فائز السليك ماذا تقول لو كنت أنت يا سيدي، أو سيدتي ضمن مسافرين في رحلة جوية، وهيأت نفسك، وأكملت كل اجراءات السفر بما في ذلك الوصول إلى صالة المغادرة، أو حتى ركوب البص المؤدي إلى داخل الطائرة، وبعد كل هذا الجهد لا تجد مقعداً لأن المسافرين كانوا أكثر من عدد المقاعد؟.

أو أن الطائرة تحمل على متنها فقط 150 مسافراً لكن عدد المسافرين كانوا 159.؟.في أوروبا؛ قضت محكمة العدل الأوروبية أمس، بأنه من حق المسافرين في الاتحاد الأوروبي أن يحصلوا على تعويض يصل إلى 600 يورو (782 دولاراً) حال تأخر رحلاتهم الجوية لأكثر من ثلاث ساعات. ورفضت المحكمة الطعون التي قدمتها شركات الطيران. وكانت المحكمة قد قضت في عام 2009 بضرورة تعويض المسافرين في حال إلغاء رحلاتهم الجوية والتأخر لفترات طويلة، إلا إذا حدثت “ظروف طارئة” لا يمكن لشركة الطيران أن تتجنبها.

إلا أن رحلتنا المعنية كانت في أفريقيا، وفي أفريقيا كانت في السودان، وفي السودان كان عهدنا هو عهد المشروع الحضاري، والتوجه الإسلامي، وكانت الرحلة من مطار القاهرة الدولي إلى مطار الخرطوم، وكان من ضمن المسافرين رجل كبير في السن جاء القاهرة للاستشفاء، وبعد انقضاء فترة علاجه اشتد به الحنين وقرر أن يسافر إلى الخرطوم.

حزم حقائبه، وذهب إلى مطار القاهرة قبل ثلاث ساعات من موعد اقلاع الرحلة التي كانت يوم الأربعاء الماضي على متن شركة (  )، التي تكتب على تذكرتها ” شكراً لك لأنك اخترتنا “، وأكمل الرجل كل اجراءات السفر، وزن العفش، ختم ضباط جوازات الهجرة، الوصول إلى صالة المغادرة، وربما يكون قد اتصل بذويه في الخرطوم لاستقباله في صبيحة اليوم التالي  برغم برودة الطقس، وربما يكون أفراد الأسرة قد توجهوا صوب مطار الخرطوم لاستقبال الوالد.

إلا أن الوالد اتصل هاتفياً بابنه الذي ظل ينتظر خارج المطار لشيئ في نفسه، وكانت المفاجأة أن الرجل لم يجد مقعداً في الطائرة، لأن موظفي الشركة جاءوا ، هكذا، وبكل برود وأخبروهم بأن ” عدد المقاعد أقل من عدد الركاب، ولذلك من يجري سيجد مقعدا”؛ فهرول المسافرون كأنهم في سباق مارثون من صالة المطار يتدافعون إلى سلم الطائرة، فرفض الشيخ الكبير الهرولة لأنه لا يستطيع وهو من جاء للعلاج!.

هكذا؛ وبكل برود، وبكل وقاحة، من يجري سيجد مقعداً، وهو ما لا يصلح حتى في البصات السفرية من العاصمة إلى الأقاليم حين كانت الولايات تسمى أقاليماً، أو محافظات، لكنه يحصل خلال رحلة جوية، وفي مطار دولي كبير مثل مطار القاهرة!، وحين احتج المتخلفون عن السفر، كان رد الموظفين ” أن من لم يسافر فإن الله أراد له ذلك”، وبالطبع مع رفض أي حديث عن التعويض، أو حتى النقل إلى فندق لليلتي الأربعاء والخميس!. فماذا لو كان الرجل بلا ابن هنا؟ وماذا لو كان بعض المسافرين من المرضى، ولا يحملون نقوداً؟ كيف يواجهون موجات برد المدينة القاهرة؟.

هكذا هو المشروع الحضاري، وهكذا ينظر رجال أعمال المشروع الإسلامي للإنسان السوداني، بلا قيمة، ولا فائدة، ولا يستحق حتى التعويض لمدة يومين كاملين.. ناهيك عن ثلاث ساعات.. ياللفضيحة الجوية!.