق تقرير المصير لجنوب السودان الذي بموجبه انقسم السودان الى دولتين، بل من زاوية انها أول محاولة منذ الاستقلال لإعادة هيكلة الدولة السودانية، فكانت شكلا من أشكال”العودة الى منصة التأسيس” ويستوجب ذلك تقييم الاتفاقية نقديا على أساس مدى نجاحها في تحقيق هدفيها الرئيسين: السلام والتحول الديمقراطي، ومن ثم طرح السؤال التاريخي: لماذا تحولت “نيفاشا” الى فرصة ضائعة، إذ ان نتائجها الماثلة الآن هي: استقلال الجنوب بدولة تشتعل فيها الحرب الاهلية الآن في سياق الصراع على السلطة، عودة الحرب بصورة اعنف واوسع انتشارا الى جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، واشتعالها عدة مرات في ابيي، وترسيخ الدكتاتورية وهيمنة الحزب الواحد على السلطة في جمهورية السودان، وكذلك في جمهورية جنوب السودان، الاتفاقية شأنها شأن اية تسوية كان بها عيوب(بنيوية) لا مجال للتفصيل فيها هنا، ولكن ما دامت أزمات ماقبل نيفاشا مستمرة حتى الآن وبصورة أكثر مأساوية، فإن الدرس التاريخي الذي يجب ان يستوعبه (أصحاب المصلحة في التغيير نحو السلام الشامل والعادل والتحول الديمقراطي والتنمية والعدالة الاجتماعية في السودان) هو ان اية تسويات مع النظام الحاكم في الخرطوم سوف تعني إطالة عمر النظام، ومزيدا من التقسيم للوطن، ولكن رغم تصاعد القتال الآن ورغم اصطفاف المعارضة المسلحة خلف مطلب (إسقاط النظام) إلا ان هناك معطيات دولية وإقليمية مؤثرة تدفع باتجاه “نيفاشا” اخرى! فالتفاوض بين الحكومة والحركة الشعبية(شمال) يجري وفق قرار مجلس الأمن 2040 الذي يحصر التفاوض حول مصير منطقتي جبال النوبة وجنوب النيل الازرق مما يجعل المخاوف من نيفاشا اخرى موضوعية! ومنع مثل هذا السيناريو يتطلب من أصحاب المصلحة في التغيير من القوى السياسية والمدنية  الاستعداد لمواجهة نظام الخرطوم بالمظاهرات والاعتصامات ذات العيار الثقيل والمثابرة في طريق الانتفاضة الشعبية التي لا يتراجع سقف مطالبها عن اسقاط النظام، والانتفاضة هذه المرة يجب ان لا تحصر مطالبها في تطلعات نخب الشمال والوسط بل يجب ان تناضل باخلاص من اجل مطالب الاقاليم المهمشة التي اكتوت بنار الحروب(دارفور، جبال النوبة، جنوب النيل الأزرق)، بهذا فقط نضمن ان التغيير القادم سيكون في اتجاه السلام العادل و الديمقراطية، أما إذا تقاعست القوى السياسية والمدنية وجماهير الشعب السوداني عن واجبها النضالي ضد نظام المؤتمر الوطني، فليس من حقها ان تلوم المعارضة المسلحة على ابرام تسويات مع النظام الحاكم، وهي تسويات جربنا نتيجتها المتمثلة في استمرار دكتاتورية المؤتمر الوطني البغيضة، وانقسام الوطن الى وطنين، وبكل اسف ومرارة تكرار نموذج الحرب والدكتاتورية ومتلازمة الفشل والفساد في الوطن المستقل حديثا!

فأهم درس مستفاد من تجربة”نيفاشا” هو ان القوى السياسية والمدنية والمجتمع المدني والتنظيمات الشبابية ذات الانحياز الحاسم للديمقراطية وحقوق الإنسان وذات الحساسية العالية لاحتياجات ومطالب الإنسان البسيط الفقير الذي يتم خوض الحرب باسمه، يجب ان تكون  طرفا أساسيا في التسوية السياسية وان تنتزع هذا الحق بنضالها وتضحياتها في الساحة السياسية بحيث تكون قوة مؤثرة وطرفا مشاركا في صنع التغيير.