عبد الله الشيخ خط الاستواء  لاشيئ في منفذ السلوم ، غير القفر، وماء الملح ، و لؤم العسكر.. الطريق طويل نحو الغرب ، و المسافرون يتهامسون بأن القذافي قال "....."  في أمريكا..! و قال سودانيون التقيتهم فى قهوة "جيجي" بشارع 26 يوليو، أن "سب الدين"، في تلك الدنيا، مثل شرب الماء..!

رميت رحلي فى مدينة الزاوية..و ليس لي رحل غير حقيبة غرست داخلها اوراق العمر، وصور شحيحة  للذكرى، ونتف من أشعار كتبتها ذات ليل حزين.. قرأت ابياتها لصديقي جهاد الفكي فى القاهرة، فقال لي ساخراً ، أن ابيات شِعري تُذكره بالأغنام السائمة، التى تمرح بين أزقة ” قشلاق  البوليس”..!

 بعد مشاوير طويلة من البحث ، اصبحت عاملاً فى فرن.. اتفانى فى خدمة رب العمل، حتى لا يطالني سيف “الصالح العام ” فى هذه الغربة ، لكن رؤسائي من المروكيين والتوانسة عندما رأوا ذلك التفاني ” بِقوا يشوفوا محل النار وين، ويلِزوني عليها”..!

كنت غادرت محطة الشباب رويداً ، وكان رؤسائي شباباً، من ذوي القلوب الواجفة،، فتلوا عضلاتهم بالكدح .. يسمعون ــ يومياً ــ  شريطاً مكروراً لعبد الوهاب الدوكالي.. لايقرأون ولا يكتبون، لكنهم  ينظرون إلي كقارورة زيت فارغة..! هؤلاء هم رؤسائي المبجلون هنا.. هؤلاء هم سِر “عُقدتي النفسية ” من كل جركانة، فارغة أو ممتلئة..!

 كان “الزيت ” هو  مسوغ فصلي من وظيفتي كـ ” فرَّان ” نادر المثال فى مدينة الزاوية الليبية، فمعذرة لمفصولي الصالح العام فى بلد يحكمه الاخوان.. لقد تعلمت الحكمة من الجركانات الفارغة.. تعلمت أن “أكل عيش ما بيجي بالساهل”.. تعلمت أن  أوامر رؤسائي من التوانسة والمروكيين واجبة النفاذ.. هذا الديالكتيك نفض غبار فكرتى عن الحياة..

 و لقد ساءلت نفسي مراراً فى تلك الغربة..” هل دَفْقْتَ الزيت”..!؟ من أين لوحوش التنظيم الدولي بهذا النعيم ،وهي التى لم يضربها أبداً “حجر دُغُشْ”..؟  لماذا انا غريب هنا ..؟ ولماذا  يتلذذ الاخوان وحدهم  بأرزاق شعب السودان..!؟ 

كان رئيسي المباشر داخل الفرن مروكياً ، مغربي الجنسية ، كان يديرنى، يمين شمال، كما يُدار دركسون تراكتور فى حواشة.. كان “يتمندر و يتغندر”  عليَّ كيف شاء.. إن شاء ينقلني من مخزن الدقيق أو إلى نار الفرن،، تنظيفاً ، وتعتيلاً، وتحميرا..!

 إذا فرغت من عتالة الدقيق أحالني إلى بيع الخبز الحار..أحالني نحو الإجابة على أسئلة ثوار ليبيا الخضراء وأنا أمام تلٍ من الخبز :ــ  ” يا سوداني ، في خُبْزَا “..!؟

فى ذلك الصباح وبينما كانت صبايا الجماهيرية العظمى يذهبن “غُدوةً ” إلى تجهيلهن الإجباري، كان المروكي يأمرنى بغرور، كأنه الملك الحسن الكبير فى زمانه..!

كلما جاءت سيرة الحكام العرب ، كان المروكي يقول عن مليكه  “جلالة الملك” .. و هكذا كان التوانسة، يفاخرون برئيسهم الذي هرب، بأنه “زين العرب”..! إلا أنا، لم يكن لدي ما أفخر به داخل أي قصر من  القصور ..كنت أقول لهم أن السودان الآن، يحكمه الكيزان..!  كانوا يصمتون.. فهم لا يعرفون ما إذا كان هؤلاء الكيزان، من جنس الإنس، أو من أصل الجِن..!  كانوا لا يعرفون شيئاً.. كانوا يصمتون على هامش الأحاديث خوفاً من أن يورطهم هذا “العِبيد” السوداني في أحاديث السياسة ..!

 فى ذلك الصباح، أمرني المروكي بصلف رئيس عربي، لم يتوقع أبدا استشراء ثقافة “حقوق الانسان” فوق السماء الدنيا..!

قال لي:ــ  “هيا يا سودانى، هيا، بره”..!

ذكرتني لغته الآمرة هذه بـ “مطوحاتي”  فى بداية عهد التمكين، أمام لجنة الاختيار الإنقاذية.. قلت له :ــ “بره وين يا زول؟ ، إنت بقيت زي الكيزان ترفد، ساكت كدي، على كيفك”..؟!

كان رئيسي ، يحتفى بحذائه أكثر من إحتفاءه بعقله..كان يخاف العسس الملكي رغم  علمه بأن مئات مئات الكليلومترات تفصل بينه وبين مدينة الرباط..!

انتبه المروكي وابدى دهشةً، من وصفى لقادة بلدي السودان بأنهم مجرد “كيزان”..!..لِم  الدهشة يا ” أخا العرب “..؟ قلت لك أنهم كيزان، و لم أقل أنهم جرذان، كما قالها القذافي..!

لكن ، كيف أشرح لرئيسي المباشر الذي لايعرف الكتابة، مرامي هذا المصطلح..؟ إنه مثل جماعة  “الإصلاح”  فى اليمن السعيد،، يخرج الواحد منهم ليواجه الموت فى المظاهرة، واذا سألته كاميرا “الجزيرة” عن اهدافه من المشاركة فى الثورة ضد حكم الشاويش، يقول بثقة العارفين، أنه يأمل فى تقليد نموذج “دولة الإسلام فى السودان”..!

 نواصل……..